عقد اجتماعي خاص بالمرأة.. ضرورة تاريخية لمجتمع عادل – روديا عبدو
عقد اجتماعي خاص بالمرأة.. ضرورة تاريخية لمجتمع عادل

“ من أجلِ تحقيقِ عقدٍ اجتماعي حقيقي للمرأة، يجبُ أن تكونَ النساءُ
أنفسهنَّ هنَّ من يكتبنَ هذا العقد،
فالمرأة ليست كائنًا منفصلًا عن المجتمع،
بل هي جزءٌ أساسي من نسيجه، ومصدرٌ للمقاومةِ والحكمة”
روديا عبدو
منذ أن خطّ الإنسان خطواته الأولى على درب التاريخ، كانت المرأة شريكة في صناعة الحياة، ومصدرًا للخصب والحكمة والمقاومة. غير أنّ هذه الشراكة سرعان ما اختلّت لصالح نظام اجتماعي ذكوري، هيمن على مفاصل السلطة، واحتكر سردية التاريخ، وقام بإقصاء المرأة من الفضاء العام، وأعاد حصرها في أدوار إنجابية أو خدمية لا تليق بإنسانيتها الكاملة.
لقد رسمت المجتمعات عبر القرون خريطة للعلاقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والدينية، بُنيت على مفهوم تفوق الرجل، وسيادة الهيمنة الذكورية على الأجساد والمعاني، وهو ما انعكس على التشريعات، والمؤسسات وحتى الثقافة اليومية. رغم النضالات النسوية التي حققت مكاسب مهمّة في القرنين الأخيرين إلا أنّ المرأة لا تزال، حتى اليوم، تخوض معارك مريرة ضدّ أنظمة قانونية واقتصادية وثقافية تستبطن التمييز، وتُعيد إنتاج دونيتها بشتى الوسائل.
لذلك؛ فإنّ ما يُطرح اليوم حول “عقد اجتماعي خاص بالمرأة” ليس دعوة انفصالية أو مطلبًا استثنائيًا، بل هو صرخة في وجه التواطؤ التاريخي الذي أقصى المرأة من دوائر القرار والتشريع. لقد أصبح من الواضح أنّ المبادئ العامة لحقوق الإنسان رغم أهميتها لم تكن كافية لتوفير ضمانات حقيقية للنساء، وأنّه لا بدّ من إعادة التفكير في العقد الاجتماعي نفسه (ذلك الإطار النظري والسياسي الذي يحدد شكل العلاقة بين الفرد والمجتمع والدولة). لأنّ العقد الاجتماعي التقليدي كُتب بلغة ذكورية، ولخدمة مصالح الذكور تاريخيًا، فقد آن الأوان لأن تعاد كتابته بلغة العدالة الجندرية، حيث تكون المرأة ليس فقط طرفًا فيه، بل شريكةً في صياغة قواعده من جديد.
العقد الاجتماعي التقليدي: حين كُتب التاريخ بيد الذكور
تعود جذور فكرة العقد الاجتماعي إلى الفلسفة السياسية الأوروبية، خاصّة لدى مفكرين مثل توماس هوبز، وجون لوك، وجان جاك روسو، الذين سعوا لتنظير علاقة الفرد بالدولة، وتبرير السلطة السياسية عبر اتفاق افتراضي يُعرف بـ العقد الاجتماعي. هذا العقد قام على فكرة أنّ الأفراد تنازلوا عن جزء من حريتهم لصالح الدولة مقابل الأمن والنظام. لكن ما غفل عنه – أو تغافل – هؤلاء الفلاسفة هو أنّ مفهوم الفرد في تنظيراتهم كان دائمًا يشير إلى الرجل. أما النساء فكنّ غائبات تمامًا عن هذا التعاقد. الفيلسوفة النسوية “كارول باتمان” كشفت في كتابها “العقد الجنسي” عام 1988، أنّ العقد الاجتماعي الحديث تأسس على عقد آخر خفي، عقد إخضاع النساء للرجال، يُبرر استعبادهنّ ضمن الفضاءين العام والخاص.
إنّ الحداثة السياسية التي تباهت بحرية الإنسان وحقوقه، لم تكن في حقيقتها سوى امتداد لسلطة الرجل الأبيض المالك، بينما بقيت المرأة خارج الحسابات، تخضع لمؤسسات أبوية تُعيد إنتاج هيمنة الذكر باسم القانون.
لماذا عقد خاص بالمرأة؟
في ضوء العقد الاجتماعي التقليدي الذي استبعد المرأة، يظهر بوضوح أنّه لا يمكن تصوّر العدالة المجتمعية والمساواة الحقيقية بين الأفراد إلا إذا تمّ الاعتراف بأنّ العقد الاجتماعي يجب أن يتطور ليشمل منظورًا نسويًا يراعي خصوصية وضع المرأة، ويعترف بحقوقها الخاصة. لذلك؛ يصبح من الضروري التفكير في عقد اجتماعي خاص بالمرأة يعالج التحديات البنيوية التي تواجهها، ويمنحها مكانتها الطبيعية في أيّ مجتمع. دعونا نلقي الضوء على الأسباب الرئيسية التي تجعل هذا العقد ضرورة تاريخية وعملية في الوقت ذاته:
أ. استعادة مفهوم المواطنة الكاملة:
المواطنة لا تعني مجرّد حيازة أوراق ثبوتية أو التمتع بالحقوق المدنية البسيطة، بل تتعلق بحصول الفرد على مكانة متساوية في المجتمع، مع فرص متكافئة في جميع مجالات الحياة. المرأة في معظم الأنظمة القانونية الحديثة تُعتبر “مواطنة من الدرجة الثانية”، إذ لا تُمنح حقوقًا متساوية مع الرجل في جوانب عديدة، مثل الميراث، والحقوق السياسية، والعمل. لهذا؛ يحتاج العقد الاجتماعي النسوي إلى إعادة تعريف المواطنة، بحيث يتساوى الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات القانونية والسياسية، ويُعاد النظر في منظومة القيم التي تربط المواطنة بالجندرة.
ب. تفكيك البنى الذكورية
تُشكل البنية الاجتماعية الذكورية عقبة أساسية أمام تحقيق العدالة بين الجنسين. هذه البنية لا تقتصر على المستوى الأسري فحسب، بل تشمل المؤسسات التعليمية، والإعلام، والقوانين، وحتى نظم العمل. يتمّ إعادة إنتاج هذه البنية يوميًا، حتى في المجتمعات التي تحاول تقديم صورة متحضرة عن حقوق الإنسان. لذلك؛ يصبح من الواجب أن يشمل العقد الاجتماعي النسوي تفكيك هذه البنى، وإعادة تأسيس مؤسسات قادرة على التفاعل مع النساء بوصفهن شركاء متساوين في بناء المجتمع.
ج. الحماية من العنف البنيوي
العنف ضدّ المرأة ليس مقتصرًا على الاعتداءات الجسدية فقط، بل يتضمن أشكالًا أكثر تعقيدًا تشمل العنف الرمزي، والعنف الاقتصادي، والعنف القانوني. ففي العديد من البلدان، تتعرض النساء للتمييز في الأجور، ويتعرضن للمضايقات في أماكن العمل، ولا يحصلن على الحقوق الكاملة في الميراث، كما يتعرّضن لانتهاكات تتعلق بالزواج القسري، وفرض القيود على حرية التنقل. لذلك؛ يجب أن يكون العقد الاجتماعي الجديد حاميًا للمرأة من هذه الأنواع المتعددة من العنف، ويوفّر لها حماية قانونية واجتماعية فعّالة تضمن استقلالها وحريتها.
د. التمكين الفعلي
تمكين المرأة أصبح شعارًا متداولًا في معظم المجتمعات، ولكن الفارق الكبير بين الشّعار والتطبيق هو أنّ تمكين المرأة لا يتوقف عند مجرّد منحها الفرص، بل يجب أن يتضمن سياسات عملية تضمن مشاركتها الفعّالة في المجالات السياسية، الاقتصادية، والتعليمية. إنّ تمكين المرأة يحتاج إلى دعم المشاريع النسوية، وتطوير فرص العمل المستدامة للنساء، وتوفير الموارد اللازمة لهن، بدءًا من برامج التعليم وصولاً إلى دعم النساء في مجالات القيادة السياسية والمجتمع المدني.
تُعدّ مناطق شمال وشرق سوريا أحد أبرز النماذج المعاصرة التي تسعى إلى صياغة عقد اجتماعي خاص بالمرأة، حيث قامت الإدارة الذاتية الديمقراطية بتطوير نظام سياسي واجتماعي يعكس القيم الديمقراطية والتحررية التي تهدف إلى بناء مجتمع متساوٍ يضمن للمرأة مكانتها الطبيعية في المجتمع.
الرئاسة المشتركة: تتسم مؤسسات شمال وشرق سوريا بنظام الرئاسة المشتركة، حيث يتمّ تقاسم المسؤولية بين الرجل والمرأة في جميع المجالات السياسية والمدنية. هذه الفكرة تتيح للمرأة أن تكون في قلب عملية اتخاذ القرار، وتوفر لها الفرصة للتأثير على السياسات العامة.
نظام الكوتا النسائية: تمّ تخصيص نسبة 50% من المقاعد في المجالس والهيئات التنفيذية للنساء، مما يضمن تمثيلًا سياسيًا فعّالًا للمرأة في مواقع صنع القرار.
قوانين رادعة ضدّ العنف: وُضعت قوانين صارمة لمكافحة العنف ضدّ المرأة، تشمل معاقبة مرتكبي العنف، وتوفير الدعم الاجتماعي والنفسي للنساء المعنفات.
مجالس عدالة نسويّة: في إطار سعيها لضمان العدالة للنساء أُنشئت محاكم نسائية تنظر في القضايا التي تخصّ النساء، وتعامل قضاياهن من منظور حقوقي يتماشى مع قيم المساواة.
اقتصاد المرأة: يُشجَع اقتصاد المرأة من خلال دعم المشاريع النسائية المستقلة، وإنشاء التعاونيات النسائية التي تتيح للنساء الفرصة لتطوير مهاراتهن الاقتصادية، وتحقيق الاستقلال المالي.
هذا النموذج يؤكّد أنّ صياغة عقد اجتماعي خاص بالمرأة ليس مجرّد فكرة نظرية، بل هو نموذج عملي يُظهر أنّه عندما تتوافر الإرادة السياسية والفكر التحرري، يمكن أن يصبح التغيير حقيقة ملموسة.
ملامح العقد الاجتماعي النسوي المطلوب
لصياغة عقد اجتماعي عادل للمرأة، يجب أن يقوم هذا العقد على مجموعة من المبادئ الأساسية التي تضمن حقوق المرأة، وتحترم إنسانيتها، وتوفّر لها الفرص الكافية لتحقيق ذاتها منها:
أ. الحق في الجسد: يجب أن يكون للمرأة الحق الكامل في جسدها، وأن تُرفض كل أشكال التعدي عليه، مثل الختان، الاغتصاب، الزواج القسري، والتحرش الجنسي. الجسد ليس ملكًا للأسرة أو للمجتمع، بل هو ملك للمرأة وحدها.
ب. المساواة في القانون: إلغاء جميع القوانين التمييزيّة ضدّ النساء في الأحوال الشخصية، الميراث، العمل، والتعليم. كما يجب أن يُعاد النظر في النصوص القانونية التي تُميّز ضدّ المرأة، ويُعمل على وضع تشريعات تضمن مساواتها التامة مع الرجل.
ج. التمثيل السياسي المتساوي: التمثيل السياسي للنساء يجب أن يكون متساويًا في البرلمان، الحكومة، البلديات، والأحزاب السياسية. هذا يشمل تشجيع النساء على المشاركة الفعّالة في الحياة السياسية واتخاذ القرارات المصيرية.
د. التربية الجندريّة: إصلاح المناهج التربوية بما يكرّس مبدأ المساواة بين الجنسين ويُلغي الصور النمطيّة عن المرأة. لا يجب أن تكون التربية في المدارس محكومة بالتمييز الجندري، بل يجب أن تركّز على تعزيز الاحترام المتبادل بين الجنسين.
هـ. استقلال القضاء: يجب تأسيس محاكم نسائية مستقلة تدير قضايا النساء من منظور حقوقي وإنساني، وأن يتمّ تدريب الكوادر القضائية على التعامل مع القضايا التي تخصّ النساء بشكل مهني وغير متحيّز.
التحديات التي ستواجه تطبيق العقد الجديد
على الرغم من ضرورة تبني عقد اجتماعي نسوي، إلاّ أنّ الطريق إلى تطبيقه ليس سهلًا. تواجه المجتمعات تحديات كبيرة في تحقيق العدالة الجندريّة، ومن أبرز هذه التحديات:
أ. الثقافة الذكوريّة المتجذّرة
في العديد من المجتمعات، لا يزال الاعتقاد بأنّ النساء “أقل” من الرجال في الثقافة الشعبية. لذلك، يتطلّب تغيير هذه الثقافة وقتًا وجهدًا كبيرين، خاصّة من خلال التربية والتعليم والإعلام.
ب. توظيف قضايا النساء سياسيًا
في بعض الأحيان، يتمّ استخدام قضايا النساء لأغراض سياسية دون أن يصاحب ذلك تغيير حقيقي. ما يُعرف بـ “النسويّة الرسميّة” غالبًا ما يكون مجرّد أداة لتلميع صورة الأنظمة السياسية التي لا تقوم بأي إصلاحات حقيقية لصالح المرأة.
ج. الدين والتشريع
قد تصطدم العديد من المقترحات الإصلاحية مع التفسيرات الدينية، مما يجعل الحوار بين الدين والتحديث القانوني أمرًا بالغ الأهمية.
د. غياب الإرادة السياسية
في بعض الأنظمة الاستبدادية، يُعتبر تمكين النساء تهديدًا لبنية السّلطة القائمة، مما يُعيق تطبيق إصلاحات جذريّة لصالح المرأة.
من يكتب هذا العقد؟
من أجل تحقيق عقد اجتماعي حقيقي للمرأة، يجب أن تكون النساء أنفسهنَّ هنَّ من يكتبنَ هذا العقد. لا بدّ من مشاركة نساء من جميع الطبقات الاجتماعية: الريفية، المدنية، العاملة، الأكاديمية، والشّابة، والكبيرة في السّن. فالمرأة ليست كائنًا منفصلًا عن المجتمع، بل هي جزءٌ أساسي من نسيج المجتمع. كذلك؛ يجب أن يُشارك الرجال الذين يؤمنون بقضية العدالة الجندرية في صياغة هذا العقد، لأنّ التغيير لا يتمّ إلا عندما يكون جماعيًا ويشمل جميع أفراد المجتمع.
نحو مجتمع إنساني متكامل
إنّ عقدًا اجتماعيًا خاصًّا بالمرأة ضرورة تاريخية تُمليها العدالة الإنسانية. دون تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة، لا يمكن لأي مجتمع أن يزعم أنه وصل إلى مرحلة من التحضّر والتقدم. فكلّما تحررت المرأة، تحرر المجتمع ككل، وكلّما تحقق لها حقوقها، تحقق التقدّم والازدهار للجميع. المرأة لا تطالب بالهيمنة أو التفوق، بل تطالب بمكانها الطبيعي كشريكة في الحياة، في العمل، في السياسة، وفي صنع المستقبل. لذا فإنّ تحررها هو المقياس الحقيقي لتحرر المجتمع بأسره.
