الفن شكل من أشكال إيضاح الحقيقة – المفكر عبد الله أوجلان
الفن شكل من أشكال إيضاح الحقيقة
المفكر عبد الله أوجلان
تُعَدُّ الميثولوجيا والأديانُ والفنونُ أشكالَ التعبيرِ الأساسيةَ عن الحقيقة، في الظروفِ التي لَم يتصاعدْ التحكمُ الاجتماعيُّ (الهرمية والدولة) فيها بَعد. بينما دورُ الفلسفةِ والعلمِ محدودٌ في إيضاحِ الحقيقة. أما الشكلُ الطاغي في التعبيرِ عنها، فهو الميثولوجيا. وكما هو معلوم، فالميثولوجيا هي السرودُ التي على شكلِ مَقُولاتٍ شائعةٍ وملاحِمَ وحكاياتٍ وأقاصيص. ثمة حقيقةٌ مخفيةٌ في الميثولوجياتِ أيضاً دونَ بُد. أو بالأحرى، فالميثولوجيا شكلٌ من أشكالِ نُطقِ الحقيقةِ وقَولِها. كما أنّ الدينَ غيرَ الغارقِ في المدنيةِ هو شكلٌ يَطغى عليه الجانبُ العقائديُّ ويُضفي الجزمَ والحسمَ على تَثمينِ الحقيقةِ أكثر، نسبةً للميثولوجيا. أي أنّ الدينَ هو الميثولوجياتُ التي يَسُودُ الإيمانُ بقَطعيتِها.
ثمة تَسَاوٍ وتطابُقٌ مع الحقيقةِ في العقائدِ والأحكامِ الدينية. هذا وتَكُونُ الحِكمةُ (الفلسفة) والعلمُ مشحونَين بآثارِ الميثولوجيا والدين. كما أنّ الفنَّ كشكلٍ من أشكالِ إيضاحِ الحقيقة، على صِلَةٍ وثيقةٍ مع الذهنيةِ الدينيةِ والميثولوجية. إذ يَسعى للتعبيرِ عن المعنى كموسيقا ورسم. من هنا، فالتّحَرّي عن المعنى المُناط بالموسيقا والرسم والتِّمثالِ يُعَدُّ أحدَ أنشطةِ الحقيقةِ الهامة. أي أنّ المهمَّ هنا ليس الموسيقا والرسوم والتماثيل بِحَدِّ ذاتِها، بل قيمَتُها من حيث المعنى والحقيقةِ اللذَين تُعَبِّرُ عنهما.
شاعريةُ لغةِ الميثولوجيا والدينِ أساسية. فاللغةُ بِحَدِّ ذاتِها مفعمةٌ بالسرودِ الشعريةِ منذ مدةٍ طويلة، أي منذ ولادتِها. بالتالي، ثمة علاقةٌ رصينةٌ بين الشعرِ والحقيقة. فالشعرُ هو لغةُ وحقيقةُ المجتمعِ الحرِّ القديمِ الذي لَم يتعرَّفْ على التحكم. والشعراءُ الأوائلُ هم أولئك الذين عَمِلوا على إظهارِ الحقيقةِ قبلَ ظهورِ الحكماءِ والأنبياء. وشاعريةُ لغةِ مجتمعٍ ما وقدرتُها على السردِ الفنيّ، مؤشِّرٌ على مدى تَمَتُّعِه بواقعٍ اجتماعيٍّ حرٍّ وذي معنى ثمين.
مجتمعُ المدنيةِ، بصفتِه نظامَ المجتمعِ الطبقيِّ والدولتيّ، مُمَزَّقٌ من حيثُ المعنى والحقيقة، نظراً لتَصَدُّعِه وتَعَرُّضِه للتحكمِ داخلَياً وخارجياً على السواء. تَغتَرِبُ الحقيقةُ بسببِ اختلاطِ التحكُّمِ بالسردِ الميثولوجيِّ والدينيّ. ويتعلقُ الاغتراب بصُلبِ ووجودِ مجتمعِ المدنية، ولا يعتمدُ على القولِ فحسب. فلدى تقديمِ التنظيماتِ التحكميةِ للمعاني التي تحتويها على أنها الحقيقة، فإنّ تَغَيُّراتٍ جذريةً تَعتَري براديغمائياتِ الحياةِ الاجتماعية. وتتكونُ الحياةُ المتناقضةُ والأشكالُ البراديغمائيةُ التي تُوَجِّهُها ضمن المجتمع. يُعاشُ الاغترابُ بِنَخرِ الحقيقةِ وقَرضِها ونَحتِها وصَهرها.
هذا وتتدنى باستمرار قيمةُ الذين يَحيَون الاغترابَ كحقيقة، حصيلةَ الجهودِ المبذولةِ في سبيلِ تَقَبُّلِ الشذوذِ والقمعِ والتعتيم. ولدى عدمِ بقاءِ حقيقةٍ يُصارَعُ ويُحارَبُ لأجلها، يصيرُ المجتمعُ الذي يَحيا الاغترابَ كومةً من البنى العديمةِ المعنى والجدوى. حينها تغدو البنى المذكورةُ عبئاً على كاهلِ المجتمعِ وضرباً من المرضِ الاجتماعيّ، لا غير. فالتزمُّتُ والتعصُّبُ يستَذكَران بالأسماءِ المَرَضِيّةِ من قبيلِ الفاشية. هكذا يصبح الاغترابُ بلا معنى من حيث هو واقعٌ اجتماعيٌّ في حالةِ مَرَض. وفقدانُ المعنى يَعكِسُ حالةَ المجتمعِ الأكثر خطورةً على الإطلاق.
بالإمكان اقتفاءَ التصدُّعِ والصراعاتِ، التي عانتها الحقيقةُ في طبيعتِها الاجتماعية، داخلَ جميعِ أشكالِ المدنية. فكلما قَلَّت قيمةُ حقيقةِ الميثولوجيا والدين، كلما تَنَحّت الإلهاتُ والآلهةُ المَعبودةُ في أجواءٍ من المآدبِ والشعائر القَيِّمةِ والحيويةِ عن أماكنِها للأوثانِ التي لا قيمةَ لها. هكذا يتمُّ العبورُ من عصرِ الإلهةِ الأنثى البهيةِ والمقدسةِ التي تُغدِقُ المكافآت، إلى عصرِ الآلهةِ المُعاقِبةِ والمستَعبِدة. وفي حقيقةِ الأمر، فالتحوُّلُ الاجتماعيُّ (التحول من المجتمعِ الكوموناليِّ صوب المجتمعِ الطبقيّ) يُعَبِّرُ عن نفسِه ضمن الحقيقةِ بهذا المنوال.
هذا وبالمقدورِ رصد هذا التحولِ بنحوٍ حيويٍّ للغاية في المجتمعِ السومريّ. علاوةً على أنّ الحربَ تنشبُ بين الآلهةِ أيضاً. فبينما تَعكِسُ التقاليدُ الديونيسوسيةُ ذاتَها على أنها حقيقةُ المجتمعِ الكوموناليِّ الزراعيّ، فإنّ التقاليدَ الزيوسيةَ تُعكَسُ على أنها حقيقةُ الشرائحِ التحكميةِ التي طرأَ عليها أولُ تَصَدُّعٍ وتَحَوُّلٍ في هذا المجتمع. وحتى صراعُ هذَين التقليدَين يَجِدُ معناه الأصليَّ في المجتمعِ السومريّ، إذ ينعكسان على فنونِ ذاك العصرِ بنحوٍ ملفتٍ للأنظار. بينما عصرُ الإلهةِ الأنثى يُواظِبُ عكسَ نفسِه حتى عهدِ مريم أمِّ عيسى. وأثناء تَحَوُّلِ الرأسماليةِ إلى نظامٍ سائد، فإنشاؤُها حداثتَها بِحَرقِ “الساحرات” وهنّ لا يَزَلن على قيدِ الحياة، واللواتي هنّ آخرُ مُمَثِّلاتٍ عن عصرِ الإلهةِ الأنثى؛ هو أمرٌ تعليميٌّ وباعثٌ على التفكيرِ لآخرِ درجة.
تكتسبُ الفلسفةُ والعلمُ أهميةً ملحوظةً في عصرِ المدنيةِ كشكلَين للتعبيرِ عن الحقيقة. ويؤدي البحثُ عن الحقيقةِ والكفاحُ لأجلِها دوراً أساسياً في ذلك. وتَحلُّ الأنظمةُ الساعيةُ للتسترِ بالميتافيزيقيا مَحَلَّ الملوكِ – الآلهةِ المُقَنَّعين وغيرِ القادرين على إخفاءِ ذاتهم بالسردِ الميثولوجيِّ والدينيِّ بقدرِ ما كانوا عليه سابقاً. أي أنّ الميتافيزيقيا بوصفِها مثاليةً موضوعانية، تُطَوَّرُ كذاتٍ جوهريةٍ لأنظمةِ المدنيةِ المسيطرة، كنتيجةٍ لسقوطِ الأديانِ التوحيديةِ في النواقص. وتَقومُ “المُثُل” مقامَ الإله كحقيقة. وتُعرَضُ المثاليةُ على أنها أكثرُ حقيقةً باعتبارِها إلهاً متدوِّلاً. لهذا السبب، ثمة أواصرٌ وثيقةٌ بين المثاليةِ والاغتراب. إذ تَدورُ المساعي للتعبيرِ عن الحقائقِ الاجتماعيةِ بالمُثُل، لا بالآلهة. أما تَعَرُّضُ الحقيقةِ الاجتماعيةِ للتآكلِ والتفسُّخِ والصهرِ والتحريف، فيَتَجَذَّرُ أكثرَ مع المثالية.
إنّ عدداً لا حصرَ له من الدولِ التي تتظاهرُ بالمدنية، كونَها نظامَ السلطةِ والاستغلالِ المهيمن، تَضَعُ ثِقَلَها أيضاً على الأشكالِ الفنيةِ المُبالَغِ فيها والمُزَخرَفةِ والمُهيبة، وذلك بغرضِ إخفاءِ معناها الاجتماعيِّ المتزايدِ ضيقاً بالتدريج. وعلى سبيلِ المثال، فالمدنيةُ الرومانيةُ والإغريقيةُ أَبدَت أهميةً فائقةً جداً لهكذا عروضٍ في ميادينِ العَمارِ ونحتِ التماثيلِ والموسيقا والموزاييك، وتقديمِها على أنها الحقيقة. أي، وبقدرِ ما يُغالي النظامُ في عرضِ نفسِه، فهو يسعى بالمِثلِ إلى إخفاءِ وتحريفِ معناه الاجتماعيّ (حقيقة المستَغَلّين والمسحوقين). فيُرفَقُ العلمُ والفلسفةُ والفنُّ بالسلطة، وتُبذَلُ الجهودُ لتدويلِهم، مثلما كان الأمرُ في العصرِ الميثولوجيِّ والدينيّ. بالتالي، تُعاشُ مرحلةٌ من الكفاحِ العلميِّ والفلسفيِّ في مواجهةِ التصدُّعِ الاجتماعيّ.
وبقدرِ ما يتصدى العلمُ والفلسفةُ تجاه زوالِ المعنى وضياعِه، بقدرِ ما تتضاعفُ قوتُهما في التعبيرِ عن الحقيقة. في حين أنه كلما ائتَمَرا بإمرةِ أصحابِ السلطةِ والدولة، فإنهما يصبحان دوغمائيَّين، ويَفقدان عُراهُما مع الحقيقة، ويؤديان دورَهما كوسيلةٍ ناطقةٍ باسم الاغتراب. أي أنّ العلمَ والفلسفةَ تَصاعَدا كتعبيرٍ عن الحقيقةِ في وجهِ التعابيرِ الميثولوجيةِ والدينيةِ التي فقدَت أواصرَها مع الحقيقة. ولكن، عندما يُبَدّلان دورَهما فيَخرجان من كَونِهما يَتَّخِذان المجتمعَ أساساً، لِيَقوما بخدمةِ مصالحِ احتكاراتِ القمعِ والاستغلال؛ فإنهما يَغدوان دوغمائيَّين، ويَدخلان مرحلةَ فقدانِ أواصرِهما مع الحقيقة، تماماً مثلما الاغتراباتُ الميثولوجيةُ والدينيةُ القديمة. هذا وتُعاشُ سياقاتٌ مشابهةٌ في الفنونِ أيضاً. فالفنونُ التي تفقدُ صِلاتِها مع الحقيقة، تسقطُ في حالةِ المغالاةِ بالذات، وتتصاغَرُ مبتعدةً عن التعبيرِ عن الواقعِ الاجتماعيّ.
القضايا الاجتماعيةُ الناجمةُ عن التحكمِ في عصرِ المدنية، تَفرضُ مساءلةَ الذاتِ وبلوغَ الحلِّ في كافةِ أنماطِ التعبيرِ عن الحقيقة. وبقدرِ ما يَكُونُ مصدرُ قضايا الحقيقةِ اجتماعياً، فحلولُها أيضاً مندرجةٌ في إطارِ علمِ الاجتماع. أما العلمُ المفتقرُ لأواصرِه مع المجتمعية، فلا مفرَّ مِن اغترابِه، وبالتالي فقدانِه عُراه مع الحقيقة. في حين أنّ المجتمعاتِ البارعةَ في كلِّ أساليبِ الحقيقة، هي مجتمعاتٌ تَخَلَّصَت من الاغترابِ ومن كونِها مُعضلةً إشكالية، وتَسُودُها المساواةُ والحريةُ والديمقراطية (أخلاقية وسياسية).
الحقيقة والاغتراب في الحداثة الرأسمالية:
بقدرِ ما تُراكِمُ الحداثةُ الرأسماليةُ من السلطةِ والربحِ – رأسِ المالِ بالحدِّ الأقصى، فهي ارتباطاً بذلك تُعَبِّرُ أيضاً عن النظامِ الذي تَغتَرِبُ فيه الحقيقة. وكيفما اقتَضَت ولادتُها كنظامٍ حروبَ الحقيقةِ الدمويةَ جداً، فاستمرارُها أيضاً جَلَبَ معه أعتى وأعظمَ الحروبِ التي شَهِدَها التاريخ. أي أنّ حروبَ النظامِ ليستَ مجردَ حروبٍ لأجلِ السلطةِ والاستغلالِ فقط، بل هي حروبُ الحقيقةِ الضاريةُ أيضاً في الوقتِ عينِه. فالحداثةُ الرأسمالية، التي تُعتَبَرُ الامتدادَ الكونيَّ الأرقى لِنُظُمِ المدنية، تتحققُ تناسُباً مع مدى سحقِها وتحريفِها وتعتيمِها للمعنى الاجتماعيِّ وحقيقتِه.
وبقدرِ ما يتعاظمُ الربحُ والسلطةُ داخلَ النظام، يتصاغَرُ حَيِّزُ حقيقةِ الحياةِ الاجتماعيةِ بالمِثل، ويتضاعفُ فقدانُ المعنى إلى حدٍّ كبير. فالحياةُ الاجتماعيةُ لا تَغدو ضحيةَ جشعِ السلطةِ والربحِ فحسب، بل وتَحيا اغتراباً ثقيلَ الوطأةِ في كافةِ أشكالِ التعبيرِ عن الحقيقة. المجتمعُ هنا وجهاً لوجهٍ أمام سياقِ تصفيةٍ بكلِّ معنى الكلمة، سواءً كمعنى أم كحقيقة. إذ تُوضَعُ حقائقُ السلطةِ ورأسِ المالِ محلَّ كافةِ حقائقِ المجتمع.
عندما قامت الرأسمالية، التي هي الدعامةُ الأولى للحداثة، بانتهازِ الفرصةِ في التحوُّلِ بِحَدِّ ذاتِها إلى نظام؛ كانت قد بَدَأَت عَمَلَها بتصفيةِ المجتمعياتِ الأوليةَ لِما قبلَ التاريخِ وما بعدَه. فقبل كلِّ شيء، وتحت شعار “صيد النساء المشعوذات”، كانت قد حَرَقَت بلا هوادةٍ أو رحمة قوةَ مجتمعيةِ المرأةِ الساعيةِ للبقاءِ متماسكةً. يستحيلُ التفكير بصيدِ النساءِ المشعوذاتِ مستقلاً عن رأسِ المال. فمشاهدُ الحرقِ هذه قد فادَت إلى آخرِ درجةٍ في إنشاءِ الرأسماليةِ لهيمنتِها على المرأةِ التي تَحيا أعمقِ درجاتِ العبودية. وكونُ المرأةُ في خدمةِ النظامِ الراهنِ بأشدِّ حالاتِها بغاءً وفحوشاً، إنما يتأتى من أواصرِها الوثيقةِ مع عملياتِ الحرقِ تلك، التي مورِسَت في مرحلةِ انطلاقةِ الهيمنةِ الرأسمالية. ذلك أنّ صدماتِ الحرقِ المُرَوِّعةَ أَقحَمَت المرأةَ في أوروبا في خدمةِ الرجلِ بلا حدود.
