منى واصف.. امرأةٌ صنعت مكانتها بنفسها – بقلم: أمل محمد
منى واصف.. امرأةٌ صنعت مكانتها بنفسها
بقلم أمل محمد
“تبقى أهمية تجربة منى واصف، إلى جانب إنجازاتها الفنية، في أنّها قدّمت على
مدى أكثر من ستّة عقود صورةً لامرأة استطاعت دخول مجالٍ صعب، وإثبات نفسها فيه،
والحفاظ على حضورها، وتحويل موهبتها إلى مسيرةٍ مهنيةٍ طويلةٍ ومؤثرة“
منى مصطفى واصف جلميران، ممثلة سورية من أصولٍ كردية، تعود جذور عائلتها إلى الموصل في العراق، ويُقال إنّ اسم “جلميران” يعني ابنة الأربعين أميرًا. أمّا والدتها فمن أصولٍ مسيحية من حمص في سوريا، وقد وُلدت منى واصف في العاصمة دمشق. وتتميز بشخصيةٍ قوية وحنونة في الوقت نفسه.
القوة والصلابة، والاعتزاز بالجذور والهوية، والانضباط والالتزام والمثابرة والاستقلال، هي من أبرز الصفات التي رافقت منى واصف في حياتها. وتعكس هذه الصفات أهمية التربية والتجارب الشخصية في بناء شخصية الإنسان وتشكيل مسيرته. عند الحديث عن الممثلة السورية منى واصف، لا يكفي أن نتحدث عن عدد الأفلام والمسلسلات التي شاركت فيها، أو عن الشخصيات المشهورة التي أدّتها، بل من المهم أيضًا التوقّف عند تجربتها الإنسانية والمهنية، وخاصةً من منظور المرأة التي أرادت أن تختار طريقها بنفسها وتبني مكانتها بجهدها وموهبتها.
بدأت منى واصف حياتها العملية في سنٍّ مبكّرة، فعملت في عرض الأزياء، ثم انتقلت إلى التمثيل، وانضمت عام 1960 إلى مسرح القوّات المسلّحة، وكانت بدايتها المسرحية من خلال مسرحية “العطر الأخضر”. وبعد ذلك، واصلت العمل في المسرح والتلفزيون والسينما، حتى أصبحت واحدةً من أبرز الأسماء في الدراما السورية والعربية. من أهم محطّاتها السينمائية مشاركتها في فيلم “الرسالة” للمخرج مصطفى العقاد، حيث أدّت شخصية هند بنت عتبة، وهو الدور الذي ساهم في انتشار اسمها عربيًا وخارج سوريا. لكن الجانب الأهم في شخصيتها، من منظور المرأة، هو قدرتها على بناء استقلالها المهني والشخصي. فعندما بدأت التمثيل، لم يكن الطريق أمامها سهلًا، إذ لم تتقبل عائلتها دخولها المجال الفني في البداية. ومع مرور الوقت، تقبلت الأسرة اختيارها.
وقد تحدثت منى واصف عن تجربتها قائلة: “لا شكَّ أننا كنّا من المتمردات بشكلٍ أو بآخر على العادات الاجتماعية السائدة، ولو أننا فكّرنا في نظرة المجتمع لما أكملنا هذا الطريق”. وأضافت أنّ تقبّل والدتها لاختيارها كان أمرًا مهمًّا بالنسبة إليها، مشيرةً إلى أنّها ما زالت حتى اليوم تندم على تركها الدراسة.
من هنا، يمكن فهم إحدى الطرق التي حافظت بها منى واصف على حقّها في الاختيار، وهي أن تكون صاحبة القرار في حياتها المهنية. فالمرأة لا تدافع عن حقوقها من خلال مواجهة الآخرين فقط، بل أيضًا من خلال معرفة قدراتها، وتطوير مهاراتها، والاستمرار في المجال الذي اختارته. وهذا ما فعلته منى واصف، إذ لم تعتمد على حضورها وشهرتها فقط، بل اهتمت بتطوير قدراتها الفنية والثقافية.
كانت الثقافة بالنسبة إليها مصدرًا للقوة. فقد عُرفت باهتمامها الكبير بالقراءة، وكانت تقرأ لساعاتٍ طويلة يوميًا، وتؤمن بأنّ الثقافة تساعدها على تطوير موهبتها وتعزيز حضورها على المسرح والشاشة. كما اهتمت بالأدب والمسرح واللغة العربية والشعر. وهذا الجانب مهمٌ بالنسبة للمرأة، لأنّ المعرفة تمنحها القدرة على فهم حقوقها، والتعبير عن رأيها، واتخاذ قراراتها بنفسها، وعدم السماح للآخرين بتحديد قيمتها أو رسم مستقبلها نيابةً عنها.
من ناحيةٍ أخرى، تُقدّم مسيرة منى واصف مثالًا على أهمية الاستقلال المهني والاقتصادي. فالمرأة التي تمتلك مهنة وخبرة وعلاقات مهنية تكون أكثر قدرةً على الدفاع عن خياراتها. وقد بنت منى واصف مسيرتها على مدى عقودٍ من العمل في المسرح والسينما والتلفزيون، حتى أصبحت صاحبة مكانةٍ مهنيةٍ مستقلة. وهذا لا يعني أنّ حياتها كانت خاليةً من الصعوبات، بل إنّ الاستمرار والعمل والتعلّم ساعدها على تثبيت مكانتها والحفاظ على حضورها الفني.
من تجربتها، يمكن استخلاص مجموعةٍ من المبادئ التي تساعد المرأة على بناء مستقبلها وتحقيق طموحاتها. أوّلها أن تعرف قيمتها وألا تسمح للمجتمع بأن يختصرها في شكلها أو عمرها أو حالتها الاجتماعية. وثانيها أن تستمر في التعّلم، لأنّ التعليم والثقافة من أهم وسائل التطور والاستقلال. وثالثها أن تمتلك مجالًا مهنيًا وشخصيًا خاصًا بها. ورابعها أن تعرف حدودها وتقول “لا” عندما يتعارض الأمر مع كرامتها أو حقوقها. أمّا المبدأ الخامس، فهو معرفة حقوقها القانونية والمهنية، وخاصة ما يتعلق بعقود العمل والأجور والخصوصية.
ومن المهم أيضًا ألا ننظر إلى حياة منى واصف على أنّها قصة مثالية خالية من الصعوبات، أو نفترض أنّها اتبعت جميع هذه المبادئ بشكلٍ مخطط لحماية حقوقها. والأدق أن نقول إنّ مسيرتها تُظهر امرأة استطاعت الحفاظ على حضورها المهني لعقود، وبناء اسمٍ مستقلٍ في مجالٍ مليءٍ بالمنافسة والتحديات. من الجوانب اللافتة في حياتها أنّها لم تجعل الزواج والأسرة نهايةً لمسيرتها المهنية. فقد تزوّجت من المخرج محمد شاهين عام 1963، وأنجبت ابنًا واحدًا، واستمرت في الوقت نفسه في العمل الفني. وتوضّح تجربتها أنّ المرأة تستطيع الجمع بين أدوارها المختلفة عندما تتوافر لها مساحة لاتخاذ قراراتها بنفسها.
“مسيرةُ منى واصف تُظهر امرأةً استطاعت بناء اسمٍ مستقلٍ في مجالٍ مليءٍ بالمنافسة والتحديات“
في النهاية، يمكن النظر إلى منى واصف باعتبارها امرأةً بنت قوّتها من خلال العمل والمعرفة والاستمرار والاستقلال في القرار. والدرس الأهم من تجربتها ليس أنّ على المرأة أن تكون قويةً بطريقةٍ واحدةٍ، بل أن تمتلك الوسائل التي تساعدها على حماية نفسها وتحقيق طموحاتها، مثل التعليم والعمل والثقة بالنفس والاستقلال الاقتصادي والوعي القانوني والقدرة على اتخاذ القرار. فحقوق المرأة لا تُحمى بالكلام وحده، بل بالمعرفة والقدرة على اتخاذ القرار والدفاع عن الكرامة الشخصية والمهنية. لهذا، تبقى أهمية تجربة منى واصف، إلى جانب إنجازاتها الفنية، في أنّها قدّمت على مدى أكثر من ستّة عقودٍ صورةً لامرأة استطاعت دخول مجالٍ صعب، وإثبات نفسها فيه، والحفاظ على حضورها، وتحويل موهبتها إلى مسيرة مهنية طويلة ومؤثرة.
