غربت آيدن.. صوتٌ حمل راية النضال وحوّل الكلمة إلى ثورة
غربت آيدن.. صوتٌ حمل راية النضال وحوّل الكلمة إلى ثورة

“لم يكن الاسم الفنّي هوزان مزكين مجرّد لقبٍ بل أصبح مع الوقت هويّةً،
ارتبطت هذه الهوية بصوتها وبمسيرتها وبالمرحلة التي عاشتها،
فقد حملت الأغنية الكردية من فضائها التقليدي إلى فضاءٍ جديد،
وجعلت منها وسيلةً للتعبير عن الإنسان الكردي“
ثمّة أصواتٌ لا تنتهي برحيل أصحابها، ولا تغيب حين يصمت أصحابها عن الكلام. تظلُّ عالقةً في الذاكرة، تتردد في الأمكنة، وتنتقل من جيلٍ إلى آخر، لأنّها لم تكن مجرّد أصواتٍ تغني، بل كانت أصواتًا حملت حكاية شعبٍ وذاكرة أرضٍ وأوجاع أجيالٍ وحلمًا بالحرية. من بين هذه الأصوات يبرز صوت الفنانة والمناضلة الكردية هوزان مزكين التي ما زال صداها يتردد في فضاء الفن الكردي الثوري، رغم مرور أكثر من ثلاثة عقود على استشهادها.
ولدت غربت آيدن المعروفة باسم هوزان مزكين عام 1962 في قرية بلَيدَر التابعة لمدينة باطمان في شمال كردستان، وهي منطقة ارتبطت في الذاكرة الكردية بمراحل مبكرة من الحراك الثوري. هناك في بيئة ريفية وجبلية، فتحت عينيها على عالم كانت فيه الحكاية الشعبية والأغنية والتراث جزءًا من الحياة اليومية. اشتهرت بصوتها العذب وفنّها الجميل منذ صغرها، وبدأت بالبحث عن طريقةٍ للوقوف ضدّ الذهنيّة المهيمنة وسياسات إبادة الشعب الكردي وهي لا تزال في مقتبل عمرها. كانت مزكين تنتمي إلى جيلٍ رأى في الثقافة والفن أكثر من وسيلةٍ للتعبير، رآهما مساحةً لاستعادة الذاكرة والهوية ومقاومة محاولات الطمس والنسيان.
لم يكن الاسم الفني هوزان مزكين مجرّد لقب، بل أصبح مع الوقت هويةً ارتبطت بصوتها وبمسيرتها وبالمرحلة التي عاشتها. فقد حملت الأغنية الكردية من فضائها التقليدي إلى فضاءٍ جديد، وجعلت منها وسيلةً للتعبير عن الإنسان الكردي، عن آماله وآلامه، عن ذاكرته، وعن بحثه المستمر عن معنى الحرية. كانت مزكين تمتلك قدرةً لافتة على الجمع بين التراث والتجديد. لم تتعامل مع التراث بوصفه شيئًا جامدًا محفوظًا في الماضي، بل باعتباره مادةً حيّةً قابلة لأن تستعيد حضورها في الحاضر.
لقد كانت الأغنية بالنسبة إليها امتدادًا للحياة، لم تكن مجرّد كلماتٍ موزونة، بل تعبيرًا عن واقع مجتمعٍ كامل. من هنا جاءت القيمة التي اكتسبتها تجربتها الفنية، فقد كانت الموسيقى عندها مرتبطة بالإنسان وبالمجتمع وبالذاكرة. بذلك تحوّلت الأغنية إلى وسيلةٍ للحفاظ على ما تخشى الشعوب أن تفقده حين تتعرض لغتها وثقافتها للتهميش. في تجربة مزكين، لا يمكن الفصل بصورةٍ حادّة بين الفنانة والمناضلة، فقد كان الاثنان يسيران في اتجاهٍ واحد. الصوت الذي يغني كان هو ذاته الصوت الذي يحمل موقفًا، والفن الذي يستعيد التراث كان جزءًا من تصوّرٍ أوسع حول استعادة الإنسان لذاته. من هنا ارتبط اسمها بفكرة الفن الثوري، وهو مفهومٌ يرى في الثقافة والفن وسيلةً لبناء الوعي، وليس مجرّد مساحةٍ للترفيه.
كانت مزكين تدرك أنّ الفن قادرٌ على الوصول إلى أماكن قد تعجز السياسة عن الوصول إليها. فالأغنية تدخل البيوت، وترافق المسافر، وتبقى في ذاكرة الطفل والشاب والشيخ. قد تستطيع جملةٌ واحدةٌ أو لحنٌ واحدٌ أن يختصر تجربة جيلٍ كامل. لهذا لم يكن غريبًا أن يتحوّل صوتها إلى جزءٍ من الذاكرة الجماعية لدى أجيالٍ نشأت على سماع أغانيها. لم تكن مزكين فنانة بالمعنى التقليدي للكلمة، فقد تجاوز حضورها حدود المسرح والأغنية، لتصبح جزءًا من الذاكرة الثقافية لشريحةٍ واسعةٍ من الكرد. كان صوتها يحمل في داخله شيئًا من الجبل، ومن الحكاية الشعبية، ومن حنين الإنسان إلى أرضه، وفي الوقت ذاته شيئًا من صرامة الطريق الذي اختارته لنفسها. لذلك بقيت أغانيها مثل “لو هفالنو” و”هاوار كوندينو”، حاضرةً في الوجدان لا بوصفها أعمالًا فنية فحسب، وإنّما باعتبارها جزءًا من مرحلةٍ تاريخية شهدت تحولاتٍ عميقة في الوعي والثقافة والنضال الكردي.
“لم تكن مزكين فنانة بالمعنى التقليدي للكلمة، فقد تجاوز حضورها حدود المسرح والأغنية، لتصبح جزءًا من الذاكرة الثقافية لشريحةٍ واسعةٍ من الكرد“
مسيرة مزكين لم تتوقف عند حدود الفن، فقد اختارت أن تكون فاعلة في المجال السياسي والتنظيمي والعسكري أيضًا، لتتحول تجربتها إلى صورةٍ مركّبة للمرأة الكردية التي أرادت أن تكون شريكةً في صناعة القرار، وفي تحمّل المسؤولية، وفي مواجهة الظروف التي أحاطت بها. انضمت إلى صفوف حركة التحرّر الكردستانيّة عام 1980، ومع انتقال مزكين إلى مراحل أكثر تقدمًا من مسيرتها، تولّت مسؤوليات تنظيمية وقيادية ضمن الحركة، وبرز اسمها في مناطق شمال كردستان. هناك لم تعد المرأة التي عُرفت بصوتها وأغانيها فحسب، بل أصبحت شخصيةً قيادية تشارك في إدارة النشاط السياسي والشعبي والعسكري.
لقد جمعت بين آلة الطنبور والسلاح، وبين الأغنية والمسؤولية التنظيمية، وبين الحس الفني والقدرة على خوض ظروف الحياة القاسية في الجبال. اتخذت المناضلة مزكين مقولة المفكر عبد الله أوجلان “فنان الشعب هو المحارب المدافع عن الشعب، كذلك المحارب المدافع عن الشعب، هو فنان الشعب في الوقت نفسه“، فلسفة حياتية للسير عليها، وعلى هذا الأساس أصبحت صاحبة مسيرة ناجحة، وهي رائدة حركة الثقافة والفن منذ اليوم الأول من النضال. لم تعد الأغنية عندها منفصلة عن الواقع، ولم يعد الفن مجرّد مراقبة للحياة من بعيد. كان الفنان مسؤولًا عن المجتمع الذي ينتمي إليه، وعن ذاكرته وآماله وآلامه.
في عام 1983 انضمت إلى الفعاليات التنظيمية في أوروبا لتطوير الجانب الثقافي، وشاركت في نشاطات الثقافة والفن “هونر كوم” وأصبحت من مؤسسيها. كما ساهمت في تأسيس “كوما برخدان” التي كانت محطّة فنية وثورية هامة من خلال أغانيها الوطنية. بعد مسيرة فنية طويلة لها في أوروبا، عادت إلى الوطن عام 1990 وتوجهت إلى جبال كردستان، وهناك تولّت قيادة إيالة غرزان. لعلَّ أهم ما يُميّز تجربتها أنّها لم تتخلَّ عن جانبها الفني عندما دخلت ميدان العمل الثوري، بل حملته معها إلى الجبل. ظلَّ صوتها حاضرًا، وظلّت الموسيقى جزءًا من حياتها، كما ظلّت الأغنية وسيلةً للتواصل مع الناس، وللتعبير عن رؤية ترى أنّ الثقافة ليست منفصلة عن الحياة.
كان الجبل بالنسبة إليها أكثر من مكانٍ جغرافي، كان فضاءً تشكّلت فيه مرحلةٌ كاملةٌ من حياتها. فيه امتزجت أصوات الطبيعة بأصوات الأغاني، وأصبح الطنبور جزءًا من مشهدٍ مختلفٍ لا يشبه المسارح التقليدية. كان الفن هنا يخرج من القاعات المغلقة إلى فضاءٍ مفتوح، ويقترب أكثر من الناس ومن تفاصيل حياتهم اليومية.
تمكّنت هوزان مزكين من تجسيد الموسيقى الكردية، وخط المرأة الحرة في آن واحد، واستطاعت تجسيد الحقيقة في كل من فنها ونضالها، حيث جمعت ما بين بساطة حياتها، وشغفها بالحرية، وأصبحت صوت الثورة. الجيل الكردي الذي نشأ على سماع صوتها أصبح منبع المقاومة، حماسة ذلك الصوت جعلت أبناء الكرد يقاومون العدو في الأجزاء الأربعة من كردستان بجبالها، وبسهولها، وبمدنها، وبقراها، وكذلك في المعتقلات، ولا زالت هذه المقاومة مستمرة. أصبحت المئات من الشابات الكرديات اللواتي تأثرن بصوتها، وأصبحن مزكين من خلال انضمامهن للنضال في صفوف حركة حرية المرأة. صوت الشهيدة مزكين يُجسّد الشجاعة، والجرأة والبطولة في مواجهة الانتهاكات، كما في ثورة المرأة في روج آفا، وأجزاء كردستان الأربعة، حيث تقودها المرأة الحرّة التي جعلت من فكر الفيلسوف عبد الله أوجلان مسارًا لها نحو الحرية.
“تمكنت هوزان مزكين من تجسيد الموسيقى الكردية، وخط المرأة الحرة في آن واحد، وأصبحت صوت الثورة“
في 11 من شهر أيار عام 1992، حوصر المنزل الذي كانت فيه مزكين في ناحية تطوان التابعة لناحية بدليس، من قبل الجيش التركي، وأبدت مزكين مقاومة فدائية عظيمة حتى النهاية واستشهدت. كان رحيلها المبكّر أشبه بانقطاعٍ مفاجئ لصوتٍ كان لا يزال في بدايات اتساعه، لكنّها مثل كثير من الشخصيات التي ارتبطت بالذاكرة الجماعية، لم تختفِ من المشهد باستشهادها. تحوّلت سيرتها إلى جزءٍ من الحكاية، وتحوّل غيابها إلى حضورٍ دائم في الأغاني والاحتفالات والذكريات التي استحضرت اسمها. وتخليدًا لذكراها ألف الشهيد سرحد كلمات أغنية حملت اسم “مزكينا لهنك”، لتظل حكايتها تتردد في القلوب والأجيال. لهذا لم يكن استشهادها نهاية قصتها، بل بداية مرحلة أخرى من حضورها.
بعد رحيل مزكين، لم يبقَ إرثها محصورًا في تسجيلات الأغاني أو في صور المرحلة التي عاشت فيها. فقد تحوّل اسمها إلى رمزٍ لدى كثيرٍ من النساء الكرديات اللواتي رأين في تجربتها مثالًا على إمكانيّة الجمع بين الفن والوعي السياسي والنضال من أجل الحرية. أصبح اسم “مزكين” لدى بعض المناضلات الشابات تعبيرًا عن نموذج المرأة التي لا تنتظر أن يمنحها الآخرون دورًا في التاريخ، بل تصنع لنفسها موقعًا فيه. من هنا أخذ إرثها بُعدًا يتجاوز شخصها، فتحوّلت إلى صورة تتكرر في ذاكرة النساء، وإلى نموذجٍ تستلهم منه أجيال لاحقة فكرة المرأة القادرة على الجمع بين القوة والإبداع.
إنّ أكثر ما يلفت النظر هو أنّ الشهيدة مزكين لم تقدّم صورةً واحدةً للمرأة، فقد كانت الفنانة، والمناضلة، والقيادية، والمرأة التي تحمل ذاكرتها وثقافتها معها أينما ذهبت، ولذلك يصعب اختزالها في وصفٍ واحد. فإذا قيل إنّها فنانة، فإنّ ذلك لا يكفي، وإذا قيل إنّها مناضلة، فإنّ ذلك لا يشرح علاقتها بالموسيقى، وإذا قيل إنّها قيادية، فإنّ ذلك لا يفسّر سر بقاء صوتها حاضرًا في الذاكرة.
“إنّ الشهيدة مزكين لم تُقدّم صورةً واحدةً للمرأة، فقد كانت الفنانة، والمناضلة، والقيادية، والمرأة التي تحملُ ذاكرتها وثقافتها معها أينما ذهبت، لذلك يصعب اختزالها في وصفٍ واحد“
تمرُّ السنوات، تتغير الأجيال، تتبدل الظروف السياسية والاجتماعية، لكنَّ بعض الأصوات لا تفقد قدرتها على الوصول إلى المستمع. السبب أنّ قيمتها لا تكمن في اللحن وحده، وإنّما في المعنى الذي تحمله. هذا هو سر بقاء مزكين في الذاكرة. لقد تركت وراءها أغاني باللغة الكردية وتركت تجربةً فنيّةً مرتبطة بالتراث.
لقد استطاعت أن تجمع بين البساطة والقوة، وبين الحس الفني والروح الثورية، وبين التراث والتجربة المعاصرة. كان صوتها، في نظر من عرفوا تجربتها، صوتًا يخرج من الجبل لكنّه يصل إلى المدن، صوتًا يتحدث عن الماضي لكنّه يخاطب المستقبل. من هنا فإنّ الحديث عن هوزان مزكين ليس مجرّد استعادةٍ لسيرة فنانةٍ رحلت قبل أكثر من ثلاثة عقود، بل هو استعادة لمرحلة كاملة من تاريخ الفن الكردي، وللدور الذي لعبته الأغنية في حفظ الذاكرة وفي التعبير عن تطلعات المجتمع.
رحلت مزكين في عمرٍ مبكرٍ، لكنَّ الزمن لم يستطع أن يمحو أثرها. فالسنوات لا تهزم الفن حين يتحوّل إلى ذاكرة، ولا تطفئ الصوت حين يصبح جزءًا من وجدان الناس. ربّما لهذا السبب تحديدًا لا يزال اسمها حاضرًا لأنّ الإنسان قد يغيب، لكن ما يتركه خلفه يمكن أن يعيش أطول منه بكثير. هكذا بقيت هوزان مزكين صوتًا يتردد في الذاكرة، واسمًا ارتبط بالفن والتراث والنضال، وصورةً لامرأة أرادت أن تجعل من حياتها تعبيرًا عن قناعاتها.
