المرأة والفن عبر التاريخ – مركز جنولوجيا للفكر والدراسات

 

المرأة والفن عبر التاريخ

 

مركز جنولوجيا للفكر والدراسات

 

 “إنّ استعادة حضور المرأة في الفن هي استعادةٌ لجزءٍ أصيلٍ من تاريخ الإبداع نفسه،

 فالمرأة لم تكن طوال التاريخ مجرّد صورةٍ ينظر إليها الآخرون

 بل كانت عينًا ترى العالم، ويدًا تصنع الجمال وعقلًا يبتكر المعنى“ 

لم يكن الفن يومًا مجرّد وسيلةٍ لإنتاج الجمال، بل كان إحدى الطرق التي عبّر بها الإنسان عن فهمه للعالم، وعن معتقداته ومخاوفه وأحلامه وعلاقته بالطبيعة والحياة والموت. ومنذ البدايات الأولى للحضارات، حضرت المرأة في هذا العالم الفني بأشكال متعددة؛ فكانت رمزًا للخصوبة والأمومة والحياة، وتجسيدًا للآلهة والقوى الطبيعية، وموضوعًا للمنحوتات واللوحات، لكنّها كانت أيضًا إنسانةً تنتج الأدوات والزخارف والمنسوجات، وتحفظ الذاكرة وتنقل المعرفة من جيل إلى آخر.

طوّرت المرأة الغناء قديمًا من خلال عدّة سياقاتٍ فطرية واجتماعية ودينية منها الفطرة والأمومة (الهدهدة والترويد)، حيث تشير الدراسات إلى أنّ الغناء نشأ كأداة تواصلٍ عاطفي قبل أن يتحوّل إلى لغة. ومن خلال لغة الأمومة قامت المرأة بالتنغيم الصوتي كوسيلة غريزية لتهدئة الرضيع وتنويمه، أو التعبير عن الرعاية والتواصل معه عندما تكون يداها مشغولتين بجمع الثمار أو الطهي. غير أنّ السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: هل كان حضور المرأة في الفن يعني دائمًا حضورها بصفتها ذاتًا تمتلك حق التعبير عن نفسها، أم أنّ صورتها كانت في كثيرٍ من الأحيان انعكاسًا لما أراد المجتمع أن يراه فيها؟

إنّ تتبّع تاريخ المرأة في الفن يكشف لنا مفارقةً مهمّة؛ فقد احتلت المرأة مكانةً بارزة في الخيال الفني والديني عبر قرون طويلة، بينما ظلَّ الاعتراف بها فنانةً ومبدعةً أقل حضورًا في كثير من المجتمعات. أي إنّ المرأة كانت مرئية في الأعمال الفنية، لكنَّ صوتها لم يكن حاضرًا بالقدر نفسه في كتابة تاريخ الفن. من هنا، فإنّ دراسة علاقتها بالفن لا تتعلق بالجمال وحده، بل تتصل أيضًا بالسلطة والهوية والجسد والحرية، وبحق المرأة في أن تكون صاحبة الصورة والمعنى، لا مجرّد موضوعٍ تنظر إليه عيون الآخرين.

ارتبط الفن في المجتمعات القديمة بالطبيعة والطقوس الدينية والحياة اليومية. وقبل أن يصبح الفن مجالًا مستقلًا كما نفهمه اليوم، كانت الأشكال الفنية جزءًا من ممارسة الحياة نفسها؛ فصناعة الفخار والنسيج والتطريز والزخرفة لم تكن مجرّد أعمالٍ نافعة، بل حملت دلالاتٍ اجتماعية ورمزية، وعبّرت عن علاقة الإنسان بمحيطه.

وفي بلاد الرافدين، حيث نشأت حضارات سومر وأكاد وبابل وآشور، ظهرت المرأة في المنحوتات والتماثيل والأختام الأسطوانية والنقوش، كما حضرت في النصوص الدينية والأسطورية. لم تكن المرأة في هذه الحضارات محصورةً في صورةٍ واحدة؛ فقد ظهرت بوصفها أمًّا وزوجةً وكاهنةً وحاكمةً وعاملةً، كما ظهرت في صورة الآلهة التي ارتبطت بالحياة والحرب والخصوبة والسلطة.

ومن أبرز الأمثلة الإلهة إنانا، التي عُرفت في التقاليد السومرية، وارتبطت بالحب والخصوبة والحرب والسلطة. لم تكن إنانا مجرّد صورةٍ للجمال الأنثوي بل كانت آلهةً تجمع بين الرغبة والقوة، والحياة والصراع، والقدرة على التأثير في مصائر البشر والحكام. وهذا يكشف أنّ الأنوثة في الخيال الديني القديم لم تكن دائمًا مرادفة للضعف أو الخضوع، بل أمكن أن تتجسد في صورة قوة فاعلة ومخيفة ومؤثرة في العالم. كذلك ارتبطت بعض تماثيل المرأة القديمة بمعاني الخصوبة والأمومة والوفرة. لكن من المهم ألا نفسر جميع هذه التماثيل على أنّها صور مؤكدة لآلهة؛ إذ تختلف تفسيراتها بين الباحثين، وقد تكون بعض القطع تمائم أو دمى أو أشياء ذات وظائف طقسية واجتماعية أخرى. وتكمن أهمية هذه المنحوتات في أنّها تكشف لنا كيف تخيّلت المجتمعات القديمة الجسد الأنثوي، وما المعاني التي ربطتها به. فالجسد هنا لم يكن مجرّد شكلٍ، بل حمل دلالات تتصل باستمرار الحياة والإنجاب وعلاقة الإنسان بقوى الطبيعة.

في مصر القديمة أيضًا، احتلت الإلهات مكانةً مهمّة في الفن والدين، ومن أبرزهن إيزيس وحتحور. وقد ظهرت إيزيس في أشكالٍ فنية متعددة، مرتبطة بالأمومة والحماية والوفاء، بينما ارتبطت حتحور بالحب والموسيقى والأمومة والفرح. ولم تكن صورهن مجرّد زينةٍ على جدران المعابد والمقابر، بل كانت جزءًا من منظومةٍ رمزيةٍ ودينيةٍ عبّر من خلالها المصريون القدماء عن فهمهم للحياة والموت والحماية والتجدد.

على امتداد التاريخ، لم تكن المرأة حاضرةً في الفن بصفتها موضوعًا للتصوير فقط؛ فقد شاركت في إنتاج أشكالٍ فنية متنوعة، وإن لم تحفظ السجلات أسماء كثيرات ممن أسهمن فيها. ففي مجالات النسيج والتطريز وصناعة الفخار والزخارف، طوّرت النساء مهارات وتقنيات وانتقلت خبراتهن بين الأجيال. وكانت هذه الفنون تحمل أحيانًا علامات الانتماء إلى منطقة أو جماعة، وتعكس أنماط الحياة والمعتقدات والذاكرة المشتركة. لكنّ المشكلة تكمن في أنّ بعض هذه الفنون صُنّف تاريخيًا ضمن الحرف المنزلية أو الفنون التطبيقية، ولم يُمنح المكانة نفسها التي مُنحت للرسم الزيتي والنحت الضخم والعمارة. وهنا يظهر أنّ قيمة العمل الفني لا تتحدد دائمًا بجماله أو مستوى المهارة فيه، بل تتأثر أيضًا بالمكانة الاجتماعية لمن ينتجه، وبالمؤسسات التي تقرر ما يستحق أن يُسمّى فنًا.

ومع ترسّخ الذهنية الأبوية في مجتمعات مختلفة، ارتبطت أدوار المرأة بالمنزل والعائلة، بينما أُتيح للرجال، في كثير من السياقات، وصول أوسع إلى التعليم الفني والورش ورعاية الحكام والمؤسسات الدينية والثقافية. ولذلك لم يكن غياب أسماء النساء عن بعض سجلات الفن دليلًا على غياب قدراتهن الإبداعية، بل كان مرتبطًا أيضًا بالفرص المتاحة لهن، وبالطريقة التي جرى بها حفظ الأعمال ونسبتها وتقييمها. إنّ استعادة تاريخ المرأة في الفن تتطلب ألا نبحث فقط عن اللوحات التي رسمتها النساء، بل أن نعيد النظر في معنى الفن نفسه، وفي الأعمال التي جرى تهميشها لأنّها ارتبطت بالنساء وبالحياة اليومية.

 

“لم يكن غياب أسماء النساء عن بعض سجلات الفن دليلًا على غياب قدراتهن الإبداعية، بل كان مرتبطًا بالفرص المتاحة لهن“

 

في عصر النهضة الأوروبية، ازداد الاهتمام بجسد الإنسان وبالنسب والتشريح والجمال، وعادت الأساطير اليونانية والرومانية لتشغل مكانةً مهمّةً في الرسم والنحت. ظهرت النساء في أعمالٍ فنية كثيرة بوصفهن رموزًا للحب والجمال والخصوبة، أو شخصيات أسطورية ودينية. لكن هذا الحضور البصري لم يكن يعني أنّ النساء يمتلكن فرصًا متساوية لدخول عالم الفن. ففي فتراتٍ طويلة، واجهت النساء قيودًا في التدريب الأكاديمي، ولا سيما في دراسة الجسد البشري من خلال النماذج العارية، وهي دراسةٌ كانت تُعد أساسيةً للتخصص في الرسم التاريخي. وقد أدّى حرمانهن من هذا التدريب إلى الحدِّ من فرصهن في الوصول إلى أنواعٍ فنيةٍ كانت المؤسسات تمنحها المكانة الأعلى.

مع ذلك، ظهرت فناناتٌ استطعن تجاوز هذه القيود. من بينهن أرتميزيا جنتلسكي، الرسامة الإيطالية في القرن السابع عشر، التي عالجت في أعمالها شخصيات نسائية من الأساطير والقصص الدينية، وقدّمت نساءً يمتلكن القوة والقدرة على الفعل، بدل الاكتفاء بتصويرهن بوصفهن شخصيات سلبية. كما برزت فنانات مثل لافينيا فونتانا وجوديث ليستر حققتا نجاحًا في مجالات فنية مختلفة، رغم العقبات الاجتماعية والمؤسسية التي واجهت النساء في عصرهما. وقد ساهمت إعادة اكتشاف أعمال فنانات تاريخيات في السنوات الأخيرة في كشف حجم الإبداع الذي لم يحظَ بالاهتمام الكافي في الروايات التقليدية لتاريخ الفن. هنا نصل إلى نقطةٍ أساسية، لم تكن المشكلة أنّ المرأة عاجزةٌ عن الإبداع، بل أنّ الطريق إلى الاعتراف بإبداعها لم يكن متاحًا لها بالشروط نفسها التي كانت متاحةً للرجل. إذا تأملنا تاريخ الرسم والنحت، سنجد أنّ جسد المرأة احتلَّ مساحةً واسعةً في الأعمال الفنية. وقد صُوّر في سياقات دينية وأسطورية وفلسفية وجمالية، وأحيانًا بوصفه تعبيرًا عن الخصوبة أو القوة أو الحب أو هشاشة الإنسان.

في كثيرٍ من التقاليد الفنية الأوروبية، ظهرت المرأة العارية بوصفها موضوعًا للتأمل الجمالي أو الرغبة، بينما احتلَّ الرجل موقع الفنان أو المشاهد أو صاحب السلطة على الصورة. وقد ناقش الناقد جون بيرغر هذه العلاقة في كتابه “طرق الرؤية، موضحًا كيف ارتبط تصوير النساء في بعض التقاليد الفنية الأوروبية بطريقة نظر تجعلهن موضوعًا للمشاهدة والتقييم.

ومن هذا المنطلق، يمكن أن نفهم الفرق بين أن ترسم المرأة جسدها أو تجربتها انطلاقًا من رؤيتها الذاتية، وبين أن يُختزل جسدها في صورةٍ صُممت لتلبية رغبات الآخرين لكن الإشكالية تظهر عندما تصبح المرأة محصورةً في مظهرها، وعندما تُقاس قيمتها بما تمنحه صورتها من متعةٍ بصرية، بينما تُهمّش أفكارها وتجربتها وشخصيتها. وهكذا يتحوّل الجسد من جزءٍ من وجود الإنسان إلى معيارٍ يُستخدم للحكم على المرأة كلّها.

لا يمكن الحديث عن تاريخ المرأة والفن من دون الالتفات إلى أشكال الإبداع التي حفظتها النساء في المجتمعات المحلية، ومنها المجتمع الكردي. ففي الثقافة الكردية، لا يقتصر الفن على اللوحات والمنحوتات، بل يشمل الموسيقى والغناء والحكايات والنسيج والتطريز والملابس التقليدية والرقصات الشعبية. وقد أسهمت النساء في نقل هذه الممارسات بين الأجيال، وحفظ الرموز والألوان والأنماط التي ارتبطت بالذاكرة والانتماء والحياة اليومية. وكانت الأزياء والتطريزات، على سبيل المثال، تحمل دلالات ثقافية واجتماعية، وتعبّر عن تنوّع المناطق والعادات. أما الغناء والحكايات، فقد أسهما في حفظ التجارب الإنسانية والذكريات، بما فيها مشاعر الفقد والحب والحنين والحرب.

في العصر الحديث، اتسع حضور الفنانات الكرديات في مجالات الفنون البصرية والموسيقى والسينما. من الأمثلة على ذلك زهرة دوغان، الفنانة والصحفية الكردية التي أصبحت أعمالها المرتبطة بتجربتها في السجن رمزًا للتعبير الفني والمقاومة وحرية التعبير.

كما ساهمت فنانات وموسيقيات ومخرجات كرديات في نقل تجارب النساء إلى فضاءات أوسع، من خلال تناول موضوعات الهوية والتهجير والحدود والعنف والحرية. ويكتسب هذا الحضور أهميةً خاصةً في المجتمعات التي عانت الحروب والنزوح ومحاولات طمس الهوية الثقافية. في هذه الظروف لا يكون الفن مجرّد وسيلةٍ للتعبير الفردي، بل قد يتحوّل إلى أداةٍ لحفظ الذاكرة وتوثيق التجربة الجماعية. وهنا لا تظهر المرأة الكردية بوصفها رمزًا للمعاناة فقط، بل بوصفها صاحبة رؤيةٍ تنتج الفن، وتُعيد سرد التاريخ، وتطرح أسئلةً حول المجتمع والمستقبل.

مع تطوّر الرأسمالية الحديثة واتساع أسواق الاستهلاك والإعلان والترفيه، تغيّرت طرق إنتاج الصور وتداولها. فبعد أن كان العمل الفني يرتبط في سياقات تاريخية كثيرة، برعاية المعابد أو القصور، أصبحت الصورة في العصر الحديث جزءًا من صناعةٍ واسعةٍ تسعى إلى جذب الانتباه وبيع المنتجات والخدمات.

وفي هذا السياق، أصبح جسد المرأة حاضرًا بكثافة في الإعلانات وصناعة الأزياء ومستحضرات التجميل والعطور ووسائل الإعلام. ولم يعد يُستخدم فقط للتعبير عن معنى فني، بل أصبح في كثيرٍ من الحالات وسيلةً لجذب المستهلك وربط المنتج بالجمال والرغبة والمكانة الاجتماعية. فعندما تظهر امرأة في إعلان عن عطر أو مستحضر تجميل، لا تروج الصورة للمنتج وحده؛ بل تسوق أيضًا فكرة عن الجمال والحياة المرغوبة، وعن الصورة التي يفترض أن تسعى المرأة إلى تحقيقها.

وهنا تتضح إحدى مفارقات السوق، يُقال للمرأة إنّها حرّة في اختيار مظهرها، لكن الإعلانات والصناعات الجمالية تساهم في تحديد المظهر الذي يُقدَّم باعتباره مرغوبًا أو ناجحًا أو جديرًا بالإعجاب. ويستطيع السوق أن يحوّل الشعور بعدم الرضا عن الجسد إلى فرصةٍ تجارية؛ فكلّما اقتنعت المرأة بأنّ مظهرها يحتاج إلى تعديلٍ مستمر، ازدادت احتمالات استهلاكها للمنتجات والخدمات التي تعدها بالاقتراب من الصورة المثالية .

تتغير معايير الجمال من مجتمعٍ إلى آخر ومن عصرٍ إلى آخر. فما يُعدُّ جميلًا في مرحلةٍ تاريخيةٍ قد لا يكون كذلك في مرحلةٍ أخرى. ومع ذلك، تميل بعض وسائل الإعلام والصناعات الجمالية المعاصرة إلى تكرار صورٍ محددة للجسد والوجه، حتى تبدو وكأنّها معاييرٌ طبيعية وثابتة. فقد تُربط الأنوثة بالنحافة أو البشرة الصافية أو ملامح الوجه المحددة أو الشباب الدائم، وقد تُعامل علامات التقدّم في العمر أو التغيّرات الطبيعية في الجسد على أنّها عيوبٌ ينبغي إخفاؤها.

مع انتشار المنصات الرقمية، لم تعد المرأة تتلقى هذه الصور من الإعلانات والتلفزيون وحدهما، بل أصبحت تقارن نفسها أيضًا بصورٍ تُنشر يوميًا، وقد تكون معدّلة بالإضاءة أو المكياج أو الفلاتر أو برامج التحرير. والنتيجة أنّ بعض النساء يجدن أنفسهن في علاقةٍ متوترةٍ مع أجسادهن؛ إذ يتحوّل الاهتمام بالمظهر إلى مراقبةٍ مستمرّة، وتصبح المرآة أحيانًا مساحةً للحكم على الذات بدلًا من التعرّف إليها.

تتجاوز هذه المشكلة الجانب النفسي الفردي، لأنّ معايير المظهر قد تؤثّر أيضًا في الطريقة التي تُقيَّم بها النساء اجتماعيًا ومهنيًا، وفي الفرص التي تُمنح لهن، وفي الأحكام التي تُصدر على شخصياتهن وقدراتهن انطلاقًا من مظهرهن. وهنا تظهر أهمية الفن الذي يتحدى هذه المعايير، ويقدّم أجسادًا ووجوهًا وتجارب متنوعة، ويعيد طرح سؤال الجمال بعيدًا عن القوالب الجاهزة. فالجمال لا ينبغي أن يتحول إلى امتحانٍ دائمٍ تخضع له المرأة، ولا إلى شرطٍ كي تستحق الاحترام أو الحب أو الحضور الاجتماعي.

رغم القيود التاريخية والضغوط المعاصرة، شهد حضور المرأة في الفن تحولاتٍ مهمّة. فلم تعد كثير من الفنانات يكتفين بإعادة إنتاج الصور الموروثة عن المرأة، بل أصبحن يستخدمن الرسم والنحت والتصوير والسينما وفنون الأداء والتركيب الفني للتعبير عن تجاربهن الخاصة. تتناول بعض الفنانات موضوعات الجسد والولادة والشيخوخة والعنف والذاكرة، بينما تعالج أخريات الهوية والطبقة والحرب والتهجير والعلاقة بين الفرد والمجتمع.

في هذه الأعمال، لا يكون الجسد مجرّد شكلٍ جميلٍ أو موضوعٍ للعرض، بل يصبح مساحةً تُكتب عليها التجارب الاجتماعية، ومجالًا للتعبير عن الألم والحرية والرفض واستعادة الذات. كما أنّ ظهور المرأة بوصفها فنانة لا يعني أنّ عليها أن تنتج فنًّا يتناول النساء فقط، أو أن تكون أعمالها انعكاسًا مباشرًا لجنسها. فالمرأة فنانةٌ تمتلك حرية اختيار موضوعاتها، من الطبيعة إلى الفلسفة والسياسة والوجود والحياة اليومية. إنّ الاعتراف بها يعني منحها المساحة نفسها للتجريب والخطأ والنجاح والتنوّع، بدلًا من مطالبتها بتمثيل جميع النساء أو اختزال أعمالها في كونها “فنًا نسائيًا”.

وهذا التحوّل لا يكتمل بمجرّد زيادة عدد الفنانات، بل يحتاج أيضًا إلى مراجعة المؤسسات الفنية وأسواق الفن والمناهج التعليمية والمتاحف، وإلى إعادة اكتشاف الأعمال التي همّشها التاريخ، وتوفير فرص متكافئة للتدريب والعرض والتمويل والاعتراف .

“يشهد حضور المرأة في الفن في يومنا هذا تحوّلًا جذريًا؛

إذ انتقلت من مجرّد موضوعٍ أو ملهمةٍ في أعمال الآخرين إلى صانعةٍ للقرار الفني“

عندما ننظر إلى تاريخ المرأة في الفن، من الآلهة والمنحوتات القديمة إلى الفنانات المعاصرات، نكتشف أنّ القضية لا تتعلق بالصورة وحدها، بل بالحق في إنتاجها وتفسيرها وتحديد معناها. فقد ظهرت المرأة عبر التاريخ إلهةً ورمزًا للخصوبة والحياة، ثم حضرت في اللوحات والمنحوتات بوصفها موضوعًا للجمال والرغبة، بينما واجهت النساء الحقيقيات قيودًا حدّت من فرصهن في التعليم والإبداع والاعتراف. واليوم، ورغم اتساع مشاركتهن في الفنون، لا تزال الصورة الأنثوية عرضة للتسليع والاستغلال ضمن صناعات الإعلان والاستهلاك. لكن المرأة لم تكن مجرّد صورة صامتة في أي مرحلة من مراحل التاريخ؛ فقد أنتجت المعرفة الجمالية، وحفظت التراث، وعبّرت عن تجاربها، ووجدت في الفن وسيلةً لمقاومة النسيان والقيود.

ولذلك، فإنّ استعادة حضورها لا تعني استبدال صورة نمطية بأخرى، ولا فرض تعريف جديد للجمال عليها، بل تحريرها من ضرورة الامتثال لصورة واحدة، ومن اختزال قيمتها في جسدها أو مظهرها. إنّ الفن الذي يمنح المرأة حق التعبير عن نفسها هو الفن الذي يسمح لها بأن تكون جميلة أو عادية، قوية أو هشّة، صامتة أو صاخبة، وأن تتحدث عن الحب أو الحرب أو الطبيعة أو الفلسفة من دون أن تُختزل في جنسها أو مظهرها. فحين تصبح المرأة صاحبة النظرة، لا مجرّد موضوع لها، لا تستعيد حقها في الفن فحسب، بل تستعيد أيضًا حقها في تعريف ذاتها، وفي المشاركة في صناعة المعنى والجمال والذاكرة.

نستذكر أمثلةً عن فناناتٍ كان لهنَّ دورٌ في التاريخ مثل:

– زهرة دوغان: فنانة تشكيلية وصحفية كردية نالت شهرةً عالميةً، تحوّل فنّها داخل السجن وخارجه إلى رمزٍ للمقاومة وحرية التعبير.

– تارا جاف: عازفة هارپ ومغنية كردية مشهورة عالميًا، نجحت في دمج الآلات القديمة بالموسيقى الكردية التراثية.

– مخرجات السينما المعاصرة: مثل المخرجة شيلان سعدي وغيرهن ممن يشاركن بأفلامهن في المهرجانات الدولية لنقل الصوت الكردي.

تحوّل تصوير جسد المرأة في الفن عبر التاريخ من أداةٍ للتعبير عن رسائل فكرية، فلسفية أو دينية، إلى سلعةٍ تجاريةٍ تهدف إلى تحقيق الأرباح المادية في عصر الرأسمالية وصناعة الترفيه. كما ينظر الفن إلى المرأة نظرةً متغيّرةً ومعقّدةً عبر التاريخ، وتتراوح هذه النظرة بين كونها موضوعًا بصريًا يُلهم الفنان أو يُجسد الجمال، وبين كونها ذاتًا فاعلةً ومُبدعةً تعبّر عن تجربتها الخاصة.

يشهد حضور المرأة في الفن في يومنا هذا تحوّلًا جذريًا؛ إذ انتقلت من مجرّد “موضوعٍ” أو “ملهمةٍ” في أعمال الآخرين إلى صانعةٍ للقرار الفني، وفنانةً تعبّر عن ذاتها وتجربتها بشكلٍ مستقل. إنّ استعادة حضور المرأة في الفن هي استعادةٌ لجزءٍ أصيلٍ من تاريخ الإبداع نفسه. فالمرأة لم تكن طوال التاريخ مجرّد صورةٍ ينظر إليها الآخرون بل كانت عينًا ترى العالم، ويدًا تصنع الجمال وعقلًا يبتكر المعنى. والتحدي اليوم لا يكمن في إثبات قدرة المرأة على الإبداع، فقد أثبتت ذلك عبر العصور، بل في إعادة اكتشاف إرثها الفني، وإنصاف أعمالها، وبناء ذاكرةٍ فنيةٍ لا تستبعد المبدعات لمجرّد أنّ أسمائهن لم تكتب في صفحات التاريخ.