نساءٌ وأطفالٌ في مواجهة آلة الحرب – د. كريمة الحفناوي

نساءٌ وأطفالٌ في مواجهة آلة الحرب

  بقلم: د. كريمة الحفناوي

 

“يدفعُ النساءُ والأطفالُ الثمن الأكبر للحروب والنزاعات، بين القتل والإصابة والاعتقال والاختفاء القسري، 

فضلًا عن الجوع والمرض وحرمان الأطفال من التعليم، كما تتصاعد أشكال العنف ضدَّ المرأة

لتجد نفسها وأطفالها في مواجهةٍ مباشرةٍ  مع آلة الحرب وتبعاتها القاسية

 

تشتعل الحروب والنزاعات بين الدول الإمبريالية الكبرى ودول الجنوب (الدول النامية الفقيرة)، من أجل الهيمنة والنفوذ والاستيلاء على الثروات الطبيعية والمعدنية، مما يؤدي إلى اتساع الفجوة بين دول الشمال ودول الجنوب، وداخل الدول الفقيرة نفسها تتسع الفجوة الطبقية بين الأقلية المهيمنة على السلطة والثروات وبين الغالبية العظمي من الشعوب، الأمر الذي يترتب عليه مزيد من إفقار الشعوب وزيادة معاناتهم من الفقر، البطالة، التضخم، ارتفاع الأسعار وتردي الخدمات الأساسية. تتسبب هذه الأوضاع في زيادة الهجرة غير الشرعية بحثًا عن لقمة العيش وحياةٍ أفضل، وها نحن نسمع كل يوم عن مئات الضحايا الذين يغرقون في البحار والمحيطات في مراكب الهجرة غير الشرعية (مراكب الموت).

إلى جانب ذلك تفرض العقوبات الاقتصادية والحصار الاقتصادي على الدول التي لا تنصاع لسياسات الإمبريالية الأمريكية المعسكرة، ونجد مثالًا واضحًا في فرض الحصار والعقوبات على كوبا منذ أكثر من 60 عامًا، والآن العقوبات والحصار الاقتصادي المفروض على إيران للضغط عليها من أجل الخضوع للسياسات والأوامر الأمريكية. في الدولة الواحدة تتأجج النزاعات أحيانًا بين الشعب الواحد على أساسٍ طائفي أو عرقي، تلك الصراعات التي تشعلها الدول الاستعمارية من أجل إضعاف الدول الفقيرة، مما يسهل استمرار تبعيتها واستنزاف ثرواتها ومقدراتها لصالح الدول الكبرى.

في السنوات الأخيرة تعاني الدول العربية ودول منطقة الشرق الأوسط من تداعيات الاعتداءات الإسرائيلية على فلسطين. هذه الاعتداءات أدّت إلى قتل عشرات الآلاف معظمهم من النساء والأطفال وإصابة مئات الآلاف. كما تسببت في تدمير واسع للبنية التحتية ومقومات الحياة والبيئة، وأدت إلى زيادة أعداد النازحين واللاجئين في مناطق الحروب والنزاعات في فلسطين والدول المجاورة لها مثل سوريا ولبنان، وكانت النساء والأطفال في مقدمة الفئات التي تحملت العبء الأكبر من هذه الكوارث.

في السودان تتواصل معاناة الشعب السوداني من القتل والتدمير والتهجير القسري والتطهير العرقي والاعتداء الجنسي، فضلًا عن نزوح أكثر من 10 ملايين من السودانيين بينهم 2 مليون اضطروا لللجوء إلى الدول المجاورة، بحثًا عن الأمان والحماية.

تشير إحصاءات وتقارير الأمم المتحدة المتعلقة بالمرأة في أواخر عام 2025 إلى وجود مئات الملايين من النساء اللاتي اضطررن إلى النزوح بعيدًا عن مناطق الحروب والصراعات، ويعشن في مخيمات وخيام وملاجئ تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة الإنسانية ولا تتوافر فيها ظروف مناسبة للسكن الآمن والكريم. كما أوضحت تقارير الأمم المتحدة أنّ تقليص المساعدات الحكومية والدولية يعرّض النساء والفتيات لمخاطر متزايدة، وأشارت التقارير إلى إغلاق الكثير من المنظمات التي تعمل على مكافحة العنف ضد المرأة، وأن 40% منها علقت الخدمات الحيوية لإنقاذ الحياة، ومنها توفير الملاجئ والمساعدات القانونية والدعم النفسي والاجتماعي والرعاية الصحية.

تؤكّد التقارير أنّ الحروب والنزاعات والصراعات تؤدي إلى ارتفاع معدلات العنف الذي تتعرض له المرأة، سواء كان عنفًا جنسيًا أو نفسيًا أو اقتصاديًا. من المهم الإشارة كذلك إلى أنّ تدمير البيئة الزراعية نتيجة إلقاء آلاف الأطنان من المتفجرات والقنابل على الأراضي يؤدي إلى إفساد التربة وتدمير المحاصيل ومصادر الرزق، الأمر الذي يساهم في نزوح النساء وفقدانهن فرص العمل ومصادر الدخل.

يحظر القانون الإنساني الدولي المعروف بقوانين الحرب، على أطراف النزاعات المسلحة تعمد استهداف المدنيين أو إيذائهم، كما تحظر المادة الثالثة المشتركة في اتفاقيات جنيف لعام 1949، وكذلك قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي، الاعتداء الجنسي وغيره من أشكال العنف الجنسي أثناء النزاعات المسلحة. أكّد مؤتمر بكين الذي عقد تحت رعاية الأمم المتحدة عام 1995 أنّ النزاعات المسلّحة لها عواقب خطيرة على حياة المرأة، ودعا الدول إلى اتخاذ تدابير فعّالة لحماية النساء والفتيات من الأخطار التي يتعرضن لها، ولا سيّما في حالات الاحتلال، وذلك من خلال احترام القانون الدولي الإنساني، والعمل على ضمان التزام المسؤولين العسكريين والمدنيين التابعين للدول بهذه القواعد.

 أسفر مؤتمر بكين عن “منهاج عمل بكين”، الذي تضمن محورًا خاصًا بالمرأة والنزاع المسلّح، وأكّد أنّ إيجاد بيئةٍ تحافظ على السلام العالمي، وتعزز حقوق الإنسان وتحميها، وتدعم الديمقراطية، وتعمل على تسوية النزاعات بالطرق السلميّة، وفق مبادئ عدم التهديد باستخدام القوة وعدم استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي للدول، واحترام السيادة طبقًا لميثاق الأمم المتحدة، يُمثّل عاملًا أساسيًا للنهوض بالمرأة وتعزيز حقوقها. جاء في منهاج عمل بكين أنّ النساء والأطفال يشكلون قرابة 80% من ملايين اللاجئين، وغيرهم من المشردين في العالم بمن فيهم المشردون داخليًا، وأنّهم يواجهون خطر فقدان ممتلكاتهم وحرمانهم من السلع والخدمات الأساسية، ومن حقهم في العودة إلى ديارهم الأصلية، فضلًا عن تعرضهم للعنف وانعدام الأمن والخوف المستمر.

على الرغم من وجود القوانين والمعاهدات والمواثيق الدولية التي تهدف إلى حماية المدنيين، وخاصةً النساء والأطفال، ما زالت جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية تُرتكب في مناطق مختلفة من العالم، في ظلِّ غياب الردع والمساءلة الكافية، الأمر الذي يسمح باستمرار هذه الانتهاكات.

تعاني المرأة في مناطق النزاعات من النزوح والعيش في خيام ومخيمات تفتقر إلى الشروط الإنسانية، كما تضطر بعض النساء إلى الولادة في ظروف بالغة الصعوبة دون الحصول على الرعاية الصحية اللازمة لهن ولأطفالهن، في ظل انتشار المجاعة والأمراض ونقص الغذاء والدواء والمياه النظيفة. كما تواجه النساء في مناطق الحروب والنزاعات الاعتداء الجنسي والقتل والعنف الوحشي والتمييز القائم على النوع الاجتماعي، إضافةً إلى الخطف والاختفاء القسري والاتجار بالبشر.

أما بالنسبة إلى الأطفال، فإنّ آثار النزاعات المسلحة لا تقل خطورة، إذ يتعرض الأطفال للقتل والإصابة والتشويه والاعتداء الجنسي والاعتقال والاختفاء القسري، كما يموت بعضهم نتيجة الجوع وسوء التغذية وانتشار الأمراض، ويحرم ملايين الأطفال من استكمال تعليمهم بسبب تدمير المدارس أو استخدامها كملاجئ للنازحين. يوفر القانون الدولي الإنساني حماية عامة للأطفال باعتبارهم أشخاصًا لا يشاركون في الأعمال العدائية، كما يمنحهم حماية خاصة باعتبارهم من أكثر الفئات ضعفًا في الحروب والنزاعات المسلّحة.

يتمتع الأطفال بالحماية وفقًا لاتفاقية جنيف الرابعة، والقانون الدولي لحقوق الإنسان، واتفاقية حقوق الطفل لعام 1989، والبروتوكول الاختياري الصادر عام 2000 بشأن اشتراك الأطفال في النزاعات المسلحة. ينص البند الرابع من المادة 38 من اتفاقية حقوق الطفل على ضرورة حماية الأطفال من آثار النزاعات المسلّحة، كما يؤكّد البندان( أ، ب) من المادة 37 عدم إخضاع أي طفل للتعذيب أو لغيره من ضروب المعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وعدم حرمانه من حريته بصورة غير قانونية أو تعسفية. هذه الاتفاقية ملزمة للدول التي صدقت عليها، ومن بينها إسرائيل التي صدقت عليها عام 1991.

إذا تحدثنا عن تداعيات الحروب والنزاعات على الأطفال، نجد أنّ القانون الدولي الإنساني يوفّر لهم حماية عامة باعتبارهم من المدنيين غير المشاركين في الأعمال العدائية، ويمنحهم في الوقت نفسه حمايةً خاصةً بسبب ضعفهم وحاجتهم إلى رعاية أكبر أثناء النزاعات المسلّحة.

وفقًا لإحصائية صادرة عن اليونيسيف، فقد ولد عشرات الآلاف من الأطفال في ظل الهجمات الإسرائيلية التي بدأت في الثامن من أكتوبر 2023، مع غياب المستلزمات الطبية الأساسية والتطعيمات الضرورية للأطفال، وهو ما يهدد بانتشار الأمراض منها الحصبة وشلل الأطفال، كما يتعرض الأطفال (الخدج) حديثو الولادة لمخاطر شديدة نتيجة استهداف المستشفيات وتدميرها، وعدم توافر الوقود والمستلزمات الطبية والأدوية. ناهيك عن تعرضهم لخطر الموت بسبب غياب الرعاية الطبية الضرورية، بعد خروج العديد من المستشفيات عن الخدمة نتيجة القصف والتدمير، فضلًا عن استهداف الأطقم الطبية وسيارات الإسعاف، وعدم وصول المساعدات الإنسانية، بما فيها الشاحنات التي تحمل الأدوية والمستلزمات الطبية والغذائية.

تعرّض الأطفال الفلسطينيون لأشكالٍ متعددة من الانتهاكات، من قتل وتشويه واعتقال واختفاء قسري، وحرمان من الحق في الحياة والصحة والتعليم، نتيجة تدمير المدارس والمستشفيات، فضلًا عن عرقلة وصول المساعدات الإنسانية التي يحتاجون إليها. أعلن المكتب الإعلامي الحكومي الفلسطيني عن وفاة أطفال نتيجة المجاعة وسوء التغذية والجفاف، كما ارتفعت معدلات سوء التغذية الحاد، وخاصة بين الأطفال دون سن الثانية في شمال غزة، بالتزامن مع تعرضهم للأوبئة والأمراض المعدية بسبب عدم توافر مياه آمنة وصالحة للشرب.

لا تقتصر آثار الحرب على الأضرار الجسدية وإنّما تمتد إلى الجانب النفسي، حيث يجد الأطفال أنفسهم ضحايا مباشرين للظلم، ويشاهدون مشاهد القتل والدمار والموت، ويضطرون إلى النزوح المتكرر من منازلهم، الأمر الذي يعرضهم لصدمات نفسية عميقة قد تستمر آثارها معهم لسنوات طويلة. إنّ الاستهداف المتعمّد للأطفال يمثل جريمة بالغة الخطورة، ويكشف عن انهيارٍ واضحٍ في احترام القواعد الأخلاقية والقانونية، وعن إخفاق المجتمع الدولي في توفير الحماية الفعليّة للأطفال في مناطق النزاعات المسلحة. إنّ حماية النساء والأطفال أثناء الحروب ليست مجرّد مسألة إنسانية، وإنّما هي التزامٌ قانوني وأخلاقي ودولي، ويجب على المجتمع الدولي أن يتحمّل مسؤولياته في منع الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وعدم السماح بالإفلات من العقاب. انطلاقًا من ذلك نطالب:

1- وقف الحرب فورًا في جميع مناطق النزاعات، وإدخال المساعدات الإنسانية، محاسبة ومحاكمة مرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وكل من ارتكب جرائم قتل أو اغتصاب أو تعذيب أو عنف بحق النساء والأطفال، بالمخالفة للقوانين والمعاهدات الدولية والأعراف الإنسانية.

2- العمل على تقديم مرتكبي الجرائم إلى الجهات القضائية الدولية المختصة، بما فيها المحكمة الجنائية الدولية، ومتابعة المسؤولية القانونية عن الجرائم المرتكبة.

3- دعوة كافة الشعوب إلى استخدام الوسائل السلمية للضغط من أجل إنهاء أي احتلال أوعدوان، ومقاطعة المنتجات والأنشطة الاقتصادية والثقافية والرياضية المرتبطة بالجهات المسؤولة عن الانتهاكات.

4- التضامن مع الشعوب التي تتعرض للحروب والاحتلال والاستغلال، ومواجهة السياسات الإمبريالية والاستعمارية وكل أشكال الفاشية والعنصرية.

5- العمل على إطلاق حملة دولية واسعة للمطالبة بإعادة الاعتبار للقرارات الدولية المتعلّقة بمكافحة العنصرية والتمييز.

6- تسليط الضوء على الجرائم والانتهاكات التي تتعرض لها النساء والأطفال في الحروب والنزاعات، وتوثيقها بالصوت والصورة والشهادات والأدلة، ورفع القضايا أمام المحاكم الوطنية والدولية، لأنّ الجرائم الدولية الخطيرة لا ينبغي أن تسقط بالتقادم أو تمر دون عقاب.

7- الاهتمام بعلاج وتأهيل ضحايا العنف والتعذيب والحروب، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي للنساء والأطفال الذين تعرضوا للصدمات والنزوح والفقد والإصابات.