هيباتيا السّورية .. والصّراع من أجل الحياة – د. ندى ملكاني
هيباتيا السّورية .. والصّراع من أجل الحياة
بقلم: د. ندى ملكاني
“بالرغم من كلِّ المعاناة الإنسانية التي تخلّفها الحرب، ولاسيّما على الفئات الأكثر هشاشة
والأقل حماية في المجتمعات وخاصّةً النساء، إلا أنَّ المرأة تصنع الحياة من رحم الألم،
وتقوم بترميم الأرواح وتسهم في إعادة بناء الوطن من رماد الخوف والفقدان والمآسي“
“لقد أدركتُ أنّ الموت لا يعني نهاية كل شيء، وأنّ الحرب قادرةٌ على تدمير الإنسان من الداخل حتى وإن نجا جسده من القذائف”. هذه الصورة التي تعكس المعاناة الإنسانية الناجمة عن الحروب والمرافقة لها جسّدها الأديب الألماني إريك ماريا ريمارك في روايته “كل شيء هادئ على الجبهة الغربية”. إنّ هذا الاقتباس يبرز صور معاناة الإنسانية تحت وطأة الحروب، ولا عجب في ذلك لأنّ الأدب وثيقةٌ حيّة تنقل ويلات الصراع بما يتجاوز الأرقام السياسية والعسكرية، ليسلط الضوء على قصص إنسانية في فترات الحروب.
إنّ الرصاصة القاتلة وقت الحروب عندما تصيب شخصًا ترديه قتيلًا، وتنتهي المعاناة. لكنَّ المعاناة الحقيقية حينما يعيش الإنسان تحت وطأة الخوف، حينما تكون كرامته مهددة، حينما يفتقر إلى أبسط الشروط الإنسانية للعيش الآمن واللائق بوجوده، حينها لا يكون ضحيةً لبشاعة الأسلحة والموت الآني بل ضحية آلامٍ حياتية قد تكون مدمّرة، مهينة، تُحدث شروخًا عميقة وحادّة في جوهر إنسانيته، تضعه في مواجهةٍ مباشرة مع أبشع الظروف.
لا تنتهي المآسي بوقف إطلاق النار، بل تستمر على هيئة إنسان خائف يربض القلق في داخله. حيث تخلّف الحروب أوجاعًا تتجاوز خسائر الأرواح، لتتسبب بهدر الكرامة الإنسانية، وتترك آثار مخالب وحشيتها على الفئات المهمّشة والأكثر ضعفًا والأقل حماية، كالأقليات والمرأة واللاجئين والنازحين.
إذا كان الرجال وقود الحرب فإنّ النساء رمادها، فهنّ يعشن مشهد فقد الرجال ويتحملن أعباء غيابهم، ويناضلن من أجل حياتهن وحياة أسرهن وأطفالهن. فبموت الرجال في الحرب تعايش المرأة عن كثب فقدان الأب أو الأخ أو الزوج، وما لذلك من آثارٍ نفسية مؤذية. إضافة إلى أنّ المرأة نفسها معيلةٌ لنفسها وأسرتها، وتكمن المعضلة إذا ما اضطرت للعمل بما لا يناسب كفاءتها أو طبيعتها، عند ذلك لا يضيف إليها العمل أيّة استقلالية بل أعباءً إضافية.
إذا كان الاعتقال والتعذيب الجسدي من أبشع الجرائم ضد الإنسانية وتطال الرجال والنساء معًا، فإنّ المرأة في حال اعتُقلت أو عُنّفت جسديًا كان ذلك اعتداءً على كرامتها و إرادتها كما الرجل المعتقل. أمّا في حال تمَّ اعتقال زوجها أو أخيها أو أبيها أو عذّبوا جسديًا فهي ستتحول إلى موقع الأم والأب في آن معًا. ستعيش حالة من القلق المستمر والتوتر النفسي بسبب الجهل بظروف زوجها أو أبيها أو أخيها فتفقد الأمان وتعاني من ضغوطات مجتمعية بل مضايقات أيضًا، فإمّا تنبذ أو تلجأ للعزلة. وفي الحالتين هي تواجه موتًا في قلب الموت.
تشير هيئة الأمم المتحدة للمرأة بتقريرها الصادر في أيار 2026، أنّ الحرب تُصبح أكثر خطورةً على النساء والفتيات، وأنّ العالم يشهد أعلى نسب نزاعات نشطة منذ العام 1946. تشير التقديرات إلى تجاوز عدد ضحايا ربيع الشعوب نحو ربع مليون قتيل ومئات الآلاف من الجرحى والملايين من النازحين والمعتقلين. تركّزت النسبة الأكبر من هذه الخسائر في سورية واليمن وليبيا. كما وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل أكثر من 23 ألف امرأة خلال سنوات الحرب. بينما تؤكّد تقارير بحثيّة أنّ هذه الإحصائية غير دقيقة وأنّ حصيلة الضحايا من النساء تصل إلى حوالي 29 ألف، حيث قُتلت غالبيتهن جراء القصف إلى جانب آلاف المعتقلات والمغيّبات.
من الطبيعي أن تتضارب الإحصائيات التي تخصُّ المرأة السورية وتخص كل القضايا الإنسانية أوقات النزاعات المسلحة، نظرًا للتضييق الذي كان يقوم به نظام الأسد بحق الناشطين الحقوقيين والمدنيين وصعوبة الوصول إلى الحقائق والنسب الدقيقة عمومًا في فترات الحرب والعنف الدموي.
إنّ ارتفاع نسبة الضحايا من النساء لا يعكس أرقامًا فحسب، بل هو دلالةٌ عميقةٌ على وقوع المرأة بين براثن الاقتتال من أجل البقاء والصراع من أجل السلطة الذي هو غالبًا ولأسباب مجتمعية وسياسية مرتبط بتاريخ وتراث وتجربة المنطقة، وفيما تتجاوز هذه الأرقام هناك وجهًا أخر للحكاية المأساوية التي عانت وتعاني منها المرأة السورية.
ما نقله الصحفي والإعلامي علاء الدين الكيلاني للجزيرة ووثقه في مقالٍ بعنوان “عائلات بلا معيل”، “السوريات في مواجهة آثار الحرب” صورة واضحة عن هذا الوضع المأساوي الذي وجدته المرأة السورية أثناء الصراع، فقد نقل لنا قصتها وهي تقول: “ما أحصل عليه لا يكفي لتسديد آجار المنزل، فاضطررت أن أستعين بجمعيات أهلية كانت تقدم لنا بين الحين والآخر مواد غذائية مختلفة، غير أنّ ذلك لم يكن حلًا”، “كنت أشعر بحملٍ ثقيل نتيجة قيامي بدور الأب والأم معًا، كان عليَّ أن أبحث عن مصدر رزق أنفق منه وأسدد آجار المنزل وأهتم بشؤون أطفالي”.
تُقدّر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أنّ قرابة 22% من إجمالي الأسر السورية في دول اللجوء تعيلهن نساء بمفردهن. هذا الرقم يشير إلى أنّ الرصاصة تقتل الرجل وتنهي حياة المرأة بطريقة أخرى غير الموت. وأستذكر ما جسدته فدوى طوقان عن الفقد في الحروب وآثاره على النساء حينما قالت: “آه يا وطني المصلوب على جبال النار، هل أتاك صوت أم الشهيد؟ هل سمعت بكاء الثكالى وراء الحدود؟”
قدّرت الإحصاءات الرسمية والدولية عدد النساء السوريات اللواتي فقدن أزواجهن بنحو نصف مليون في إحصائيات ما قبل العام 2020، وهو ما يعادل فقدان امرأة واحدة من بين كل 6 نساء لأزواجهن. كما أضحت آلاف الأمهات السوريات ثكالى منذ العام 2011، وهؤلاء الأمهات يعانين نفسيًا واقتصاديًا وهم في حالة انتظار عودة أبنائهم.
ينطبق على الحالة السورية ما أشارت إليه منظمة العفو الدولية أنّه على الصعيد العالمي فإنّ الغالبية العظمى من ضحايا الاختفاء القسري هم الرجال، ولكن النساء غالبًا ما يقُدنَ النضال لمعرفة ما حدث في الدقائق والأيام والسنوات التي انقضت منذ اختفائهم، ما يعرضهم لخطر الترهيب والاضطهاد والعنف.
طبيعة المرأة – كما تشير أبحاث علم النفس الاجتماعي – أنّها أقل ميلًا للتعصب من الرجال وأكثر اهتمامًا بقيم الرحمة والإنصاف والعدالة، هذا الشيء الذي تدفع ثمنه المرأة في أوقات الحروب والنزاعات المسلحة والاستقطاب السياسي والانقسام الحاد في الآراء السياسية. فهي تميل إلى رؤية العالم أكثر تلونًا بقيم التسامح والعدل، لا تقع ضحية الانقسام بين الأبيض والأسود في المواقف فتدفع ثمن مرونة تفكيرها وعقليتها والصراع الحاد على السلطة، وكونها في السياسة ضمن المجتمعات المتخلّفة أقل انخراطًا في المجال العام من الرجل يصعب أن يكون لها صوتٌ مسموعٌ.
إنّها ضحية التعصب الفكري والسياسي الذي يرافق الحروب ويخلق النزاعات المسلحة. في المجتمعات المتخلّفة تصطف مواقف الأطراف ويخفت صوت الفكر ويعلو صوت الرصاص الذي يطمس أية محاولات للارتقاء بالإنسان وعقله ومدركاته، فتقع المرأة بين براثن غياب التنوع الفكري وقبول الآخر المختلف في تفكيره ورؤيته وجنسه أيضًا.
إنّها هيباتيا أينما شهيدة الفكر التي قُتلت لأنّها دعت إلى التسامح في فترة الصراعات السياسية والدينية الحادة في الإسكندرية. هاجمتها جماعة متعصّبة حيث جرّوها من عربتها إلى داخل إحدى الكنائس وقتلوها بطريقة وحشية قبل حرق جثمانها.
إنّ قصة هيباتيا السورية قصةٌ موجعة، فقد سجلت الإحصائيات التي أجرتها الشبكة السورية لحقوق الإنسان وجود أكثر من 10 آلاف من الإناث المعتقلات في سجون الأسد. كشفت تحقيقات صحفية عالمية أنهن يُستخدمن أيضًا كورقة ضغط على المعارضين. بالمقابل؛ قصة هيباتيا السورية في المجال الاجتماعي موجعة أيضًا فهي ضحية النظرة النمطية التي لا ترحمها سواء أكانت في المعتقل أو في خارجه، سواء أكانت عازبة أو متزوجة، عاملة أو ربة منزل. الصور الاجتماعية التي تحصر المرأة وتجعلها أسيرة قوالب تفكير جامد، هي سمة مصاحبة للمجتمعات المتخلّفة التي تمارس قهرًا على المرأة وتحدُّ من إمكانياتها وقدراتها، وتقف حائلًا أمام تمكينها ومنحها كل الفرص الممكنة لتمارس دورها السياسي، فتبقى أسيرة أدوار تقليدية.
لا ضير في الأدوار الطبيعية للمرأة والمتمثلة في الإنجاب ورعاية الأطفال، لأنّ تلك مهمّة سامية ومَلَكة وهبها الله للمرأة وميزها فيها عن الرجل. لكن المشكلة تكمن في حصر المرأة وأدوارها ضمن إطار الانفعالية وردود الفعل والوقوف عائقًا أمام أخذها زمام المبادرة لقيادة التغيير الاجتماعي والسياسي. المشكلة الأخرى هو في تضاعف هذه الأدوار التقليدية وقت الحرب لتتحول المرأة إلى أب وأم لإعالة أطفالها بانتظار مفقود أو مع الشعور بالفقد نتيجة سقوط الرجل ضحية النزاع. أشارت الأديبة جميلة زنير أنّ “المرأة في زمن الحرب لا تنتظر فقط، بل هي تحمل العبء الأكبر، تبني البيوت التي هدمها القصف، وتلملم شتات العائلة، وتزرع الأمل في أرض حرقتها نيران المعارك”.
تحدّت المرأة السورية الظروف لتتجاوز كونها في حالات كثيرة المعيل للأسرة، لتأخذ دورًا إنسانيًا مهمًا، فبرزت كطبيبة وممرضة وكقيادية في منظمات المجتمع المدني، وكانت لها مواقف سياسية خاصّة بها حتى في ظلِّ الاستقطاب الحاد. إنّ الأدوار القيادية للمرأة هي ما يسمح لقابلياتها وإمكانياتها بالتفتح والنمو، ولا شك أنّ المرأة السورية بالرغم من وجودها في مجتمع متخلف أنهكته الحرب، مارست هذه الأدوار الإنسانية والسياسية المهمة. فقد بلغت نسبة النساء السوريات الناشطات في منظمات المجتمع المدني 20 إلى 30% من إجمالي القوة العاملة في تلك المؤسسات كما تشير أبحاث ميدانية.
بالرغم من كلِّ المعاناة الإنسانية التي تخلّفها الحرب، ولاسيّما على الفئات الأكثر هشاشة والأقل حماية في المجتمعات وخاصةً النساء، إلا أنّ المرأة تصنع الحياة من رحم الألم وتحوّل الدمار إلى فعل صمود، إنّها تقوم بترميم الأرواح وتسهم في إعادة بناء الوطن من رماد الخوف والفقدان والمآسي. كالعنقاء تنهض من الرماد وترمز إلى التجدد والانبعاث.
إنّ قضية المرأة السورية والدفاع عنها هي جزء لا يتجزأ عن قضية الدفاع عن حقوق الإنسان، ونضال المواطن السوري للتحرر من الاستبداد السياسي لا ينفصل عن نضال المرأة من أجل كرامتها وإثبات وجودها، لأنّ تحرر المرأة من القيود المتخلّفة يتطلّب القضاء على البنى والهياكل القمعية وأولها الأنظمة السياسية التي لا تُعير أي اعتبارٍ لإنسانية الإنسان وكرامة المواطن. لذلك فإنّ سقوط نظام الأسد هو بدايةٌ وليس نهاية الطريق أمام هيباتيا السورية لتناضل ليس فقط من أجل التمثيل الشكلي، بل من أجل المشاركة السياسية العميقة والمؤثرة وفي مواقع صنع القرار.
هيباتيا التي ناضلت من أجل حرية الفكر، وكانت شهيدة الدفاع عنه، تبدو اليوم في سورية ضمن معركة وجودية لتنبعث من جديد، من رماد الحرب، من ويلات الاقتتال الكارثية، تعيد حياكة ثوب الحياة الممزق ليرتديه وطنٌ مليءٌ بالجروح التي لم تندمل، وإن اندملت تحتاج إلى روح تعيد الاعتبار إلى المعاني الإنسانية وقيم التسامح والحوار والابتعاد عن التعصب الفكري والسياسي الذي رافق الحرب وكان أيضًا من مخلفاتها.
هيباتيا السورية هي حكاية…حكاية إنسانية مؤلمة، حبكتها الألم، شخصياتها مشبعة بروح النضال، والعبرة فيها الصمود والبناء بعد الدمار.
