النساء والأطفال في النزاعات المسلّحة بين هشاشة الحماية وتحدّيات التمكين والمشاركة – أفين جمعة

النساء والأطفال في النزاعات المسلّحة بين هشاشة الحماية وتحدّيات التمكين والمشاركة

  بقلم: أفين جمعة

 

إنّ حماية النساء والأطفال ليست مهمّةً إنسانيةً فحسب، بل هي شرطٌ أساسي لبناء مجتمعٍ قادرٍ على التعافي من آثار الحرب وإعادة بناء دولةٍ عادلة تقوم على المواطنة والمساواة، وتمكينُ النساء ومواجهةُ خطاب الكراهية، وتطويرُ التشريعات، وضمانُ مشاركتهن في صنع القرار، ليست خطوات منفصلة، بل مسارٌ واحدٌ متكامل يعيد للمجتمع توازنه ويضمن مستقبلًا أكثر استقرارًا وعدلًا

 

على مرّ العصور، ومع استمرار النزاعات المسلّحة باختلاف أشكالها وأزمنتها وأدواتها وموازين قواها، ظلّت حقوق الإنسان تواجه تحديًا وجوديًا يتمثّل في الانتهاكات المستمرة التي تُرتكب في ظلِّ غياب العدالة والحماية الفعّالة. فالحروب لا تدمّر البنى التحتية فحسب، بل تقوّض البنى الاجتماعية وتُضعف قدرة الإنسان على الحفاظ على كرامته وحياته، وتحوّل العنف إلى أسلوبٍ ممنهجٍ يستهدف إرادة الأفراد وقدرتهم على الاستمرار في الحياة بأمنٍ واستقرار. في قلب هذا المشهد القاسي، تتصدّر النساء والأطفال الفئات الأكثر تأثرًا بالنزاعات المسلّحة، لما يواجهونه من عنفٍ مباشر، وتهجيرٍ قسري، وتفاقم الفقر، وانهيار القيم الاجتماعية، وصولًا إلى انتهاكاتٍ جسيمة تمسُّ الكرامة الإنسانية بأبشع صورها.

المرأة كانت دومًا عماد الأسرة وضمان تماسكها، والطفل يمثل مستقبل المجتمع وامتداد حياته، ولذلك فإنّ استهدافهما يشكّل ضربةً مباشرةً لبنية المجتمع وقدرته على الصمود. مع كل نزاعٍ، تتكرر أنماط الاستهداف سواء عبر العنف الجسدي والنفسي أو عبر القيود الاجتماعية التي تجعل النساء والأطفال مقيدين وغير قادرين على التطوّر أو لعب دورهم الطبيعي في بناء المجتمع.

رغم الجهود الدولية التي سعت عبر التاريخ إلى وضع منظوماتٍ قانونية لحماية النساء والأطفال، إلا أنّ تلك الجهود لم ترقَ حتى اليوم إلى مستوى الحماية الكافية. فقد عمل المجتمع الدولي على تطوير أدوات قانونية مثل قرار مجلس الأمن 1325 الذي يؤكد ضرورة حماية النساء وإشراكهن في عمليات السلام. إضافة إلى برامج الأمم المتحدة الخاصة بالحماية من العنف الجنسي في النزاعات المسلحة، ودعم منظمات المجتمع المدني التي تعمل على توثيق الانتهاكات وتقديم الدعم النفسي والقانوني للناجيات، والضغط لفتح مسارات المساءلة. مع ذلك؛ تبقى هذه الجهود غير كافية أمام حجم الانتهاكات واتساعها عالميًا، خاصةً في البيئات التي تضعف فيها سلطة القانون وتنتشر فيها الأسلحة وتغيب فيها آليات الحماية.

لا تقتصر آثار النزاعات على فترة الحرب نفسها، بل تمتد لسنواتٍ طويلة بعدها. إذ أظهرت التجارب الميدانية أنّ النساء والأطفال يعانون من اضطراباتٍ نفسية وجسدية مستمرة. أبرزها اضطراب ما بعد الصدمة، القلق المزمن، الخوف من المستقبل، وانعدام الشعور بالأمان داخل الأسرة والمجتمع، خاصةً في المجتمعات المضيفة التي تفرض عزلةً اجتماعيةً وصعوبةً في الاندماج. كما تتفاقم الضغوط الاقتصادية نتيجة فقدان المعيل وانهيار الروابط الأسرية وارتفاع نسب التفكك والشتات. يزداد الأمر صعوبةً مع وصمة العار التي تلاحق الناجين من الاعتقال أو العنف الجنسي، حيث يتعامل المجتمع مع هذه الانتهاكات بوصفها عارًا يلحق بالأسرة بدلًا من اعتبارها جرائم تُرتكب بحق الضحايا، ما يؤدي إلى التكتم على الجرائم وزيادة الضغط على الناجيات وعزلتهن عن المجتمع، ويجعل استمرار العيش في بيئات غير آمنة وبدون حماية قانونية أو دعم نفسي ممنهج خطرًا مضاعفًا، خاصة في المخيمات أو المناطق المعرّضة للهجمات العسكرية المتكررة.

ما حدث في سوريا خلال العقد والنصف الماضي يمثّل نموذجًا صارخًا لهذه المعاناة. إذ شهدت البلاد انتهاكاتٍ واسعة لحقوق الإنسان، وكانت النساء والأطفال الأكثر تضررًا. فقد بدأت شرارة النزاع بانتهاك حقوق طفل، واستمرت لسنواتٍ من العنف والتهجير والقتل والاعتداءات الجسدية والنفسية والجنسية. أشار تقرير الأمم المتحدة لعام 2026 إلى استمرار العنف ضد النساء والأطفال وارتفاع عدد الضحايا نتيجة العنف الأسري وجرائم العنف الجنسي وجرائم بذريعة الشرف، سواء في سياقات جنائية أو على يد جهاتٍ مسلّحة، وسط غياب المحاسبة وضعف المؤسسات القضائية.

تلعب العادات والتقاليد السلبية دورًا خطيرًا في استمرار العنف، إذ تبرر العنف الأسري، وتقبل الزواج المبكر والقسري، وتلصق وصمة العار بالناجيات من العنف الجنسي، وتبرر جرائم الشرف، وتساهم في تهميش النساء في مواقع صنع القرار، ما يعزز ثقافة الإفلات من العقاب ويضعف قدرة النساء على طلب الحماية. تتعرض النساء السوريات أيضًا لجرائم الاتجار بالبشر تحت غطاء الزواج القسري أو عبر الابتزاز الإلكتروني الذي يستهدف النساء والفتيات اليافعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويعرّض حياتهن للخطر حيث يتعرّضن لأبشع أنواع الاستغلال التي تدفعهن للمشاركة في أعمال غير قانونية أو دفع مبالغ مالية أو التورط في حالات تجسس أو حتى الإدمان والترويج للمخدرات تحت ضغط التهديد والاستغلال.

كما تواجه النساء حرمانًا من حقوقهن القانونية في الميراث والملكية نتيجة التمييز الاجتماعي أو القانوني. رغم سقوط النظام السابق وتولي الحكومة الانتقالية الجديدة إدارة البلاد، لم تتحسن أوضاع النساء بالشكل المطلوب. إذ تكررت الانتهاكات في مناطق مختلفة بسبب ضعف القوانين وعدم كفايتها، ووجود مواد قانونية تبرر العنف أو تخفف العقوبة، إضافة إلى غياب آليات حماية فعّالة وعدم مواءمة التشريعات للمعايير الدولية مثل اتفاقية سيداو، وتفاوت مستويات الأمن واختلاف القوانين السارية وانتشار السلاح المنفلت، ما خلق حالةً من عدم التوازن في مستوى الحماية وزاد من هشاشة وضع النساء القانوني.

إنّ ما تركته الحرب من آثار سلبية ما يزال مستمرًا حتى اليوم، ويتفاقم في العديد من المناطق، وهو معضلةٌ حقيقية تواجه المجتمع ومستقبله. ورغم الجهود المبذولة للنهوض بوضع النساء الاجتماعي والقانوني إلا أنّها غير كافية، فحماية النساء وتفعيل دورهن في إعادة بناء المجتمع ليست خيارًا بل واجبًا يجب أن يدعمه القانون وأخلاقيات المجتمع. فضمان العدالة للضحايا ومحاسبة الجناة وتوفير بيئة آمنة للنساء والأطفال هو أساس بناء مجتمعٍ متماسك، ويبدأ ذلك من النساء أنفسهن عبر تمكينهن وتعزيز قدرتهن على النهوض بالمجتمع ولعب دورٍ فعّالٍ في إعادة البناء.

إنّ بناء شخصية الإنسان بإرادة المرأة الحرّة هو الأساس لدعم النساء. يتحقق ذلك عبر التكاتف والدعم النفسي والقانوني والعمل على أساس المواطنة والكرامة الإنسانية والحقوق المتساوية، ونبذ التمييز والعنصرية بحق النساء، بوصفه شرطًا أساسيًا لتعافيهن من حقبة مظلمة في فترة النزاع المسلح كنّ فيها الوقود الأول لتأجيجها وتحريكها. لإعادة بناء مجتمعٍ قادرٍ على حماية أفراده وضمان مستقبلٍ أكثر عدلًا، يجب أن يكون للمرأة دورٌ فعّالٌ في إعادة البناء وهيكلية المجتمع وحمايته والدفاع عنه عبر التنظيم والتمكين والعمل الجاد لحل القضايا العالقة، خاصةً القانونية منها، كون القانون هو الأساس في توفير الحماية والفرص الحقيقية لإعادة البناء، وهو الرادع الفعّال لوضع حدٍّ لتصاعد خطاب الكراهية بحق النساء والمستفيدين منه، ذلك الخطاب الساعي للحد من دور المرأة من أجل تحقيق مكاسب سياسية أو نفوذ اجتماعي ضيق.

أشارت تقارير حقوقية واجتماعية إلى أنّ تصاعد هذا الخطاب المحرّض في سوريا مرتبطٌ بعوامل بنيوية وسياسية. أبرزها حالة عدم الاستقرار وتراكم آثار الصراع على النسيج الاجتماعي، والتي أججتها عمليات التغيير الديمغرافي والتهجير القسري في العديد من المناطق لتحقيق مكاسب سياسية وبسط النفوذ وتفكيك التماسك المجتمعي والدفع نحو حرب أهلية يكون وقودها أفراد المجتمع، خاصة النساء والأطفال. كما تحمّلت النساء تبعات خطاب الكراهية الذي بُني على الاستهداف الجندري، تم توظيف المناسبات والمعتقدات الدينية لإنتاج محتوى إقصائي، وقد أظهرت بيانات عديدة قيام شخصيات إعلامية على وسائل التواصل الاجتماعي بنشر روايات تحريضية أدت إلى زيادة الانقسام وإضعاف السلم الأهلي. حيث وثّقت تقارير استهداف جماعات طائفية ودينية وقومية ونساء مشاركات في المجال العام، ووصل التحريض إلى حدِّ المطالبة بالعنف المباشر، وتم توثيق العديد من تلك الحالات التي ما تزال مستمرة حتى اليوم.

إنّ الحدَّ من هذا الخطاب المحرّض والمدمر يجب أن يكون عبر تعزيز الإعلام المهني المستقل القادر على كشف التضليل، فالحقائق تبطل مفعول الخطاب التحريضي، والجهل بالحقائق يجعل المجتمع ينقاد وراء مروّجيه بدوافع يغذيها الخطاب المتطرف، سواء الديني أو القومي أو التمييزي بحق النساء. من هنا تأتي أهمية رفع الوعي المجتمعي بخطورة الانجرار وراء هذه الخطابات، إضافة إلى ضرورة تطبيق تشريعات واضحة تجرّم خطاب الكراهية والتحريض الطائفي والاستهداف الجندري، والدعوة إلى استراتيجية وطنية لمواجهة الشائعات والمعلومات المضللة والتركيز على الحقائق الموثقة والمطالبة بمحاسبة مرتكبيها بدلًا من تكريس الروايات الزائفة التي تزيد الشرخ المجتمعي وتقوّض السلم الأهلي.

مع كل ما ذكر ورغم الضغوط الهائلة التي تحمّلتها المرأة السورية خلال الحرب وما تلاها، فقد أثبتت قدرتها على النهوض وسجلّت حضورًا فاعلًا في العمل الاجتماعي والسياسي والإداري وحتى العسكري، رغم استمرار التحديات المتعلّقة بالتمثيل والفرص والقيود الاجتماعية ومحاولات الإقصاء، وهو ما يجب تجاوزه عبر إدراج هذه الحقوق في الدستور الجديد، الذي لم يعد مطلبًا حقوقيًا فحسب، بل ضرورة لبناء دولة تؤمن بالعدالة والحريات العامة والمساواة. قد بات واضحًا أن تحقيق أي تحولٍ سياسي ناجح لا يمكن أن يتمَّ دون مشاركة النساء في صنع القرار بشكلٍ فعّال، لأنّهن الأكثر قدرةً على الدفاع عن حقوقهن وحقوق المجتمع عبر نصوص صريحة يتضمنها الدستور، الذي يشكل ركيزةً أساسيةً لبناء سوريا تعددية، وخطوةً ضروريةً لإنهاء الذهنية الاقتصادية والاجتماعية التي حدّت من مشاركة النساء في الحياة العامة لعقود طويلة.

تشير التجارب المجتمعية في مراحل ما بعد النزاع إلى أنّ نجاح أي دستور يعتمد على عملية صياغة تشاركية واسعة، وعلى آليات مؤسسية قادرة على حماية الحقوق ومنع تكرار عقود الانقسامات والإقصاء والتمييز خاصة بحق النساء، فالاعتراف بالتنوع هو مصدر قوة وليس عامل انقسام كما يحاول البعض الترويج له. من الضمانات الدستورية الضرورية لمشاركة المرأة في صنع القرار النص الصريح على المساواة الكاملة أمام القانون دون أي تمييز قائم على النوع الاجتماعي، بما يتوافق مع مبادئ الإعلام الدستوري لعام 2025، إضافةً إلى اعتماد آليات مرحلية مثل الكوتا لضمان تمثيل النساء في المؤسسات المنتخبة خلال المرحلة الانتقالية، وسنّ قوانين تحمي النساء من العنف السياسي والاجتماعي وتضمن وصولهن إلى مواقع صنع القرار بما يعالج إرثًا طويلًا من الإقصاء.

إنّ حماية النساء والأطفال ليست مهمةً إنسانيةً فحسب، بل هي شرطٌ أساسي لبناء مجتمعٍ قادرٍ على التعافي من آثار الحرب وإعادة بناء دولةٍ عادلةٍ تقوم على المواطنة والمساواة. تمكين النساء، ومواجهة خطاب الكراهية، وتطوير التشريعات، وضمان مشاركتهن في صنع القرار، ليست خطواتٍ منفصلة، بل مسارٌ واحدٌ متكامل يعيد للمجتمع توازنه ويضمن مستقبلًا أكثر استقرارًا وعدلًا. إنّ مستقبل سوريا لن يُكتب إلا بمشاركة نسائها، وبإرادة جماعية تؤمن بأنّ العدالة ليست شعارًا بل ممارسة يومية تُبنى بالقانون والوعي والعمل المشترك.