سناء محيدلي.. أيقونة المقاومة الوطنية
سناء محيدلي.. أيقونة المقاومة الوطنية

“شكّلت قصّة سناء محيدلي محطّةً بارزةً في الحديث عن دور المرأة في النضال الوطني،
إذ أثبتت أنّ المرأة ليست مجرّد شاهدة على الأحداث التاريخيّة،
بل قادرة على أن تكون فاعلة ومؤثّرة في مختلف ميادين الحياة”
شابةٌ لبنانية تحوّلت إلى واحدةٍ من أبرز الرموز المرتبطة بالمقاومة ضدّ القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان خلال ثمانينيات القرن الماضي. عُرفت بلقب عروس الجنوب، وأصبحت سيرتها حاضرةً في الذاكرة السياسية والشعبية اللبنانية والعربية، إنّها الشهيدة سناء محيدلي التي بقيت شخصيةً مثيرةً للحضور في التاريخ اللبناني المعاصر.
ولدت سناء محيدلي في بلدة عنقون قضاء صيدا جنوب لبنان، في 14آب عام 1968، والدها يوسف توفيق محيدلي، والدتها فاطمة توفيت وهي في الثالثة من عمرها. عاشت سناء بعد ذلك في كنف والدها الذي أولاها جلّ اهتمامه بعد وفاة والدتها، وتزوج بعد ذلك ليكون لسناء أختٌ واحدة وثلاثة أخوة. نمت سناء محيدلي في بيتٍ وطني حيث كان والدها ممن يرفضون الظلم والقهر كباقي أترابه، ورغم تواضع العيش والحياة خلال الحرب اللبنانية بقيت عائلة سناء تسكن بيروت، ومرارة الحرب يراود صبية تنظر إلى مستقبل أمة و ليس مستقبل فتاة.
لم تكن سناء محيدلي مجرّد فتاةٍ لبنانية عاشت سنوات الحرب، بل كانت صورةً لجيلٍ كامل نشأ في زمنٍ كانت فيه الأرض تنزف تحت وطأة الاعتداءات والصراعات المتواصلة. ففي تلك المرحلة العصيبة من تاريخ لبنان، كبرت سناء وهي ترى مشاهد الدمار والتهجير والمعاناة التي عاشها أبناء الجنوب اللبناني، الأمر الذي ترك أثرًا عميقًا في وعيها وشخصيتها، وجعلها أكثر ارتباطًا بقضايا شعبها ووطنها منذ سنواتها الأولى.
عملت سناء في أوقات فراغها في محلٍ لبيع أشرطة الفيديو في منطقة المصيطبة غرب بيروت، وكانت إلى جانب ذلك تكمل دراستها. خلال عملها هناك قامت بتسجيل 36 شريط فيديو للشهيد وجدي الصايغ، الذي نفّذ عمليته ضدّ القوات الإسرائيلية في منطقة قريبة من الموقع الذي نفّذت فيه سناء عمليتها الاستشهادية لاحقًا.
كان الجنوب اللبناني يعيش ظروفًا استثنائية في الثمانينيات، حيث امتزجت تفاصيل الحياة اليومية بأخبار المواجهات والمقاومة. في ظلِّ هذا الواقع الصعب برز دور العديد من الشبان والشابات الذين اختاروا الانخراط في العمل الوطني، وكانت سناء واحدةً من الوجوه الشابة التي ارتبط اسمها بتلك المرحلة.
في الساعة العاشرة من صباح يوم الأحد الموافق 24 آذار 1985، خرجت سناء من منزل ذويها في المصيطبة بحجة شراء طلاء للأظافر. في طريقها أبلغت عناصر أحد الحواجز الأمنية القريبة من منزلها أنّه في حال افتقادها عليهم إبلاغ ذويها بأنّها لن تعود. مع حلول الساعة السادسة مساءً بدأ أهلها وأقاربها وأصدقاؤها البحث عنها دون جدوى، لتبدأ بعدها الاتصالات مع الأحزاب والأجهزة الأمنية، إلا أنّ جميع المحاولات لم تسفر عن أي نتيجة.
كانت عائلة سناء وصديقاتها يترقّبن سماع خبر عملية بطولية ضد القوات الإسرائيلية، في الوقت الذي كان فيه بعض الجيران يتوقعون ظهورها بعد زواجٍ سرّي. كانت سناء قد أسرّت لإحدى صديقاتها، قبل اختفائها بثلاثة أيام، بأنّها ستقوم بعملٍ سيتحدث عنه أهلها والناس بفخر واعتزاز، وأنّ الجميع سيقول يومًا إنّه كان يعرف سناء.

في مساء اليوم الذي سبَق تنفيذ عمليتها أطلّت سناء محيدلي على اللبنانيين عبر شاشة تلفزيون لبنان، القناة السابعة، لتعلن وصيتها الأخيرة بصوتٍ ثابت وإرادةٍ لا تعرف التراجع. قدّمت نفسها قائلة: “أنا الشهيدة سناء يوسف محيدلي، عمري 17 سنة من الجنوب، جنوب لبنان، الجنوب المحتل المقهور، من الجنوب المقاوم الثائر، أنا من جنوب الشهداء”. استحضرت في كلمتها أسماء عدد من الشهداء الذين سبقوها على طريق المقاومة، مؤكّدةً انتماءها إلى أرضٍ صنعت تاريخها بالتضحيات والصمود. في ختام وصيتها عبّرت عن إيمانها بقضيتها بقولها: “أتمنّى أن تتعانق روحي مع أرواح الشهداء الذين سبقوني وتتوحد معهم لتشكّل متفجرة تنفجر زلزالًا على رؤوس جيش العدو”
نفّذت سناء محيدلي عمليتها التي شكّلت محطة بارزة في تاريخ المقاومة اللبنانية ضدّ القوات الإسرائيلية في صباح التاسع من نيسان عام 1985. كانت آنذاك في السابعة عشرة من عمرها فقط، لكنّها حملت قضية شعبها وآلام أبناء الجنوب على كتفيها. قادت سيارة من نوع بيجو بيضاء اللون محملة بأكثر من 200 كيلوغرام من مادة تي إن تي، واتجهت بها نحو تجمع لآليات الجيش الإسرائيلي عند معبر باتر – جزين، حيث كانت القوات الإسرائيلية تستعد لتنفيذ المرحلة الثانية من انسحابها من القطاع الشرقي لجنوب لبنان.
بقيت رفات سناء محيدلي محتجزة لدى القوات الإسرائيلي لأكثر من ثلاثة وعشرين عامًا، قبل أن تُستعاد في تموز عام 2008 ضمن عملية تبادل الأسرى المعروفة بـ عملية الرضوان. في الحادي والعشرين من تموز من العام نفسه استلمت قيادة الحزب السوري القومي الاجتماعي الذي انتمت إليه سناء رفاتها، ثم سلّمتها إلى عائلتها لتوارى الثرى في مسقط رأسها بلدة عنقون في جنوب لبنان. هكذا عادت عروس الجنوب إلى الأرض التي أحبتها ودافعت عنها، لتستقر أخيرًا في تراب الجنوب اللبناني الذي ارتبط اسمها به، وتصبح جزءًا من ذاكرته وتاريخه.
في وصيتها التي كتبتها بخط يدها قبل تنفيذ عمليتها، عبّرت سناء عن مشاعرها وقناعاتها بكلماتٍ حملت الكثير من الحماسة والإيمان بخيارها، وهذا ما جاء في وصيتها:
“أحبائي إنّ الحياة وقفة عز فقط، أنا لم أمت، بل حيّة بينكم اتنقل أغني أرقص، أحقق كلّ أمانيَّ. كم أنا سعيدة وفرحة بهذه الشهادة البطولية التي قدمتُها. أرجوكم لا تبكوني لا تحزنوا عليّ، بل افرحوا و اضحكوا للدنيا، طالما فيها أبطال. أنا الآن مزروعة في تراب الجنوب أسقيه من دمي وحبي. آه لو تعرفون إلى أي حدٍّ وصلت سعادتي. التحرير يريد أبطالًا يضحون بأنفسهم، يتقدمون غير مبالين بما حولهم، ينفذون، هكذا يكون الأبطال. إنّني ذاهبةٌ إلى أكبر مستقبل، إلى سعادة لا توصف، آه أمي كم أنا سعيدة عندما سيتناثر عظمي من اللحم ودمي يهدر في تراب الجنوب من أجل أن أقتل هؤلاء الأعداء الصهاينة، وصيتي هي تسميتي عروس الجنوب”.
منذ اليوم الذي نفّذت فيه عمليتها، ارتبط اسم سناء محيدلي بواحدةٍ من أكثر العمليات التي أثارت اهتمام الرأي العام اللبناني والعربي، ليس فقط بسبب طبيعة العملية نفسها، بل أيضًا بسبب صغر سن منفّذتها وما مثّلته من حضورٍ استثنائي للمرأة في ساحة النضال الوطني. بقيت سيرتها حاضرة في الذاكرة السياسية والتاريخية بوصفها أصغر فتاة نفّذت عملية من هذا النوع في سياق المقاومة اللبنانية خلال تلك المرحلة، الأمر الذي جعلها تحظى بمكانةٍ خاصّة في الوعي الشعبي اللبناني والعربي.
لم يكن ما قامت به سناء محيدلي مجرّد فعلٍ عسكري عابر ارتبط بظروف مرحلةٍ معينة، بل كان تعبيرًا عن قناعةٍ تشكّلت في ظلِّ مشاهد الحرب وما خلّفته من مآسٍ وآلام في بلدات الجنوب اللبناني. عاشت تلك المرحلة بكل تفاصيلها القاسية، وشاهدت مثل غيرها من أبناء جيلها آثار الاجتياحات والاعتداءات التي طالت القرى والبلدات الجنوبية، ومنها الزرارية وحومين التحتا وجباع وكوثرية السياد وغيرها من المناطق التي دفعت ثمنًا باهظًا للصراع الدائر آنذاك.
أصبحت سناء محيدلي بعد استشهادها رمزًا من رموز المقاومة الوطنية اللبنانية والعربية، وتحوّل اسمها إلى عنوانٍ للتضحية والإرادة والصمود. خُلّدت ذكراها في العديد من المدن والبلدات اللبنانية من خلال إطلاق اسمها على مدارس وشوارع وساحات ومراكز ثقافية، كما كُتبت عنها المقالات والدراسات والكتب التي تناولت حياتها وتجربتها ودلالات حضورها في تاريخ المقاومة اللبنانية.
رغم مرور عقودٍ طويلة على استشهادها، ما زال اسم عروس الجنوب حاضرًا بقوة في المناسبات الوطنية والفعاليات الثقافية والندوات الفكرية التي تتناول تاريخ المقاومة اللبنانية، وينظر إليها كثيرون بوصفها واحدة من الشخصيات التي تركت بصمة واضحة في تاريخ لبنان المعاصر، ليس فقط بسبب العملية التي نفّذتها، بل أيضًا بسبب ما مثّلته من رمزٍ ارتبط بقيم التضحية والالتزام الوطني في مرحلة مفصلية من تاريخ البلاد.
لم يقتصر حضور سناء محيدلي على الجانب السياسي أو التاريخي فحسب، بل امتدّ إلى المجال الثقافي والفني أيضًا، حيث تناولت سيرتها العديد من القصائد الشعرية والأعمال الأدبية والبرامج الوثائقية والدراسات البحثية التي سعت إلى توثيق حياتها واستحضار تجربتها. كما تحوّلت صورتها إلى رمزٍ متداول في الذاكرة الشعبية يستحضر مرحلة كاملة من تاريخ لبنان وما رافقها من أحداثٍ وتحولاتٍ عميقة تركت آثارها على المجتمع اللبناني بأكمله.
شكّلت قصة سناء محيدلي محطةً بارزةً في الحديث عن دور المرأة في النضال الوطني وحركات التحرر، إذ أثبتت أنّ المرأة ليست مجرد شاهدة على الأحداث التاريخية، بل قادرة على أن تكون فاعلة ومؤثرة في مختلف ميادين الحياة والقضايا المصيرية لشعبها. ساهم حضورها الرمزي في فتح نقاشاتٍ واسعة حول مشاركة المرأة في العمل الوطني والسياسي، وحول قدرتها على تحمّل المسؤوليات الكبرى في الظروف الاستثنائية التي تمرُّ بها الشعوب.
هكذا بقيت سناء محيدلي حاضرةً في الذاكرة الجماعية اللبنانية والعربية، ليس فقط كفتاةٍ من الجنوب اللبناني، بل كشخصيةٍ ارتبط اسمها بمرحلةٍ تاريخية كاملة، وما حملته من تحديات وتضحيات وأحداث وتحولات كبرى. استمر حضورها عبر الزمن بوصفها إحدى الشخصيات التي تجاوزت حدود زمانها ومكانها، لتصبح جزءًا من السردية الوطنية التي يستحضرها اللبنانيون والعرب عند الحديث عن تاريخ المقاومة والنضال الوطني في المنطقة.
