كفاحُ الحرية والمساواة تجاه العبودية يشكّل أرضيةَ في جميع الميادين الاجتماعية – المفكر عبدالله أوجلان

كفاحُ الحرية والمساواة تجاه العبودية يشكّل أرضيةَ في جميع الميادين الاجتماعية

 

 

 

 

 

 

 

 

المفكر عبد الله أوجلان:

لا يُمكنُ إدراكُ أو حلُّ أيةِ مشكلةٍ اجتماعيةٍ بالدرجةِ الكافية، دون استيعابِ العلاقاتِ بين المرأةِ والرجل. إذ تتخفى إشكاليةُ العلاقاتِ بين الجنسَين وراء القضايا الاجتماعية. فلدى قيامِ مؤسسةِ الزواجِ –المفروضةِ على المرأةِ في المجتمعِ الهرميِّ ومجتمعِ المدنيةِ بمنوالٍ أحاديِّ الجانب– بإنشاءِ حاكميةِ الرجلِ المتعددةِ الجوانب، تَكُونُ بذلك قد رُصِفَت الأرضيةُ لمؤسسةِ عبوديةٍ وتبعيةٍ خاصّةٍ بالمجتمعِ البشريِّ بنحوٍ لَم يَشهدْه –ربما– أيُّ كائنٍ حيٍّ آخر في الطبيعة. وترتفعُ كلُّ حالةِ تمايُزٍ مجتمعيٍّ وطبقيٍّ وقوميٍّ بين الساحقِ والمسحوق على هذه الأرضية دوماً. كما ويتسترُ هذا الواقعُ خلفَ جميعِ أشكالِ الصراعاتِ والحروب أيضاً. وما تمّ مواراتُه وقَلبُه رأساً على عقب وعَكسُه سلبياً بالأكثر في تاريخِ المدنيةِ وفي الحداثةِ الرأسماليةِ بوصفِها آخرَ مراحلِ المدنية، هو الواقعُ المعنيُّ بعبوديةِ المرأةِ المبنيةِ على تلك الأرضية. فالمرأةُ التي طُوبِقَ بين اسمِها والشيطانِ في مجتمعِ المدنية، وحسبَ سلوكِ الامتثالِ في سوسيولوجيا الحداثة، هي الشخصيةُ الأكثرَ طاعةً وخنوعاً، والعاملةُ المجانيةُ في المنزل، والأمُّ المُنجِبةُ للأطفال.

إنّ إدراكَ كافةِ أشكالِ ومضامينِ مستوى العبوديةِ التي شُرِّبَت بها حياةُ المرأةِ على مدى آلافِ السنينِ بيَدِ الرجلِ وعَقلِه الاستبداديِّ والاستعماريّ، هو أمرٌ كان يتوجبُ اعتبارُه أولَ خطوةٍ على دربِ سوسيولوجيا الحقائق. ذلك أنّ معالِمَ العبوديةِ والاستغلالِ في هذا الحقلِ هي نموذجٌ بِدئيٌّ مُصَغَّرٌ عن كلِّ أشكالِ العبوديةِ والاستغلالِ الاجتماعيَّين. والعكسُ صحيح. أي أنّ كفاحَ الحريةِ والمساواةِ إزاء العبوديةِ والاستغلالِ المُضَمَّنَين في حياةِ المرأة، ومستوى المكاسبِ المُحرَزةِ في هذا الكفاح، يُشَكِّلُ أرضيةَ كفاحِ الحريةِ والمساواةِ تجاه العبوديةِ والاستغلالِ في جميعِ الميادين الاجتماعية.

من هنا، فالعجزُ عن الفهمِ الكافي لمؤسساتِ وذهنياتِ العبوديةِ والاستغلال، والتي طُعِّمَت حياةُ المرأةِ ورُسِمَت ملامحُها بها، وعدمُ اتخاذِ الكفاحِ ضدّها أساساً؛ يُعَدُّ العاملَ الأوليَّ وراء عدمِ التمكنِ من تطويرِ النضالِ بخُطىً سديدةٍ على دربِ الحريةِ والمساواة، ووراء العجزِ عن الانتهاءِ بذلك النضالِ إلى نصرٍ مؤزرٍ طيلةَ تاريخِ المدنيةِ عموماً والحداثةِ الرأسماليةِ خصوصاً. ألا يَقولون أن السَّمَكَ يَفسدُ من رأسِه! إذن، وعندما لا تَكُونُ الأرضيةُ قويمةً سليمة، فإنّ البناءَ الذي سيُشادُ عليها سينهارُ مع أيِّ ارتجاجٍ صغير. والواقعُ المُعاشُ تاريخياً وراهناً مليءٌ بعددٍ لا حصر له من الأمثلةِ الدالّةِ على ذلك.

بناءً عليه، ينبغي أنْ يَكُونَ التركيزُ على ظاهرةِ المرأةِ وإسنادُ أنشطةِ الحريةِ والمساواةِ إلى حقيقةِ المرأةِ لدى الشروعِ بتحليلِ القضايا الاجتماعيةِ أسلوباً بحثياً رئيسياً من جهة، وأرضيةً للجهودِ العلميةِ والأخلاقيةِ والجماليةِ المبدئيةِ من جهةٍ ثانية. ذلك أنّ أسلوبَ البحثِ الذي تَغيبُ فيه حقيقةُ المرأة، وكذلك كفاحَ الحريةِ والمساواةِ الذي لا يتَّخِذُ من المرأةِ مِحوراً له؛ لن يَقدرا على بلوغِ الحقيقة، ولا على نيلِ الحريةِ أو توطيدِ المساواة.

إنّ تعريفَ المرأةِ وتحديدَ دورِها في الحياةِ الاجتماعيةِ شرطٌ أساسٌ من أجلِ حياةٍ سديدة. لا نوضحُ هذا الحُكمَ من جهةِ الخصائصِ البيولوجيةِ للمرأةِ أو وضعِها الاجتماعيّ. فالمهمُّ هو مصطلحُ المرأةِ كوجود. إذ بقدرِ ما تُعَرَّفُ المرأةُ يَغدو تعريفُ الرجلِ أيضاً أمراً وارداً. ومحالٌ علينا صياغةُ تعريفٍ صحيحٍ للمرأةِ والحياةِ انطلاقاً من الرجل. ذلك أنّ الوجودَ الطبيعيَّ للمرأةِ يتحلى بمنزلةٍ مِحوريةٍ أكثر. الأمرُ كذلك بيولوجياً أيضاً. لذا، فلجوءُ المجتمعِ الذكوريِّ المهيمنِ إلى الحطِّ من شأنِ المرأةِ وتهميشِها إلى أقصى الحدود، ينبغي ألاّ يُعيقَ استيعابَنا لحقيقةِ المرأةِ وواقعِها. فطبيعةُ الحياةِ مرتبطةٌ أكثرَ بالمرأة. وإقصاءُ المرأةِ من الحياةِ الاجتماعيةِ إلى آخرِ درجة، لا يؤكدُ خطأَ هذه الحقيقة، بل يؤيدُ صوابَها. ففي حقيقةِ الأمر، يَهجمُ الرجلُ بتعسفٍ وجُورٍ وبقوتِه المُبيدةِ على الحياةِ متجسدةً في المرأة. وعداءُ الرجلِ للحياةِ وإفناؤُه إياها بوصفِه مهيمناً اجتماعياً، هو على علاقةٍ كثيبةٍ مع الواقعِ الاجتماعيِّ الذي عاشَه.

بوِسعِنا اتخاذ قرينةِ الطاقةِ–المادةِ أساساً لدى جعلنا هذا الحُكمَ عالمياً. فالطاقةُ أساسيةٌ أكثر نسبةً إلى المادة. والمادةُ بذاتِها طاقةٌ متحولةٌ إلى بنية. أي أنّ المادةَ هي شكلُ إخفاءِ الطاقةِ وإكسابِها وجوداً ملموساً. بالتالي، فهي بخاصيتِها هذه تَحبسُ الطاقةَ في قفص، وتُوقِفُ تدفقَها. لكلِّ شكلٍ ماديٍّ حصةٌ مختلفةٌ من الطاقة. وبالأصل، فهذا الاختلافُ في الطاقةِ هو الذي يُحَدِّدُ اختلافَ الأشكالِ والبنى المادية. والطاقةُ الموجودةُ في شكلِ المرأةِ ومادتِها تختلفُ عن تلك التي في مادةِ الرجل. ذلك أنّ الطاقةَ الموجودةَ في المرأةِ أكثر كَمّاً ومختلفةٌ نوعاً. وينبعُ هذا الاختلافُ من شكلِ المرأة. وعندما تتحولُ طاقةُ الرجلِ في الطبيعةِ الاجتماعيةِ إلى أجهزةِ السلطة، فإنها تَتَّخِذُ لنفسِها الأشكالَ الماديةَ الملموسة. والأشكالُ تعصبيةٌ في الكونِ برمتِه كونَها طاقةً متجمدة. لذا، فالتحولُ إلى رجلٍ مسيطرٍ في المجتمع، يعني التحولَ إلى تجسيدٍ عينيٍّ للسلطة.

وفي هذه الحالةِ تَكُونُ الطاقةُ قد اكتسبَت شكلاً عَينياً. قليلةٌ هي الطاقةُ غيرُ المتحولةِ إلى شكلٍ ملموس، حيث تُشاهَدُ في عددٍ نادرٍ من الأشخاص. أما لدى المرأة، فغالباً ما تُعاندُ الطاقةُ التحولَ إلى شكلٍ ملموس. إذ تُحافِظُ طاقتُها على حالتِها المتدفقة. وتستمرُّ في تدفقِها كطاقةِ حياة، في حالِ لَم تُحبَسْ في شكلِ الرجلِ وقفصِه. والجماليةُ والشاعريةُ لدى المرأة على صِلَةٍ وثيقةٍ مع حالةِ الطاقة غيرِ المُجَمَّدة، والتي تطغى عليها الطاقةُ الكامنةُ للمعنى. ولأجلِ فهمِ هذه الحقيقة، يتوجبُ إدراكُ الحياةِ الحيةِ بكلِّ أعماقِها.

يُمكنُ نسبياً –أو يجبُ– صياغة تعريفٍ للتطورِ الطبيعيِّ لحياةٍ تَصلُ حتى الإنسان. ينبغي أولاً السؤالُ عن غايةِ الحياة. لماذا نعيش؟ لماذا تُواصِلُ الحياةُ نفسَها وتُغذّيها وتصونُها؟ بديهيٌّ أنّ الردّ بضرورةِ المَأكلِ والمَأمَنِ والتكاثرِ لأجلِ الحياةِ ليس جواباً كافياً. إذن، السؤالُ الذي يتوجبُ طرحُه هو: لماذا نتكاثرُ ونتغذى ونحمي أنفسَنا؟ وعندما يَكُونُ الجوابُ: “كي نعيش”، فإننا نَسقطُ حينئذٍ في دوامةٍ مسدودة، مما لا يُفيدُ بإعطاءِ الجواب.

تَمُدُّنا ظاهرةُ الفَهمِ والمستوياتُ الذهنيةُ المتطورةُ والمتناميةُ كشكلٍ من أشكالِ الطاقةِ التي تَصِلُ مرتبةَ الإنسان ببعضِ رؤوسِ الخيطِ لأجلِ الجواب. فالتطورُ الطبيعيُّ للكون والذي يبلغُ منزلةَ الإنسان، يبسطُ للعَيانِ قوةَ معنى متناميةً ومزدهرةً دون انقطاع. وكأنّ الواقعَ الخفيَّ أو الكمونيَّ المستترَ في الكونِ يَرومُ إلى بلوغِ نتيجةٍ أَقرَبُ ما تَكُونُ إلى الانكشافِ والتجلي والفهمِ والإفهام. الحاجةُ إلى الفهمِ والإفهامِ مُحَفِّزُ أساسيٌّ على التطورِ الطبيعيّ.

بالتالي، فالسؤالُ الواجبُ طرحُه من الآن فصاعداً، ينبغي أنْ يتعلقَ بالفَهمِ والإفهامِ تحديداً. ما هو الشيءُ المُرادُ فهمُه وإفهامُه؟ إنّ الحُكمَ المذكورَ في الكتابِ المقدس، والذي نصُّه “يقول الله كنتُ سراً. وخلقتُ العالَم لكي تَعلَموني”، قد يَكُونُ جواباً لسؤالِنا. ولكنه غيرُ كافٍ. فالحاجةُ إلى التعريفِ بالذاتِ لا تكفي تماماً لتعريفِ المعنى. لكن، وكأنها تُفشي بسِرِّها في الحياة جزئياً.

لتعريفِ “الروح المطلقة” لدى هيغل أيضاً معنى مشابِه. فالكونُ لدى هيغل قد عادَ إلى نفسِه عن وعيٍ ومعرفةٍ من خلالِ الروحِ المطلقة. فالكونُ المُرادُ معرفتُه، يَقومُ هو بذلك عن طريقِ الروحِ المطلقة، أي بالوعيِ الفلسفيِّ الذي هو أكثر حالاتِ الوعيِ مهارةً وكفاءة، وذلك بعدَ مرورِه بالمراحلِ الفيزيائيةِ والبيولوجيةِ والاجتماعية؛ ليَشعرُ بالرضى عن قدرتِه على التعريفِ بذاتِه، فيُكمِلَ مسيرةَ مغامرتِه بتصيير نفسِه كوناً معروفاً. هذه الأحكامُ المتميزةُ بنسبةٍ مهمةٍ من الحقيقة، تُطابِقُ بين غايةِ الحياةِ والمعنى. يتضمنُ مصطلحُ “النظرية” في الفلسفةِ اليونانية معانٍ مثيلة. وكنتيجة، فـ”المعنى” تأليهٌ للإنسانِ المجتمعيّ. والتساؤُلاتُ المهمةُ هنا هي: أَيُمكِنُ لتأليهِ الإنسانِ المجتمعيِّ أو لقوةِ “المعنى” التي حازَ عليها أن تُمَثِّلَ أو تُعَبِّرَ عن كافةِ المعاني في الكون؟ هل يُمكنُ المطابقةُ بين المعنى الأقصى في المجتمعية (الروح المطلقة لدى هيغل) والمعنى الكونيِّ ذاتِه؟ أَليسَ المجتمعُ بذاتِ نفسِه كياناً ناقصاً؟ أَلن يَكُونَ معناه ناقصاً في هذه الحالة؟

لكننا لن نستطيعَ الردَّ تماماً على هذه الأسئلةِ ما دُمنا بَشَر. فنحن مَحدودون بالمجتمع. ولا يُمكنُنا التحولُ إلى موجوداتٍ فَوق مُجتمعية (عابرة للمجتمعات). لذا، بإمكاننا طرحُ الأسئلة، لا غير. ويَكمنُ حُسنُ طالعِنا في أنّ طرحَ السؤالِ يُشكّلُ نِصفَ الفَهم. بالتالي، بمقدورِه تزويدنا برؤوسِ الخيطِ بصددِ الفهم (المعنى المطلق). وهكذا، يمكننا حالياً الشعورُ بالطمأنينةِ والرضا، لإدراكِنا الضرورةَ القصوى للتحلي بالمعنى، ولانتباهِنا إلى دنوِّه كثيراً من فهمِ غايةِ الحياةِ الأساسيةِ والإمساكِ بها. بناءً عليه، بإمكانِنا الحكمُ على أنفسِنا بأننا ماهرون وقادرون على حلِّ قسمٍ كبيرٍ من القضايا الأوليةِ فيما يخصُّ الحياةَ المشحونةَ بالمعنى تحديداً، أو على إيجادِ الحلولِ المتعلقةِ بالحياةِ الاجتماعيةِ العادلةِ والجميلةِ والصحيحةِ المأمولة بأقلِّ تقدير.

إذا تَمَعَّنّا في حقيقةِ المرأةِ وفق هذا المنظورِ الفلسفيّ، فسنَصِلُ إلى نتيجةِ لزومِ عقدِ أواصرِ الحياةِ القَيِّمةِ مع المرأةِ بكلِّ محاسنِها وصوابِها وجمالِها. انطلاقاً من هذا الحُكم، يَغدو مستحيلاً أنْ يَتجسدَ المَرامُ الأصليُّ من الحياةِ مع المرأةِ في التوالُدِ والتكاثُر. أي، بالمستطاعِ القولُ أنّ الكائناتِ الحيةَ الأحاديةَ الخليةِ والأبسطَ نوعاً بين المخلوقاتِ تُدركُ عمليةَ التوالد. وربما شُفِّرَت حياتُها تأسيساً على هذا الهدفِ الوحيد. لكنّ التطورَ التدريجيَّ الحاصلَ يدلُّ على أنّ انشطارَ الخليةِ الوحيدةِ إلى نصفَين يكادان يَكُونان متساويَين ليس بنهايةِ الحياة، وأنّ عمليةَ انشطارِ الكائنِ الأحاديِّ الخليةِ مليارات المراتِ لا يَؤولُ إلى نهايةِ الحياة، بل إلى التنوعِ والتبايُنِ السريعَين؛ مُشيراً بذلك إلى أنّ الجوابَ التاليَ القَيِّمَ ليس تكاثُراً بقدرِ ما هو تغيُّرٌ وتَحَوُّل. بمعنى آخر، فالتكاثرُ أداةٌ لازمةٌ لأجلِ الحياة. لكنها غيرُ كافيةٍ بتاتاً لأجلِ فهمها. أي أنّ التكاثرَ أداتيّ، وليس هدفاً أو ذا معنى. بالأحرى، فالحياةُ التي ينحصرُ معناها في التكاثرِ فقط، هي حياةٌ ناقصةٌ ومعلولةٌ للغاية.