الاندماج الديمقراطي.. نحو شراكة وطنية تصنع سوريا الجديدة – حنان عثمان

الاندماج الديمقراطي.. نحو شراكة وطنية تصنع سوريا الجديدة

 

 

 

 

 

 

 

 

بقلم: حنان عثمان

 

“يقف السوريون أمام فرصةٍ تاريخيةٍ لإعادة صياغة علاقتهم بالدولة وببعضهم البعض على أسس جديدة، فالاندماج الديمقراطي إذا ما استند إلى الحوار والعدالة والشراكة، يمكن أن يشكّل نموذجًا جديدًا لسوريا المستقبل”

 

منذ انطلاق الحوارات بين الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا والحكومة المؤقتة، ظهر مفهوم “الاندماج الديمقراطي” إلى واجهة النقاشات السياسية بوصفه أحد أهم المسارات المطروحة لمعالجة واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في سوريا المعاصرة. فبعد عقودٍ من سياسات الإقصاء والإنكار التي تعرض لها الشعب الكردي، وبعد سنواتٍ من الحرب التي أعادت رسم المشهد السوري بأكمله، أصبح البحث عن صيغةٍ جديدةٍ للعلاقة بين الحكومة السورية المؤقتة ومكوناتها القومية والثقافية والسياسية ضرورةً وطنية لا يمكن تأجيلها.

غير أنّ الاندماج الديمقراطي لا ينبغي النظر إليه كعمليةٍ إدارية أو تقنية تهدف إلى دمج المؤسسات أو إعادة توزيع الصلاحيات فقط، بل باعتباره مشروعًا سياسيًا وأخلاقيًا يقوم على الاعتراف المتبادل بين الأطراف المختلفة، وعلى بناء شراكة حقيقية تضمن الحقوق وتحافظ على وحدة البلاد في آنٍ واحد.

لقد أثبتت تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية خلال السنوات الماضية أنّ المجتمعات المحلية قادرة على تطوير نماذج للحكم والإدارة والمشاركة السياسية المبنية على التعددية والتنوع والتعايش المشترك. كما أثبتت الإدارة الذاتية أنّ الاستقرار لا يتحقق عبر المركزية الصارمة أو احتكار السلطة، وإنّما من خلال إشراك جميع المكونات في إدارة شؤونها والمساهمة في صناعة القرار الوطني.

من هذا المنطلق؛ فإنّ أي حديثٍ عن الاندماج الديمقراطي يجب أن ينطلق من حقيقة أساسية مفادها أنّ القضية الكردية في سوريا ليست قضية أمنية أو عسكرية، بل قضية سياسية ووطنية تتعلق بالاعتراف بالوجود والهوية والحقوق. لذلك فإنّ نجاح أي عملية اندماج مرهون بقدرة الأطراف على التعامل مع هذه القضية بوصفها ملفًا سياسيًا يحتاج إلى الحوار والتفاهم والضمانات الدستورية.

في هذا السياق؛ تبرز أهمية مسارات الحل والتفاوض باعتبارها الركيزة الأولى لأي اندماج ناجح. فالتفاوض ليس مجرد وسيلة لتجاوز الخلافات الآنية، بل هو عملية بناء ثقة طويلة الأمد بين الأطراف المختلفة. من خلال الحوار يمكن معالجة الهواجس المتبادلة، تحديد نقاط الالتقاء، والوصول إلى تفاهمات تضمن مصالح الجميع.

إنّ الكرد الذين دفعوا أثمانًا باهظة في مواجهة الإرهاب والدفاع عن مناطقهم، يتطلعون إلى اعترافٍ دستوري وسياسي بدورهم ومكانتهم في سوريا المستقبل. في المقابل تسعى الحكومة السورية المؤقتة إلى الحفاظ على وحدة البلاد ومؤسساتها. وبين هذين الهدفين لا يوجد تناقض جوهري إذا ما توفرت الإرادة السياسية والرؤية الديمقراطية القادرة على تحويل التنوع إلى مصدر قوة بدلًا من اعتباره تهديدًا.

إنّ الاندماج الديمقراطي الحقيقي لا يقوم على منطق الغالب والمغلوب، ولا على فرض الإرادات من طرف واحد، بل على الشراكة والتوافق. لذلك فإنّ مسار التفاوض ينبغي أن يكون قائمًا على مبدأ الحوار المتكافئ والاعتراف المتبادل، بعيدًا عن لغة الإملاءات أو العودة إلى الذهنية المركزية التي ساهمت تاريخيًا في إنتاج الأزمات.

إلى جانب التفاوض، يكتسب التسييس أهمية استثنائية في هذه المرحلة. المقصود بالتسييس هنا نقل القضايا الخلافية من ساحات الصراع إلى ساحات السياسة والمؤسسات الديمقراطية. فحين تتحول المطالب الكردية إلى جزء من النقاش الوطني السوري، وحين يتم التعامل معها باعتبارها حقوقًا مشروعة وليست تهديدًا لوحدة الدولة، يصبح من الممكن إيجاد حلول مستدامة لها.

لقد أظهرت التجارب العالمية أنّ القضايا القومية لا تُحل بالقوة، بل بالحوار والاعتراف والضمانات القانونية. كما أنّ المجتمعات المتنوعة لا تستقر عبر الإنكار أو الإقصاء، وإنّما عبر بناء أنظمة سياسية تستوعب جميع مكوناتها. لذلك فإنّ تسييس الملف الكردي وإخراجه من دائرة المقاربات الأمنية يمثل خطوةً أساسية نحو تحقيق اندماجٍ ديمقراطي حقيقي.

من جهةٍ أخرى، لا يمكن تجاهل أهمية العامل الدولي في هذه العملية. فالقضية السورية أصبحت منذ سنوات قضية ذات أبعاد إقليمية ودولية، الأمر الذي يجعل من الصعب فصل مسارات الحل الداخلية عن البيئة الدولية المحيطة بها. لهذا؛ فإنّ المجتمع الدولي يمكن أن يلعب دورًا إيجابيًا في دعم الحوار وتسهيل التفاهمات بين الأطراف المختلفة.

لا يقتصر هذا الدور على تقديم الدعم السياسي فقط، بل يشمل أيضًا توفير الضمانات اللازمة لتنفيذ الاتفاقات ومنع انهيارها عند أول اختبار. العديد من الاتفاقات السياسية في العالم نجحت بفضل وجود أطراف دولية أو أممية ساهمت في مراقبة التنفيذ وتعزيز الثقة بين المتفاوضين.

في حالة الاندماج بين الإدارة الذاتية ودمشق، يمكن للدور الدولي أن يتحوّل إلى عامل استقرار إذا ما تم توظيفه لخدمة الحوار والحقوق الديمقراطية، لا لخدمة المصالح الضيقة أو الحسابات الجيوسياسية. فالمطلوب ليس فرض حلول جاهزة من الخارج، وإنّما دعم السوريين في التوصّل إلى تفاهمات وطنية عادلة ومستدامة.

إنّ أهمية هذه المسارات مجتمعة تكمن في قدرتها على أداء وظيفة الوسيط بين الطرفين المندمجين. فالوساطة ليست مجرد تدخل خارجي أو دور تقني، بل هي عملية تساعد على بناء الجسور بين الرؤى المختلفة، وتخلق مساحاتٍ للحوار والتفاهم، وتمنع عودة التوترات والصراعات.

دمشق تحتاج إلى ضمان وحدة البلاد واستقرار مؤسساتها، بينما يحتاج الكرد إلى ضمان حقوقهم السياسية والثقافية والدستورية. من دون وجود آليات قادرة على تحقيق التوازن بين هذين المطلبين، ستبقى عملية الاندماج معرضة للتعثر. أمّا إذا نجحت مسارات الحوار والتفاوض والدعم الدولي في خلق هذا التوازن، فإنّها ستتحول إلى ضمانة حقيقية لنجاح المشروع بأكمله.

إنّ مستقبل سوريا الديمقراطية يتوقف إلى حدٍّ كبير على قدرتها على إدارة تنوعها القومي والثقافي بطريقة عادلة. الكرد بوصفهم أحد الشعوب الأصيلة في هذه البلاد، ليسوا طرفًا طارئًا في المعادلة السورية، بل شريكًا أساسيًا في بناء مستقبلها. لذلك فإنّ أي مشروع وطني لا يعترف بهذه الحقيقة سيبقى مشروعًا ناقصًا وعرضة للأزمات.

اليوم؛ يقف السوريون أمام فرصةٍ تاريخية لإعادة صياغة علاقتهم بالدولة وببعضهم البعض على أسس جديدة. الاندماج الديمقراطي إذا ما استند إلى الحوار والاعتراف والعدالة والشراكة، يمكن أن يشكل نموذجًا جديدًا لسوريا المستقبل، سوريا التي لا تُدار بالعقلية المركزية والإقصائية، بل بروح التعددية والديمقراطية وأخوة الشعوب.

كما أنّ نجاح مشروع الاندماج الديمقراطي لا ينعكس على العلاقة بين الكرد ودمشق فحسب، بل يمتد تأثيره إلى مجمل المشهد السوري. إنّ بناء دولة ديمقراطية حديثة يتطلب الانتقال من مفهوم الهيمنة إلى مفهوم الشراكة، ومن منطق الإقصاء إلى منطق المشاركة الفعلية. عندما تتحول قيم العدالة والمساواة والتنوع إلى جزء من البنية السياسية والدستورية للدولة، يصبح الاندماج الديمقراطي خطوة استراتيجية نحو ترسيخ السلم الأهلي وتعزيز الاستقرار والتنمية في سوريا بأكملها.