الإعلام في سوريا بين الانقسام والاندماج.. مسؤولية الكلمة – زينه عبدي

الإعلام في سوريا بين الانقسام والاندماج.. مسؤولية الكلمة

 

 

 

 

 

 

 

بقلم: زينه عبدي

 

“لضمان دورٍ محوري وفعلي للإعلام في تعزيز الاندماج ومكافحة سرديّات الكراهية والانقسام ينبغي تجاوز مرحلة التوصيف، والرصد إلى التنفيذ العملي عبر إلزام الوسائل الإعلاميّة والأفراد بمدونات السلوك الخاصّة بالعمل الإعلامي وتطويرها، والعمل على وضع آليات محاسبة في حال ثبت التجاوز على المعايير  المهنيّة والأخلاقيّة”

 

في المجتمعات الخارجة من الصراعات والنزاعات كما الحال في سوريا، والدفع نحو عملية البناء والاستقرار، يبرز دور الإعلام ليس فقط كناقلٍ للخبر، بل يُعتبر هو الوسيلة الأكثر تأثيرًا في بلورة الرأي العام ووعيه الجمعي لإنشاء وصياغة ثقافته العامّة. مثلما يكون للكلمة القدرة على خلق الفجوة ونشر خطاب الكراهية، فهي بذات الوقت مؤهّلة لتعزيز التفاهم المشترك والتقارب المجتمعي وترسيخ ثقافة الحوار وتعميقها.

في المشهد السوري الآني، لا سيّما وأنّه يتّسم بحالة من التعددية الثقافية والقومية والدينية، هناك ضرورة مرحلية لإعلام ينتهج خطابًا توافقيًا قائمًا على المواطنة المتساوية والتنوع بعيدًا عن خطاب الكراهية، خصوصًا في محافظة الحسكة ذات الثراء المجتمعي، والتي تُعدُّ مثالًا حقيقيًا عن التعددية السورية، الأمر الذي من شأنه وضع الإعلام في موقع الشريك الفاعل في تكريس عملية الاندماج بين المجتمعات السورية، وتعزيز مسار السلم الأهلي وخلق إطارٍ وطني جامع ومشترك للسوريين والسوريات.

التحديات الراهنة

 

يواجه الإعلام السوري تحديات جمّة يضعف فاعليته وقيامه بدوره الحقيقي في تكريس قيم التماسك والمواطنة داخل المجتمع، رغم امتلاكه الأهلية في ممارسة الدور المنوط به. حيث مشهد الاستقطابات السياسية والاجتماعية الأيديولوجية بعد سنوات الصراع والنزاع الطويلة في سوريا، وانتشار الأخبار المضللة على وسائل التواصل الاجتماعي، ما انعكس سلبًا على خطاب بعض الوسائل الإعلامية وتبنيها لروايات تمييزية وأحادية الجانب، عوضًا عن خطابٍ شامل يعترف بالتنوع والاختلاف.

في ذات السياق، باتت بعض المؤسسات الإعلامية (مستقلة أو غير مستقلة) تمارس عملها الإعلامي بمنأى عن أي التزام بالمعايير المهنية والأخلاقية، ناهيك بالتغييب شبه التام للتمكين والتدريبات اللازمة في مجال الإعلام الحساس للسياق والمراعي لتأثير الخطاب على النزاع القائم، بالإضافة إلى غياب المواثيق الواضحة لمواجهة خطاب الكراهية ضمن الأطر القانونية والدستورية.

يُعتبَر ضعف التمثيل الحقيقي وفقًا للتنوع القومي والثقافي وحتى الديني داخل المؤسسات الإعلامية أحد أبرز التحديات التي تواجه الإعلام، ما يكرّس ثقافة الإقصاء والتهميش لبعض الشرائح المجتمعية في البيئة الإعلامية التي تؤدي بدورها إلى فتور الإحساس بالانتماء وانكماش الاندماج الاجتماعي.

تتضاعف هذه التحديات في محافظة الحسكة على وجه الخصوص بوصفها النموذج الحقيقي للتنوع، وأي خطاب إعلامي غير مهني ويفتقر للمعايير الأخلاقية سيفضي إلى انعكاسات سلبية، مخلفةً أضرارًا بالعلاقات المجتمعية، وآثارًا غير إيجابية خلافًا للخطاب المتوازن الذي يدعو إلى التواصل الهادئ بين الأطراف السورية، ويحث على تقبل الاختلاف واحترام الهويات الأخرى والاعتراف بها.

الإعلام وخطاب الكراهية

 

في الحالة السورية الآن، حيث التقاطعات المتنوعة، نلاحظ وبصورة مباشرة ازدياد نسبة خطاب الكراهية إلى أعلى مستوياتها تاركةً آثارًا سلبية ليس فقط على وسائل التواصل الاجتماعي أو المنصات الإعلامية، بل على أطر السلم الأهلي المجتمعي والتأثير في المنظومة الاجتماعية شديدة الحساسية.

لم تعد مخاطر خطاب الكراهية في السياق السوري محصورة ضمن نطاق المحتوى غير المسؤول الصريح والحي، بل صارت تبرز بأنماطٍ متعددة وبصورٍ غير مباشرة عبر استخدام خطابٍ يحمل بين طيّاته تأويلات وإشارات ذات طابع سلبي تجاه شريحة محددة، والتحدث بلغة القولبة والاستغراق العام رفقة التعامل الانتقائي مع الأخبار والمعلومات. في هذا الموضع، تبدأ الصورة الحقيقية لمخاطر الخطاب الإعلامي حيث توسيع الفجوة وتثبيت التشرذم المجتمعي.

في الجانب الآخر، لدى الإعلام الاستطاعة الكاملة لاعتماد لغة متوازنة ومحايدة بشكلٍ دقيق وفقًا لما تتطلبه أخلاقيات ومعايير الإعلام، ما يجسد واقعًا خاليًا من الصورة النمطيّة، والتأكّد من صحة المعلومات قبل الإعلان والنشر، لا سيّما على وسائل التواصل الاجتماعي ذات الانتشار الشاسع والتفاعل السريع التي تدعم انتشار المواد الإعلامية على نحوٍ عاجلٍ دون تمحيصٍ أو مراجعة.

يستطيع الإعلام لعب دوره الجوهري والمؤثر من خلال مسؤوليته الأخلاقية والمهنية في طرح سرديات وخطابات تجعل من الإعلام شريكًا فاعلًا في تعزيز السلامة المجتمعية وتحصينها، حيث بإمكانه نشر محتوى إيجابي يعكس حالة السلم على الأرض بين كافة المكونات كما هو، والتركيز على المعالجة الفعلية والتقاطعات الجوهرية بدلًا من إلقاء الضوء على التجاذبات التي تعمق الشرخ وتوسعه.

نحو إعلام مسؤول

 

لضمان دور محوري وفعلي للإعلام في تعزيز الاندماج ومكافحة سرديات الكراهية والانقسام وتكريس ثقافة التنوع وتقبل الاختلاف، ينبغي تجاوز مرحلة التوصيف والرصد إلى التنفيذ العملي عبر إلزام الوسائل الإعلامية والأفراد بمدونات السلوك الخاصّة بالعمل الإعلامي وتطويرها لإبعاد ثقافة التحريض، والعمل على وضع آليات محاسبة ومساءلة فعّالة في حال ثبت التجاوز على المعايير المهنية والأخلاقية.

لا بدَّ للإعلام المسؤول إنتاج خطاب يعكس التنوع القومي والثقافي والديني بشكل متوازن، وإظهار روايات حقيقية عن التماسك المجتمعي وحالات السلم الأهلي التي تتمتع بها أغلب المناطق السورية. تعزيز الوعي بالتحقق من الأخبار والمعلومات قبل النشر ومكافحة كل ما هو مضلل ومزيف عبر تطوير ورفع كفاءة منظومات التحقق داخل المؤسسات الإعلامية، لا سيّما في ظلِّ تكنولوجيا هائلة السرعة وبالأخص منصات التواصل الاجتماعي.

في المقابل، يتوجب الاستثمار في قطاع التدريبات التي تمكّن الصحفيين والصحفيات والعاملين في الإعلام من خلال تنمية مهارات صحافة السلام والصحافة الواعية بالنزاعات، لضمان تعاملهم في المستقبل مع الواقع المجتمعي القابل للانهيار والتفكك في أية لحظة، وذلك بأسلوب مهني وغير منحاز يراعي الدقة والموضوعية في تناول وطرح السرديات بشكل حقيقي.

إلى جانب ذلك، ضرورة تقديم الدعم الأكثر إلحاحًا للإعلام المستقل المتواجد في المناطق التي تشهد تنوعًا كبيرًا، في محاولة حثيثة لنقل الحدث والوقائع كما هي، ما يبني جسور الثقة ويمتن أواصر المحبة والسلم الأهلي والتماسك المجتمعي، كما أنّه من الممكن توقيع مذكرات تشبيك وتفاهم بين الوسائل الإعلامية ومنظمات المجتمع المدني، لتقديم خطاب رصين ومنصف لترسيخ الاستقرار المجتمعي والمواطنة الفاعلة والاحترام المتبادل.

كما أنّ دور الإعلام لم يعد يقتصر على نقل الحدث والواقعة فقط في ظلِّ المرحلة الانتقالية التي تمرُّ بها سوريا، بل امتدَّ ليشمل الإسهام في إعادة هيكلة الثقة بين السوريين والسوريات دون استثناء، وذلك عبر مساحات حرّة للنقاش والحوار وإظهار التقاطعات فيما بينهم.

لكي يشعر الجميع بالانتماء وروح الشراكة والمواطنة الحقيقية، ينبغي العمل على تقديم حيّزٍ مناسبٍ للسرديات والمقاربات المختلفة التي تتمتع بها الجغرافيا السورية، مع التمثيل العادل للمكونات بغض النظر عن انتماءاتها الثقافية والدينية والقومية، ناهيك بالسّرد المستمر لقصص التماسك والسلم الأهلي بين شرائح المجتمع المتنوعة وإضاءتها لترسيخ مشهد إيجابي يحد من حالات التشرذم والتفكك المجتمعي المنتشر كالنار في الهشيم حاليًا. اليوم؛ يُعتبر الإعلام المسؤول بشكل حقيقي – لا سيّما وأنّ سوريا خارجة من حالة نزاع استمرّ لمدة أربعة عشر عامًا – وسيلةً فاعلة لترسيخ مفهوم المواطنة والشراكة الفعلية لتكريس الاستقرار بصورة مستدامة. يعني أنّ بناء سوريا متماسكة يبدأ بإعلام مسؤول.

أخيرًا، يظلُّ الإعلام السوري يواجه مسؤوليته المباشرة في إرساء الاستقرار وتوطيد الروابط المجتمعية في ظل مشهد المد والجزر المتفاقم. حيث الرهان الحقيقي على تحمّله لمسؤوليته بشكلٍ كامل في نقل الواقع وتعزيز قوة المجتمع عبر التعدد والاختلاف الكامن فيه رغم ما يحيط به من عقبات متمثلة بسرديات الكراهية والاستقطاب، في سعي نحو الاندماج وحفظ السلم الذي يعُتَبر مسؤولية جماعية.