المرأة بين ويلات الحرب ونضال البقاء وبناء المستقبل – جواهر عثمان
المرأة بين ويلات الحرب ونضال البقاء وبناء المستقبل
بقلم: جواهر عثمان
“إنّ نضال المرأة ليس قضيةً خاصّة بالنساء فقط، بل قضية مجتمعٍ بأكمله،
وقضية أجيالٍ قادمةٍ يجب أن تحصل على فرصةٍ للعيش بكرامةٍ وأمان، فالمرأة التي تصمدُ في وجه الحرب،
وتشاركُ في بناء المجتمع، هي قوةٌ حقيقيةٌ لا يُمكن تجاهلها أو إقصاؤها“
إنّنا نواكب حاليًا عصر الحروب والأزمات السياسية والاقتصادية، والبشرية متهالكة منذ بداية القرن الواحد والعشرين، ولا ملامح ظاهرة للمصالحات بين الحكومات المتصارعة للهيمنة على الجغرافية والموارد الحيوية والاقتصادية والسيطرة على الطاقة وصنع الطاقة البديلة، التي تعتبر أيضًا نزاعًا من نوع آخر في الساحة الاقتصادية.
إنّ ما تمرُّ به البشرية من حروبٍ ونزاعاتٍ تخلق الكثير من الكوارث، من هدرٍ للدماء وتهجيرٍ قسري وفقرٍ وتشرّدٍ وعدم وجود الأمن والأمان، وصولًا إلى الأوضاع الاقتصادية المتدنية والازدياد في حالات السرقة والقتل والخطف. ولأنّ الحروب أو النزاعات تبدأ أو تتشكل بسبب النعرات الطائفية أو المذهبية أو القومية أو النزاع على الجغرافية والموارد الطبيعية والبشرية، فإنّنا نرى أنّ أنواعًا من الميليشيا المسلّحة تتشكل بشكلٍ مفاجئ، حيث تدعمها الأطراف المتنازعة لتبدأ حالة الأزمات الاقتصادية، وتبدأ تلك المجتمعات بالاختناق في تلك النزاعات لتدفع الثمن.
تتدهور الأوضاع المعيشية وتخلق بشكلٍ ملحوظ الأمراض النفسية والأمراض والأوبئة، وفي بعض الأحيان تصنع بعض الأوبئة في مصانع الموت لتؤدي إلى إبادةٍ بطيئةٍ بحق الشعوب والقوميات المستهدفة. هذا ما نتحدّث عنه، وأسباب الأزمات وتأثيرها يأتي في ما بعد، حيث يزداد الفقر ويتدنى مستوى المعيشة، مما يؤدي إلى زيادة في الجرائم والجنايات بين الشعب، ناهيك عن جرائم الحرب والإبادات التي يمارسها أطراف النزاعات المسلحة.
إن دخلنا إلى عمق الأزمة وما تُخلّفه من تأثيراتٍ سلبية في المجتمع، وخاصةً على الأطفال والنساء، فإنّنا نجد الكثير من التأثيرات التي تجلب سلوكياتٍ شرسة داخل الأسرة والمجتمع بشكلٍ عام، لأنّها حالة أمرٍ واقع وتستمر هذه الحالات، حيث تؤثّر على نفسية الطفل عند مرحلة الإنشاء أو التكوين. فيحمل الطفل تلك المؤثّرات لتتكون معه ردات فعلٍ لا تلائم العمر أو النفسية، لأنّهم لا يمارسون حياتهم الطبيعية ولا يمتلكون الحوافز التي تزيد من تمكّنهم التعليمي والمعيشي.
هذه العوامل التي يمر من خلالها الطفل في حالة الأزمات تجعل منه شخصًا غير طبيعي، حيث يفتقد للكثير من المؤهلات التي تجعله يمارس حياةً طبيعية وصحية، ويتلقّى تعليمًا جيدًا ويصل إلى بر الأمان، سواء من الناحية النفسية أو الجسدية أو التعليمية. فالطفل الذي ينشأ في بيئة الحرب لا يخسر فقط سنواتٍ من التعليم، وإنّما يخسر أيضًا الشعور بالأمان والثقة بالمستقبل، وقد يحمل آثار الخوف والعنف والفقدان معه لسنواتٍ طويلة.
شاهدنا في العقدين الأخيرين في المنطقة، وخاصةً في سورية، بأنّ حالة الحرب خلّفت الآلاف من العاهات الجسدية والنفسية والقتل والدمار والتشريد والهجرة والأميّة المنتشرة بين الأطفال والكبار. الفقر المدقع قد جلب معه الجوع والخذلان لأطفال سورية. المئات منهم قتلوا في الحروب، واستخدموا في آلة الحرب والتجنيد، والمئات ماتوا في مراحل الهجرة وغرقوا في البحار، والمئات منهم تيتموا وشُردوا، وازدادت عمالة الأطفال. الكثير منهم تعرضوا للاستغلال من قبل تجار الحروب ومستغلي النزاعات، وأيضًا تجار المخدرات، حيث يستهدف فيها الأطفال والنساء للتعاطي وللتجارة.
هذا كلّه أدى إلى انتشار الكثير من الأمراض النفسية والجسدية التي تنهش في المجتمع، وأصبح الطفل والمرأة في مقدمة الفئات التي تدفع ثمن هذه الأزمات. غياب التعليم والرعاية الصحية والاستقرار الأسري، إلى جانب الفقر والتهجير والخوف المستمر، كلّها عوامل تؤثر على مستقبل الأجيال القادمة، وتضع المجتمعات أمام تحدياتٍ كبيرة تحتاج إلى سنواتٍ طويلة لمعالجتها.
يمكننا القول إنّ من دفع الضريبة الكبرى هنَّ النساء اللواتي كنَّ في قلب النزاع، حيث تمكنت الحروب من نسف أرواحهن. فقد كانت المرأة هي المستهدفة الرئيسية في النزاعات منذ الحروب الأولى للبشرية.
المرأة كانت الحامية الأولى للبشرية والمساهمة الأساسية لديمومة الإنسان، وحملت مسؤولية حماية الأسرة والمجتمعات البشرية منذ بدء الخليقة، وكانت أول من علّمت الإنسان النطق وتأمين البشر من الخطر. لكن مع الأسف أصبحت الآن هي من تدفع الثمن والضريبة الكبرى، لتتشرد مع عائلتها تحت ظلم هذه السياسات المذلّة للإنسانية.
نحن أمام مشهدٍ مخزٍ، حيث تفكك المجتمع وزيادة نسبة الفقر وعدم وجود الأمان واقتصاد متدنٍ وحرب تجارية وعسكرية تستهدف المجتمعات المسالمة، وتنال فيها المرأة الجزء الأكبر من المآسي والويلات، لأنّها تفقد الكثير وتخسر حقوقها التي هي مسلوبة بالأساس بفعل العادات والتقاليد التي ترسخت في المجتمع، نتاج الذهنية الذكورية والشعائر الدينية التي تُحرّم على النساء ما تُشرّعه للرجال، والنظرة العنصرية التي ينظر بها للمرأة.
هذه الأمور والكثير من المؤثرات الأخرى أودت بالمرأة إلى كوارث أخلاقية بحقها وبحق أطفالها وما يتعلق بها من محيطها المكتئب. إنّ استمرار هذه الذهنية داخل المجتمع لا يؤدي فقط إلى ظلم المرأة، بل ينعكس على الأسرة بأكملها، وعلى الطفل الذي يتعلّم منذ سنواته الأولى أنّ العنف والتمييز والسيطرة أمورٌ طبيعية. لذلك فإنّ الدفاع عن حقوق المرأة هو في الوقت نفسه دفاعٌ عن الطفل والأسرة والمجتمع، وعن حق الأجيال القادمة في أن تعيش حياة أكثر أمنًا وعدلًا واستقرارًا.
إن عدنا إلى العقد الأخير على مستوى روج آفا وكردستان وسورية، وداخل هذه النزاعات الموجودة، فسنرى الآلاف من المشاهد المؤلمة التي عاشتها النساء، حيث كانت في قلب كلِّ حدثٍ يجري. استشهدت في ساحات الحرب وكانت تناضل لأجل وجودها وكينونتها لتحصل على حقوقها المسلوبة، وأيضًا لتحافظ على ما تملكه من إنسانية وما يعنيها من حقوق. كانت في صدارة من تصدى للمرتزقات الإرهابية كـ داعش وغيرها، وأيضًا كانت ولازالت تناضل لأجل مجتمعها وأولادها، وكانت أمام تحديات كبيرة لتحصل على القليل مما ذكرناه. هذا وكان لها دورٌ كبير في بناء المؤسسات والأماكن التي تدرب وتعتني بالنساء والأطفال، ولكن ليس بالمستوى المطلوب، لأنّ حالة الحرب والتدنّي المالي لم يساعداها على تحقيق إنجازاتٍ بالمستوى المطلوب.
أيضًا الوضع الصحي الذي افتقد إلى تخصيص ميزانية تُعنى بالمرأة والطفل، مما زاد من حالات الأمراض المزمنة والعلاجات المستدامة، حيث كثرت الأمراض مثل سكري الأطفال واختلال توازن الغدد الصم وأيضًا حالات التوحد. أثرت الكثير من العوامل السلبية على صحة الطفل النفسية والجسدية والعقلية، كما أنّ فقدان مراكز التوعية الصحية والجسدية والعقلية أيضًا كان إحدى التحديات التي واجهت المرأة والطفل. هذه الأسباب والكثير من التحديات الأخرى كانت المرأة تحاول أن تتخطاها من خلال تأسيس منظمات مصغرة ومؤسسات تنظم وتهتم بها وبطفلها خلال الحرب والظروف الاقتصادية الراهنة، وحتى السياسات الرأسمالية أثّرت على سيرورة نضالها.
رغم ذلك، بقيت المرأة تحاول أن تكون حاضرةً في المجتمع، وأن تؤدي دورها في التعليم والرعاية والتنظيم والعمل الإنساني والاجتماعي، لأنّها ترى أنّ بناء المجتمع لا يمكن أن يتمَّ من دون مشاركتها الكاملة. بعد استلام الحكومة المؤقتة للحكم في سورية، همش دور المرأة أكثر بكثير ولم يعطها أي دور محوري لإدارة المؤسسات، ولم تعترف هذه الحكومة بدور المرأة الريادي في المجتمع، بل سعت إلى قوقعتها داخل المنزل وتحجيم دورها في المجتمع وعدم اعتبارها عنصرًا أساسيًا في بناء الوطن والمجتمع.
نحن نعتبر هذه سياسة إجحاف بحق المرأة وبحق الطفل وبحق المجتمع بشكلٍ عام، لأنّ تحجيم دور المرأة يؤثر سلبًا على تقدم الأجيال وتطور الوطن وبناء مستقبل مزدهر للأجيال، وسيؤثر أيضًا على ذهنية الطفل ليرسخ فيه ذهنية الرجل المستبد والسلطوي، وهذا سيخلق فجوةً كبيرةً بين الجنسين ويزيد من التناقضات بين المجتمع وزيادة المشاكل والقضايا الأسرية.
علينا كنساء ومن خلال منظماتنا الموجودة، ورغم التحديات التي تواجهنا، رفع مستوى العمل والنضال لأجل إحقاق حقوقنا وحقوق مجتمعنا، لأننا أمام مواجهة تاريخية لهذه الذهنية الذكورية التي تريد إعادة المرأة والمجتمع إلى الوراء، وتريد كسر إرادتها. نحن وصلنا إلى مراحل كبيرة من النضال والتعريف بحقوق النساء، ولن نستسلم لهذه الممارسات التعسفية بحق المرأة والمجتمع. سنقوي من مستوى حقوقنا ومطالبنا لأجل الوصول بالمرأة وأطفالها وأجيالها القادمة إلى بر الأمان، وسنساهم في تغيير نظرة المجتمع للمرأة حيث يراها ضعيفة وغير قادرة، وسنرسم مستقبل أطفالنا نحو الأفضل، لأنّهم يستحقون الأفضل لبناء حياتهم ومستقبلهم، ولأنّهم أمل الوطن.
إنّ مسؤوليتنا اليوم لا تقتصر على مواجهة آثار الحرب فقط، وإنّما تتجاوز ذلك إلى بناء وعي جديد داخل المجتمع، ووعي يرفض العنف والتمييز والإقصاء، ويؤمن بأنّ المرأة والرجل شريكان في بناء الحياة، وأنّ الطفل يجب أن يكون بعيدًا عن آلة الحرب والصراعات. كما أنّ دعم النساء والأطفال في مناطق النزاع يجب أن يكون أولوية حقيقية، من خلال التعليم والصحة والدعم النفسي والحماية الاجتماعية، لأنّ إعادة بناء المجتمع تبدأ من الإنسان، ومن حماية الإنسان تبدأ حماية المستقبل.
لهذا؛ فإنّ نضال المرأة ليس قضية خاصة بالنساء فقط، بل قضية مجتمع بأكمله، وقضية أجيال قادمة يجب أن تحصل على فرصةٍ للعيش بكرامة وأمان. فالمرأة التي تصمد في وجه الحرب والفقر والتهجير، وتواصل تربية أطفالها وتحافظ على أسرتها وتشارك في بناء المؤسسات والمجتمع، هي قوة حقيقية لا يمكن تجاهلها أو إقصاؤها. من هنا يجب أن يكون صوت المرأة حاضرًا في كل مراحل بناء السلام، وفي إدارة المؤسسات، وفي صياغة القرارات التي تتعلق بمستقبل المجتمع والوطن.
إننا نريد مستقبلًا لا يكون فيه الطفل ضحية للحرب، ولا تكون فيه المرأة ضحية للعنف والتمييز، ولا يكون فيه الفقر سببًا لحرمان الإنسان من حقوقه الأساسية. نريد مجتمعًا يستطيع فيه الأطفال أن يتعلموا ويعيشوا طفولتهم بصورة طبيعية، وتستطيع فيه المرأة أن تشارك في الحياة العامة والسياسية والاقتصادية والاجتماعية دون خوف أو تهميش.
إنّ بناء هذا المستقبل يحتاج إلى إرادةٍ حقيقية، وإلى استمرار العمل والتنظيم والنضال، وإلى تعاون النساء والمنظمات والمجتمع وكل القوى التي تؤمن بالعدالة والمساواة. ولن يكون الطريق سهلًا، لكن ما مرّت به النساء خلال سنوات الحرب والأزمات أثبت أنّ لديهن القدرة على الصمود والاستمرار وتحويل الألم إلى قوة والعمل من أجل مستقبلٍ أفضل.
لذلك سنستمر في نضالنا من أجل المرأة والطفل والمجتمع، وسنواجه كل السياسات التي تحاول إعادة المرأة للخلف، وسنعمل على حماية حقوقها وكرامتها وحريتها، لأنّ حماية المرأة هي حماية للأسرة، وحماية الطفل هي حماية للمستقبل، وبناء مجتمع عادل ومتوازن هو الطريق الحقيقي للخروج من آثار الحروب والأزمات والوصول إلى بر الأمان.
