حين تصبح الطفولة ثمنًا للحرب.. الزواج المبكر في اليمن – د. أنجيلا سلطان المعمري

حين تصبح الطفولة ثمنًا للحرب.. الزواج المبكر في اليمن

 بقلم: د. أنجيلا سلطان المعمري

“لم تبدأ ظاهرة الزواج المبكّر في اليمن مع الحرب، كما أنّ الحرب لا يمكن أن تكون التفسير الوحيد لاستمرارها،

فقد عرف المجتمع اليمني هذه الظاهرة قبل النزاع، وارتبطت بعوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية متداخلة،

لكنّ الحرب غيّرت شيئًا أكثر عمقًا من حجم الظاهرة لقد غيّرت البيئة التي تُتخذ فيها القرارات الأسريّة”

أدى استمرار النزاع في اليمن للعديد من الآثار السلبية التي ألقت بظلالها على الأفراد والجماعات، وبشكلٍ كبيرٍ على الفئات الأكثر هشاشة في المجتمع مثل الأطفال. لفهم ظاهرة الزواج المبكّر في اليمن اليوم لا يكفي أن ننظر إلى العادات الاجتماعية أو إلى موقف الأسرة من زواج الفتاة. علينا أن ننظر أولًا إلى البيئة الاقتصادية والإنسانية التي تتخذ فيها الأسرة قرارها.

تقدّم بيانات يونيو/حزيران 2026 صورةً شديدةً القسوة لهذه البيئة. بحسب أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)، يواجه نحو 5 ملايين شخص أي 47% من السكان في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة اليمنية مستوياتٍ مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، بينهم نحو 1.4 مليون شخص في مرحلة الطوارئ. والأسوأ أنّ التوقعات للفترة الممتدة من يونيو إلى سبتمبر 2026 تشير إلى ارتفاع العدد إلى 5.4 مليون شخص، أي 51% من السكان، مع توقع وصول عدد من يواجهون ظروف الطوارئ إلى 1.5 مليون شخص. هذه الأرقام لا تعني أنّ كل أسرة تعاني انعدام الأمن الغذائي ستلجأ إلى تزويج ابنتها مبكرًا، ولا تسمح لنا بالقول إنّ الجوع يسبب الزواج المبكر بصورةٍ مباشرة. لكنّها تكشف حجم الضغط الذي تعمل داخله الأسرة اليمنية.

بحسب اليونيسف، يرتبط تدهور الأمن الغذائي بعدّة عوامل من بينها تراجع القوة الشرائية، وارتفاع أسعار الغذاء والوقود، وعدم انتظام الرواتب، وانخفاض فرص الدخل، وارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي، إضافةً إلى التراجع الحاد في المساعدات الإنسانية. كما تعدُّ الأسر النازحة والنساء والأطفال من أكثر الفئات تعرّضًا لهذه الضغوط.

في ظروفٍ كهذه، قد تتحول بعض القرارات الأسرية إلى قرارات قصيرة المدى هدفها تخفيف العبء أو تقليل المخاطر المتصوّرة. قد يدخل الزواج المبكّر ضمن هذه القرارات، خصوصًا عندما يترافق الفقر مع انقطاع الفتاة عن التعليم، أو النزوح، أو الخوف من المستقبل، أو ضعف الوصول إلى خدمات الحماية. من هنا يمكن فهم الحرب في اليمن باعتبارها مضاعفًا لعوامل الخطر، لا باعتبارها سببًا منفردًا للزواج المبكّر.

لم تبدأ ظاهرة الزواج المبكّر في اليمن مع الحرب، كما أنّ الحرب لا يمكن أن تكون التفسير الوحيد لاستمرارها. فقد عرف المجتمع اليمني هذه الظاهرة قبل النزاع، وارتبطت بعوامل اجتماعية واقتصادية وثقافية متداخلة، من بينها الفقر، ونظرة المجتمع إلى أدوار الفتيات، والعادات والتقاليد، وضعف فرص التعليم. لكنّ الحرب غيّرت شيئًا أكثر عمقًا من حجم الظاهرة، لقد غيّرت البيئة التي تُتخذ فيها القرارات الأسرية.

فعندما تفقد الأسرة مصدر دخلها، أو تنزح من منزلها، أو تعجز عن توفير الغذاء، أو تتوقف ابنتها عن التعليم، أو تتراجع قدرتها على الوصول إلى الخدمات الصحية والحماية، فإنّ القرارات المتعلّقة بمستقبل الفتاة لا تعود تُتخذ في ظروفٍ طبيعية.

حين تصبح القدرة على شراء الغذاء والوقود وتأمين الاحتياجات الأساسية مهددة، تضيق مساحة الخيارات المتاحة أمام الأسرة. كذلك عندما تتزامن الأزمة الاقتصادية مع النزوح، وانقطاع التعليم، وضعف الخدمات، والخوف من المستقبل، تصبح بعض القرارات الأسرية أقرب إلى قرارات إدارة للأزمة منها إلى قرارات طبيعية طويلة المدى. هنا يمكن أن يظهر الزواج المبكّر باعتباره أحد الخيارات التي قد تلجأ إليها بعض الأسر في محاولة للتكّيف مع ظروف شديدة القسوة. بذلك لا تكون الحرب سببًا منفردًا، وإنّما مضاعفًا لعوامل الهشاشة. فالعامل الاقتصادي الذي كان موجودًا قبل الحرب قد يصبح أكثر تأثيرًا أثناءها، والعرف الاجتماعي الذي كان قائمًا في ظروف الاستقرار قد يعمل بصورةٍ مختلفةٍ عندما تشعر الأسرة بأنّها فقدت السيطرة على كثيرٍ من جوانب حياتها.

في ظروفٍ معينة قد يتحوّل الزواج من قرارٍ اجتماعي متعلّق بتكوين الأسرة إلى استراتيجية تكيّف سلبية مع الأزمة. هذا المفهوم لا يعني أنّ جميع الأسر تتعامل مع الزواج بهذه الطريقة، ولا يعني إعفاء الأسرة من مسؤوليتها في حماية الطفلة. ينتشر زواج القاصرات في المجتمع اليمني نتيجة سيطرة العادات الاجتماعية والأفكار الدينية وغياب القوانين التي تحدّد سن الزواج.

تشير بيانات اليونيسف لعام 2026 إلى أنّ أكثر من 3.2 مليون طفل تتراوح أعمارهم بين 5 و17 عامًا خارج المدرسة، بينهم نحو 1.2 مليون طفل في سن المرحلة الابتدائية. هذا الرقم ليس مجرّد مؤشرٍ على أزمةٍ تعليمية، وإنّما مؤشرٌ على أزمةٍ في الفرص والحماية والمستقبل. وثّقت اليونيسف في 2026 حالاتٍ لأطفالٍ في اليمن اضطروا إلى ترك التعليم لمساعدة أسرهم اقتصاديًا، مؤكّدةً أنّ الفقر والضغوط الاقتصادية يدفعان أطفالًا إلى العمل بدل الدراسة.

 تنتشر ظاهرة زواج القاصرات أكثر في الريف، حيث ترتبط مجموعة من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية باستمرارها، من أبرزها تفاقم الجهل والفقر، وتأثير الثقافة الذكورية التي تنظر إلى المرأة باعتبارها كيانًا ناقص العقل والدين وفق الموروث الديني والثقافي المتوارث، ويحصر بالتالي مهمّتها بالزواج والإنجاب. لذا ترى بعض الأسر أنّ تزويج الفتاة وسيلةٌ لحمايتها من التعرّض للوصمة الاجتماعية، انطلاقًا من الاعتقاد بأنّ الزواج يوفّر لها الحماية.

تزداد المشكلة في أوساط الأسر النازحة، وخاصّةً عندما تصل الأسرة النازحة إلى بيئة جديدة لا تعرف فيها طبيعة الخدمات المتاحة أو آليات الحماية، أو الجهات التي يمكن أن تلجأ إليها عند الحاجة. حيث أظهرت دراسة أجراها صندوق الأمم المتحدة للسكان في ثلاث محافظات، أنّ معدلات الزواج المبكّر كانت الأعلى بين السكان النازحين، إذ تزوجت فتاة واحدة من كل خمس فتيات تتراوح أعمارهن بين 10 و19 عامًا، مقارنةً بفتاةٍ واحدة من كل ثماني فتيات في المجتمعات المضيفة. أحد الأسباب هو أنّ النازحين لديهم فرص أقل للكسب والتعليم، بالإضافة إلى صعوبة الوصول إلى الخدمات الصحية والاجتماعية، ما يؤدّي إلى زيادة اللجوء إلى استخدام أساليب وأعراف اجتماعية ضارة.

يؤدّي الزواج المبكّر إلى عددٍ من التداعيات المأساوية على حياة الفتيات، حيث يموت عددٌ كبيرٌ من الفتيات بسبب مضاعفات الحمل والولادة، وترتفع أعداد حالات الحمل غير المرغوب فيه في سن المراهقة، وغالبًا ما تضطر الفتيات إلى التخلّي عن تعليمهن وفرصهن في العمل. وبشكلٍ عام تتقلص خياراتهن المستقبلية في الصحة والرفاه بشكلٍ كبير.

في هذه الظروف، قد تصبح الفتاة أكثر عرضةً للتسرّب من التعليم، والعمل المبكّر، والعنف والاستغلال، والزواج المبكر. أشارت اليونيسف إلى أنّ النزوح والفقر والصراع من العوامل التي تستمر في دفع الأسر نحو الزواج المبكّر باعتباره وسيلةً للبقاء، مع ما يترتب عليه من مخاطر على الفتيات.

في يوليو/تموز 2025، أشارت اليونيسف إلى أنّ نحو ثلث الشابات في اليمن يتزوجن ويصبحن أمهات قبل بلوغ سن 18 عامًا، مؤكّدةً أنّ الصراع والنزوح والفقر عوامل تدفع الأسر نحو الاستمرار في التزويج المبكّر للفتيات باعتباره وسيلة للبقاء. هذا الرقم مهمٌ ليس فقط لأنّه يكشف حجم الظاهرة، وإنّما لأنّه يوضّح أنّ الحديث عن الزواج المبكّر في اليمن ليس عن حالات فردية معزولة.

ماذا بعد؟

إذا أردنا أن نواجه الزواج المبكر في اليمن بصورة مختلفة، فإننا نحتاج إلى الانتقال من التدخلات المنفصلة إلى منظومة وقاية متكاملة.

أولًا: يجب حماية استمرار الفتيات في التعليم، خصوصًا في المجتمعات الفقيرة والنازحة والمناطق المتأثرة بالنزاع.

ثانيًا: ينبغي توسيع برامج الدعم الاقتصادي للأسر الأكثر هشاشة، لأنّ تخفيف الضغوط الاقتصادية يمكن أن يقلل الحاجة إلى استراتيجيات التكيّف السلبية.

ثالثًا: يجب تعزيز خدمات حماية الطفل وآليات الإحالة، بحيث تستطيع الفتيات والأسر الوصول إلى الدعم عندما تظهر مؤشرات الخطر.

رابعًا: ينبغي دمج الصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي في برامج الوقاية من الزواج المبكر، بدل التعامل معها كخدمة منفصلة.

خامسًا: يجب إشراك الرجال والشباب والقيادات المجتمعية في تغيير التصورات المتعلقة بحماية الفتيات ومستقبلهن.

سادسًا: نحتاج إلى بيانات أكثر انتظامًا وتفصيلًا عن الزواج المبكر، خصوصًا في المناطق المتأثرة بالنزوح والفقر، حتى تكون التدخلات قائمة على الأدلة لا على الافتراضات.

سابعًا: توفير مراكز قانونية تهدف إلى توفير المساعدة القانونية والمشورة للأفراد فيما يتعلق بقضايا زواج الأطفال، ويمكن أن تساعد في تعزيز الوعي والاستجابة القانوني لهذه المسألة.