دور المرأة في مواجهة آثار النزاعات المسلّحة وبناء السلام – أمينة عمر
دور المرأة في مواجهة آثار النزاعات المسلّحة وبناء السلام
بقلم: أمينة عمر
“يُعد قرار مجلس الأمن (1325) الإطار الدولي الأبرز لتعزيز دور المرأة في الأمن والسلام، ويرتكز على أربعة محاور رئيسية هي المشاركة، الحماية، الوقاية، والإغاثة والتعافي، مع ضرورة إعداد خطط وطنية بأهداف ومؤشرات واضحة“
تُشكلّ النزاعات المسلّحة أحد أكبر التحديات التي تواجه المجتمعات المعاصرة، لما تخلّفه من خسائر بشرية ومادية وانعكاسات اجتماعية وسياسية عميقة. على الرغم من أنّ الحروب تؤثّر على جميع أفراد المجتمع إلا أنّ النساء والأطفال يُعدّون أكثر الفئات معاناةً. حيث يتعرضون لشتى أنواع الانتهاكات من قتلٍ، عنفٍ, تشريدٍ, حرمانٍ من التعليم والرعاية الصحية, فضلًا عن العنف الجنسي, وغيره من انتهاكاتٍ لحقوق الإنسان بصفةٍ عامةٍ وحقوق النساء والأطفال بصفةٍ خاصّة. لا تقتصر هذه المعاناة على فترة النزاع فحسب, بل تمتد إلى ما بعد انتهائه نتيجةُ ما يخلّفه من آثار تحتاج إلى سنواتٍ طويلةٍ لتجاوزها.
لذلك؛ كان من الأهمية بمكان توفير الحماية للنساء والأطفال في زمن النزاعات المسلحة, بما يُجنّبهم ويلات هذه النزاعات ويحول دون تعرضهم لانتهاكات لا يمتلكون القدرة على التصدي لها. يمنح القانون الدولي الإنساني الأطفال والنساء – فضلًا عن الحماية العامة المقررة لهم بوصفهم من المدنيين – حمايةً خاصةً تتناسب مع طبيعتهم. تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أنّ المدنيين يمثّلون النسبة الأكبر من ضحايا النزاعات الحديثة، وأنّ النساء والأطفال يشكّلون جزءًا كبيرًا من هذه الفئة المتضررة.
في المقابل، أثبتت العديد من التجارب الدولية أنّ النساء لسن فقط ضحايا للحرب، بل قوةٌ أساسية في بناء السلام وإعادة الإعمار وتعزيز المصالحة المجتمعية. من هنا برزت أهمية أجندة “المرأة والسلام والأمن” التي أطلقتها الأمم المتحدة من خلال قرار مجلس الأمن رقم 1325 لعام 2000، والذي أكّد ضرورة إشراك النساء في جميع مستويات صنع القرار المتعلّقة بمنع النزاعات وحلّها وبناء السلام.
أولًا: تأثير النزاعات المسلّحة على المرأة
1– العنف القائم على النوع الاجتماعي
تؤدّي النزاعات المسلّحة إلى زيادة معدّلات العنف ضدّ النساء بشكلٍ ملحوظ، حيث يُستخدم العنف الجنسي في بعض الحالات كسلاح حرب، وأداةٍ للترهيب والتطهير العرقي وتفكيك النسيج الاجتماعي. وثّقت الأمم المتحدة حالاتٍ واسعة من الاغتصاب والزواج القسري والإتجار بالنساء في العديد من مناطق النزاع. لا تتوقف آثار هذه الانتهاكات عند حدود الضرر الجسدي، بل تمتد إلى آثار نفسية طويلة الأمد تشمل الاكتئاب والقلق واضطرابات ما بعد الصدمة، إضافة إلى الوصمة الاجتماعية التي قد تواجهها الناجيات في بعض المجتمعات.
2– التدهور الاقتصادي وتزايد أعباء الرعاية
غالبًا ما تؤدي الحروب إلى فقدان مصادر الدخل وتدمير البنية الاقتصادية. مع مقتل أو غياب عدد كبير من الرجال بسبب النزاع، تتحمل النساء مسؤولياتٍ إضافية تتعلق بإعالة الأسرة وتأمين الاحتياجات الأساسية للأطفال وكبار السن. أظهرت تجارب العديد من الدول الخارجة من النزاعات أنّ النساء أصبحن المعيل الرئيسي للأسر، الأمر الذي يتطلّب سياسات اقتصادية تراعي احتياجاتهن وتوفّر لهنَّ فرص العمل.
3– النزوح واللجوء
تُشكّل النساء نسبةً كبيرةً من النازحين واللاجئين حول العالم. خلال النزوح يواجهن تحدياتٍ متعددة تتعلّق بالحماية الشخصية والوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية والاقتصادية. كما تتعرض النساء في مخيمات النزوح أو أثناء الهجرة القسرية لمخاطر إضافية تشمل الاستغلال والعنف والاتجار بالبشر، مما يجعل الحماية القانونية والإنسانية أمرًا ضروريًا.
4– الإقصاء من عمليات صنع القرار
رغم الدور الكبير الذي تؤدّيه النساء في الحفاظ على تماسك المجتمعات أثناء الحروب، فإنّهن غالبًا ما يُستبعدن من المفاوضات السياسية واتفاقيات السلام والهيئات الانتقالية. يؤدي ذلك إلى ضعف تمثيل قضايا النساء والأطفال في السياسات العامة وبرامج إعادة الإعمار.
ثانيًا: تأثير النزاعات المسلّحة على الأطفال
1– الحرمان من التعليم: يُعدُّ التعليم من أكثر القطاعات تأثرًا بالحروب. إذ تتعرض المدارس للتدمير أو الإغلاق، ويضطر الأطفال إلى ترك الدراسة بسبب النزوح أو الفقر أو انعدام الأمن. يؤدي الانقطاع الطويل عن التعليم إلى زيادة معدلات الأميّة والبطالة مستقبلًا، كما يحدُّ من فرص التنمية الاقتصادية والاجتماعية في مرحلة ما بعد النزاع.
2– الآثار النفسية والاجتماعية: يشهد الأطفال في مناطق النزاع أحداثًا عنيفة تشمل القصف وفقدان أفراد الأسرة والتهجير القسري. تترك هذه التجارب آثارًا نفسية عميقة قد تستمر لسنوات طويلة. تؤكّد الدراسات النفسية أنّ الأطفال المتأثرين بالحرب أكثر عرضة للإصابة باضطرابات القلق والاكتئاب وصعوبات الاندماج الاجتماعي، مما يستدعي توفير برامج متخصصة للدعم النفسي وإعادة التأهيل.
3– تجنيد الأطفال واستغلالهم: في بعض النزاعات يتم تجنيد الأطفال وإشراكهم في الأعمال القتالية أو اللوجستية، الأمر الذي يحرمهم من طفولتهم ويعرضهم لمخاطر جسدية ونفسية جسيمة. تشدد المواثيق الدولية، وخاصة اتفاقية حقوق الطفل والبروتوكول الاختياري بشأن إشراك الأطفال في النزاعات المسلحة، على ضرورة حماية الأطفال من التجنيد وضمان إعادة دمجهم في المجتمع.
4– تدهور الخدمات الصحية: تؤدي الحروب إلى انهيار الأنظمة الصحية وانتشار الأمراض وسوء التغذية، وهو ما يؤثر بشكلٍ خاص على الأطفال. كما ترتفع معدلات وفيات الأطفال بسبب نقص الرعاية الصحية الأساسية والتطعيمات والأدوية.
ثالثًا: أهمية مشاركة المرأة في بناء السلام بعد النزاعات
أظهرت دراسات الأمم المتحدة وهيئة الأمم المتحدة للمرأة أنّ اتفاقيات السلام التي تُشارك النساء في صياغتها تكون أكثر استدامةً مقارنةً بالاتفاقيات التي يتم التفاوض عليها حصرًا من قبل النخب السياسية والعسكرية. تنبع أهمية مشاركة المرأة في عمليات بناء السلام وصنع القرار من جملة اعتبارات، أبرزها تمثيل احتياجات نصف المجتمع وضمان مراعاة مصالحه، تعزيز شرعية المؤسسات الانتقالية، إدراج قضايا العدالة الاجتماعية والمصالحة المجتمعية، تحسين فرص تحقيق السلام المستدام، المساهمة في إعادة بناء الثقة بين مختلف المكونات الاجتماعية. أثبتت التجارب الدولية أنّ النساء لعبن أدوارًا محورية في المصالحة الوطنية وإعادة بناء مؤسسات الدولة، كما هو الحال في رواندا وليبيريا وكولومبيا.
الحالة السورية – المرأة والأطفال في مرحلة ما بعد النزاع
شهدت سوريا منذ عام 2011 واحدة من أكثر النزاعات تعقيدًا في المنطقة، حيث خلّفت الحرب آثارًا إنسانية واجتماعية واقتصادية عميقة. كانت النساء والأطفال من أكثر الفئات تضررًا نتيجة أعمال العنف، النزوح الداخلي واللجوء، فقدان أفراد الأسرة، وتراجع الخدمات الأساسية في مجالات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.
واجهت النساء السوريات تحديات متشابكة، تمثّلت في ازدياد معدلات الفقر، واتساع مسؤولياتهن في إعالة الأسر، وارتفاع مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، فضلًا عن محدودية فرص المشاركة في عمليات صنع القرار السياسي. كما حُرم ملايين الأطفال من حقهم في التعليم، وتعرض كثير منهم لآثار نفسية واجتماعية نتيجة العنف والتهجير، مما يفرض أولوية لإعادة تأهيلهم وضمان اندماجهم في المجتمع.
في المقابل، برزت المرأة السورية في العديد من المناطق كفاعلٍ رئيسي في العمل الإنساني والمجتمعي، وأسهمت في إدارة المبادرات المدنية، وتعزيز التماسك المجتمعي، والدفاع عن حقوق الإنسان، والمشاركة في جهود الوساطة المحلية وبناء السلام. هذه التجارب تؤكّد أنّ النساء يمتلكن الخبرة والقدرة على الإسهام في صياغة مستقبل البلاد إذا أتيحت لهنَّ الفرصة.
مع دخول سوريا مرحلة انتقالية، تبرز الحاجة إلى ضمان مشاركة النساء بصورة فعلية في صياغة الدستور، والإصلاحات القانونية، والهيئات التشريعية والتنفيذية، ولجان العدالة الانتقالية، وبرامج إعادة الإعمار. كما ينبغي أن تستند هذه المشاركة إلى مبادئ المساواة وعدم التمييز، وأن تنسجم مع قرار مجلس الأمن 1325 بشأن المرأة والسلام والأمن، ومع الالتزامات الدولية المتعلّقة بحقوق الإنسان.
تجربة شمال وشرق سوريا في تعزيز المشاركة السياسية للمرأة
قدّمت تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا نموذجًا مختلفًا في التعامل مع قضية مشاركة المرأة في الحياة العامة، حيث اعتُمدت سياسات هدفت إلى تعزيز تمثيل النساء في المؤسسات السياسية والإدارية، انطلاقًا من اعتبار المساواة بين الجنسين أحد المبادئ الأساسية في إدارة الشأن العام.
من أبرز الآليات التي طُبقت في هذه التجربة نظام الرئاسة المشتركة، الذي يقوم على تقاسم المسؤولية بين امرأة ورجل في رئاسة المؤسسات المدنية والإدارية، إلى جانب اعتماد نسبة 50 %لتمثيل النساء في المجالس والهيئات المختلفة، وإنشاء مؤسسات ومنظمات تعنى بقضايا المرأة وتمكينها سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا.
كما لعبت المنظمات النسائية دورًا مهمًا في إعداد القيادات النسائية، وتدريب النساء على العمل السياسي والإداري، والمشاركة في جهود الوساطة المجتمعية وحل النزاعات المحلية، إضافة إلى تعزيز حضور المرأة في مجالات التعليم والإدارة المحلية والعمل الأهلي.
على الصعيد الأمني، برزت مشاركة النساء من خلال وحدات حماية المرأة (YPJ)، التي أسهمت في حماية السكان المدنيين، ولا سيما خلال مواجهة مرتزقة داعش الإرهابية، وأصبحت تجربتها محط اهتمام العديد من الدراسات التي تناولت دور المرأة في الأمن المجتمعي ومكافحة التطرّف. انعكس هذا الدور على تعزيز حضور النساء في الحياة العامة، وربط مفهوم الأمن بمشاركة المجتمع، وليس بالبعد العسكري وحده.
تُبرز هذه التجربة أهمية الإرادة السياسية والإصلاحات المؤسسية في توسيع مشاركة المرأة في صنع القرار، كما تُقدّم عددًا من الدروس التي يمكن الاستفادة منها في أي عملية انتقال سياسي مستقبلية في سوريا، من خلال تعزيز التمثيل المتوازن، ودعم القيادات النسائية، وترسيخ مبدأ الشراكة بين النساء والرجال في إدارة الشأن العام، مع مراعاة خصوصية السياق السوري والتعددية المجتمعية.
رابعًا: الإجراءات اللازمة لضمان المشاركة السياسية للنساء في دول ما بعد الحرب
1- تطبيق قرار مجلس الأمن 1325: يُعد قرار مجلس الأمن (1325) الإطار الدولي الأبرز لتعزيز دور المرأة في الأمن والسلام، ويرتكز على أربعة محاور رئيسية هي المشاركة، الحماية، الوقاية، والإغاثة والتعافي، مع ضرورة إعداد خطط وطنية بأهداف ومؤشرات واضحة لقياس التقدم.
2- اعتماد نظام الحصص (الكوتا) لضمان تمثيل النساء في البرلمانات والمجالس والهيئات الانتقالية. أظهرت تجربة رواندا التي تمتلك واحدة من أعلى نسب تمثيل النساء في البرلمان عالميًا، أنّ الكوتا يمكن أن تكون أداة فعّالة لتجاوز العوائق التاريخية أمام مشاركة المرأة.
3- إشراك المرأة في مفاوضات السلام: ينبغي ضمان مشاركة النساء بصورة فاعلة في جميع مراحل المفاوضات وصياغة الاتفاقيات السياسية والدستورية، مع تمثيل منظّمات المجتمع المدني والمنظّمات النسوية في الحوار الوطني ولجان المصالحة.
4- الإصلاح الدستوري والقانوني: ينبغي أن تتضمن الدساتير الجديدة نصوصًا واضحة تكفل المساواة بين الجنسين، وتحظر التمييز، وتحمي النساء من العنف، وتضمن تكافؤ الفرص والمشاركة السياسية. كما يجب مراجعة القوانين الانتخابية والأحوال الشخصية والعمل لضمان توافقها مع مبادئ المساواة وحقوق الإنسان.
5- التمكين الاقتصادي للنساء: ترتبط المشاركة السياسية ارتباطًا وثيقًا بالاستقلال الاقتصادي. لذلك يجب توفير برامج لدعم المشاريع الصغيرة والتدريب المهني والوصول إلى التمويل والخدمات المصرفية. فالنساء القادرات اقتصاديًا أكثر قدرة على الانخراط في العمل العام والمشاركة السياسية.
6- بناء القدرات القيادية: ينبغي تطوير برامج تدريبية تستهدف النساء في مجالات القيادة السياسية، الإدارة العامة، مهارات التفاوض، إدارة الحملات الانتخابية، العمل التشريعي والرقابي. يسهم ذلك في تعزيز قدرة النساء على التأثير في السياسات العامة.
- دعم المجتمع المدني والإعلام: تلعب منظّمات المجتمع المدني والإعلام دورًا مهمًّا في تعزيز مشاركة المرأة من خلال رفع الوعي بحقوق النساء.
التوصيات:
– تكثيف الجهود الدولية لحماية النساء أثناء النزاعات المسلّحة، والحد من الانتهاكات، وترسيخ ثقافة السلام للحد من وطأة الآثار السلبية للحروب وخاصةً على المرأة.
– تنفيذ برامج متخصصة لمعالجة الآثار النفسية والاجتماعية التي تتعرض لها النساء، خاصةً الناجيات من العنف الجنسي.
– تعزيز تعاون الحكومات والمنظمات الدولية لإنشاء مراكز للتدريب والإرشاد والدعم النفسي والاجتماعي والقانوني للنساء والأطفال.
– توفير مراكز إيواء آمنة للنازحات والناجيات من النزاعات، مع منح النساء الأولوية في الحماية والرعاية والخدمات الأساسية.
