الاندماج الديمقراطي ومستقبل المرأة في سوريا – سوسن خلف
الاندماج الديمقراطي ومستقبل المرأة في سوريا

بقلم: سوسن خلف
“إنّ أيَّ عملية اندماجٍ أو مصالحةٍ وطنيّة لا تضع المرأة في موقع الشّريك الحقيقي ستفقد أحد أهم عناصر نجاحها، لأنّ دورها لا يقتصرُ على الدّفاع عن حقوقها ومكتسباتها، بل يتجاوز ذلك إلى المساهمة في صياغة نموذجٍ جديدٍ للحياة
السّياسيّة والاجتماعيّة”
تشهد سوريا اليوم مرحلةً مفصليةً من تاريخها السياسي والاجتماعي، مرحلة تتجاوز مجرد البحث عن حلول للأزمة المستمرة منذ أكثر من عقد، لتطرح أسئلةً جوهريةً حول شكل الدولة والمجتمع والعلاقات بين المكونات المختلفة.
في قلب هذه التحولات يبرز مفهوم “الاندماج الديمقراطي” باعتباره أحد المفاهيم التي يجري تداولها، بوصفه مدخلًا لإعادة تنظيم الحياة السياسية والمؤسساتية ضمن إطارٍ وطنيٍّ جامع. إلاّ أنّ الاندماج الديمقراطي من منظور المرأة والحركات النسوية لا يمكن اختزاله في عمليات الدمج الإداري أو إعادة هيكلة المؤسسات أو نقل الصلاحيات بين الجهات المختلفة، بل هو مشروعٌ مجتمعي متكامل يهدف إلى بناء عقدٍ اجتماعي جديد قائم على الاعتراف بالتنوع والاختلاف والمشاركة العادلة لجميع فئات المجتمع.
من هذا المنطلق تطرح المرأة في روج آفا جملة من التساؤلات المشروعة حول طبيعة هذا الاندماج وآلياته وضماناته وموقع المرأة ضمنه، ومدى قدرته على حماية الإنجازات التي تحققت خلال السنوات الماضية، نتيجة نضال طويل وتضحيات جسيمة قدّمتها النساء في مختلف المجالات السياسية والاجتماعية والعسكرية والثقافية.
عندما نتحدث عن الاندماج الديمقراطي لا يكون المقصود منه ذوبان طرف في طرف آخر، أو إلغاء تجربةٍ لصالح تجربةٍ مغايرة، وإنّما نتحدث عن عملية تشاركية تقوم على الاعتراف المتبادل واحترام الخصوصيات السياسية والاجتماعية والثقافية لجميع المكونات والقوى الاجتماعية، لتكون شريكة في رسم السياسات العامّة واتخاذ القرارات المصيرية، بما يضمن العدالة والمساواة والتمثيل المتوازن.
لا يمكن اعتبار هذا الاندماج ناجحًا ما لم يضع قضية المرأة في صلب عملية البناء الجديدة، باعتبار أنّ الديمقراطية التي لا تشمل المرأة تبقى ديمقراطية ناقصة، والسلام الذي لا تشارك المرأة في صناعته يبقى سلامًا هشًّا ومعرضًا للانهيار.
لعبت التفاهمات والاتفاقات التي جرى التوصّل إليها خلال المرحلة الأخيرة في التاسع والعشرين من كانون الثاني دورًا بارزًا، مشكلةً نقطة انطلاقٍ نحو البحث في آليات تنظيم العلاقة بين المؤسسات القائمة في روج آفا وبنية الدولة السورية المستقبلية، ولتبدأ مرحلة جديدة من الحوارات السياسية والفنية والإدارية.
انطلقت هذه العملية من واقعٍ موضوعي يتمثّل بوجود تجربة إدارية وسياسية ومجتمعية متكاملة نشأت خلال السنوات الماضية، استطاعت إدارة شؤون ملايين المواطنين وتأمين الخدمات الأساسية لهم، محققةً قدرًا من الاستقرار رغم الظروف الاستثنائية التي مرّت بها المنطقة. من هنا فإنّ أيَّ عملية اندماج لا يمكن أن تنطلق من مبدأ الإلغاء أو التفكيك وإنّما من مبدأ الاستفادة من التجارب المتراكمة والبناء عليها.
خلال هذه المرحلة يجري العمل على دراسة مختلف القطاعات والمؤسسات، وتقييم آليات دمجها بما يحفظ استمرارية العمل الإداري والخدمي ويحمي الاستقرار المجتمعي الذي تحقق نتيجة جهود كبيرة بذلتها مختلف المكونات. كما أنّ جوهر هذه العملية يتمثّل في إيجاد توازن بين متطلبات الوحدة الوطنية من جهة، والحفاظ على خصوصية النماذج الديمقراطية المحلية من جهة أخرى، وهو ما يشكّل أحد أبرز التحديات التي تواجه مسار الاندماج.
إنّ نجاح أي عملية اندماج يتوقف على وجود رؤية واضحة وآليات تنفيذ مدروسة تراعي خصوصية كل قطاع، فعلى المستوى المدني مثلًا شمل الاندماج المؤسسات الإدارية والخدمية والبلديات والهيئات المتخصصة، بحيث يتم العمل على توحيد المعايير القانونية والإدارية وتطوير آليات التنسيق والتكامل بين مختلف المؤسسات. لكن هذا لا يعني بالضرورة العودة إلى نماذج الإدارة المركزية التقليدية، بل يفترض أن يحافظ على مبدأ الإدارة المحلية والمشاركة الشعبية، باعتبارهما من أهم المكتسبات التي عززت قدرة المجتمع على إدارة شؤونه بنفسه.
أمّا على المستوى العسكري فإنّ المسألة أكثر حساسية وتعقيدًا، نظرًا للدور التاريخي الذي لعبته القوات العسكرية والأمنية في حماية المنطقة من الإرهاب وفي الدفاع عن الاستقرار المجتمعي، لذا فإنّ أي عملية اندماج في هذا المجال يجب أن تستند إلى رؤية تحافظ على الخبرات المتراكمة، وتضمن استمرار دور المؤسسات الأمنية والعسكرية ضمن إطارٍ وطني جامع.
وفي الجانب الاجتماعي، تبرز أهمية المجالس والمؤسسات المجتمعية التي لعبت دورًا محوريًا في تنظيم حياة المواطنين وتعزيز التعايش المشترك بين المكونات المختلفة، لأنّ هذه المؤسسات لم تكن مجرد هياكل إدارية، إنّما مثّلت ثقافة مجتمعية قائمة على المشاركة والحوار وحل المشكلات عبر الإرادة الجماعية.
أمّا المؤسسات النسوية فقد واجهت تحدياتٍ مضاعفة، لأنّها لا تدافع فقط عن وجودها التنظيمي بل تدافع عن فلسفة كاملة قامت على مبدأ حرية المرأة ومشاركتها المتساوية في الحياة العامة. فالمرأة في مناطق روج آفا استطاعت أن تؤسس خلال السنوات الماضية منظومة متكاملة من المؤسسات النسوية، شملت التنظيمات السياسية والمجالس والهيئات والمراكز الاجتماعية ومؤسسات الحماية والدعم والتمكين، كما نجحت في فرض مجموعة من القوانين والتشريعات التي هدفت إلى مكافحة العنف والتمييز وتعزيز المشاركة السياسية وتحقيق العدالة الاجتماعية.
هذه الإنجازات لم تكن هبات أو امتيازات مُنحت للمرأة، بل كانت ثمرة نضالٍ طويل خاضته النساء في مواجهة البنى الذكورية التقليدية والثقافة الإقصائية التي حرمت المرأة من حقوقها لعقود طويلة.
اليوم تبرز مخاوف مشروعة من أن يؤدي الاندماج غير المدروس إلى إضعاف هذه المؤسسات أو تهميش دورها أو تقليص صلاحياتها، كما يُعدُّ غياب هيئة أو وزارة أو مجلس وطني موازٍ يمتلك صلاحيات قانونية واضحة لمتابعة قضايا المرأة أحد أبرز التحديات التي تواجه المنظمات النسوية في المرحلة المقبلة، فالكثير من القوانين الخاصة بحماية المرأة تحتاج إلى مؤسسات قادرة على مراقبة تنفيذها ومحاسبة الجهات التي تنتهكها.
في حال لم يتم إيجاد آليات قانونية واضحة لحماية هذه المكتسبات، فإنّ هناك خطرًا حقيقيًا يتمثّل في تراجع مستوى المشاركة النسائية أو تحويل قضايا المرأة إلى ملفاتٍ ثانوية تخضع للاجتهادات السياسية المتغيرة. لهذا السبب تؤكد الحركة النسوية على ضرورة أن يكون للمرأة تمثيلٌ مؤسساتي واضح ضمن أي بنية سياسية أو إدارية مستقبلية، وأن تمتلك الأدوات القانونية اللازمة للدفاع عن حقوقها ومكتسباتها.
لكن ورغم المخاوف والتحديات فإنّ الاندماج الديمقراطي يحمل أيضًا فرصًا مهمة للمرأة، فإذا جرى تنفيذ هذا المسار وفق مبادئ الديمقراطية والمشاركة الحقيقية، فإنّه يمكن أن يساهم في نقل التجربة النسوية الرائدة التي تطورت في شمال وشرق سوريا إلى مستوى وطني أشمل. كما يمكن أن يفتح المجال أمام توسيع مشاركة النساء في مؤسسات الدولة المختلفة، وتعزيز حضورهن في مواقع صنع القرار، ونشر ثقافة المساواة والعدالة الاجتماعية على نطاق أوسع.
في المقابل؛ فإنّ أكبر المخاطر تتمثل في احتمال تراجع بعض المكاسب التي حققتها المرأة نتيجة اختلاف الرؤى السياسية والاجتماعية حول مكانة المرأة ودورها في المجتمع، كما أنّ غياب الضمانات الدستورية والقانونية الواضحة قد يؤدي إلى إضعاف بعض التشريعات المتقدّمة المتعلقة بحقوق المرأة.
من المخاوف الأخرى؛ إمكانية تراجع نظام الرئاسة المشتركة، أو تقليص نسب تمثيل المرأة في المؤسسات العامة الأمر الذي قد ينعكس سلبًا على مستوى مشاركتها في صنع القرار. لذلك؛ فإنّ حماية مكتسبات المرأة يجب أن تكون جزءًا أساسيًا من أي اتفاق أو رؤية مستقبلية للاندماج الديمقراطي.
المرأة بحكم موقعها الاجتماعي وخبرتها في إدارة الأزمات تمتلك قدرة كبيرة على تعزيز ثقافة الحوار والتفاهم والتعايش المشترك، ولهذا فإنّ أي عملية اندماج أو مصالحة وطنية لا تضع المرأة في موقع الشريك الحقيقي ستفقد أحد أهم عناصر نجاحها، لأنّ دورها لا يقتصر على الدفاع عن حقوقها ومكتسباتها بل يتجاوز ذلك إلى المساهمة في صياغة نموذج جديد للحياة السياسية والاجتماعية. فالمرأة التي شاركت في الدفاع عن المجتمع، وأسهمت في بناء المؤسسات، وقادت المبادرات المدنية والإنسانية تمتلك اليوم الشرعية والخبرة اللازمتين للمشاركة في رسم مستقبل البلاد.
لذا فإنّ الاندماج الديمقراطي يمثّل فرصةً تاريخية لبناء سوريا جديدة تقوم على الشراكة والعدالة والتعددية واحترام إرادة الشعوب، لكنّه في الوقت ذاته يشكل اختبارًا حقيقيًا لمدى الالتزام بقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والمساواة بين الجنسين.
المرأة التي وقفت في الصفوف الأولى للدفاع عن المجتمع، وقدمت التضحيات في ميادين النضال والعمل السياسي والاجتماعي، لا يمكن أن تقبل بأن تكون مجرد متفرج على رسم مستقبل البلاد، إنّما ترى نفسها شريكًا أساسيًا في صياغة هذا المستقبل، وضامنًا حقيقيًا لنجاح أي مشروع ديمقراطي.
إنّ حماية مكتسبات المرأة ليست قضية نسويّة فحسب، بل هي قضية ديمقراطية ووطنية بامتياز، لأنّ المجتمعات التي تتراجع فيها حقوق النساء تتراجع فيها أيضًا قيم الحرية والعدالة والمواطنة. لهذا فإنّ نجاح الاندماج الديمقراطي لن يقاس بعدد المؤسسات التي جرى دمجها ولا بعدد الاتفاقيات التي تم توقيعها، بل بقدرته على حماية الإنسان وحقوقه وترسيخ المشاركة الحقيقية وصون مكتسبات المرأة باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من مستقبل سوريا الديمقراطية.
الاندماج الذي يحفظ كرامة المرأة ويصون حريتها، ويضمن مشاركتها الكاملة هو اندماج يبني السلام، أمّا الذي يتجاهل صوت النساء أو يتعامل مع حقوقهن باعتبارها قضية ثانوية، فإنّه يعيد إنتاج الأزمات ذاتها بأشكال جديدة. من هنا تبقى المرأة كما كانت دائمًا حجر الأساس في بناء مجتمعٍ ديمقراطي حر، وشريكًا لا غنى عنه في صناعة مستقبل أكثر عدالة واستقرارًا لجميع السوريين.
