رؤية نسوية لمستقبل الشرق الأوسط – ديلان عثمان

رؤية نسوية لمستقبل الشرق الأوسط

 

 

 

 

 

 

 

بقلم: ديلان عثمان

 

“إنّ نجاح الاندماج الديمقراطي يقاس بقدرته على تفكيك أشكال التهميش كافةً، ليس فقط تلك المرتبطة بالقوميّة

 أو الدين أو الانتماء السياسي، فالمجتمع الذي يعجز عن دمج المرأة في الحياة العامّة سيجدُ صعوبةً في بناء نموذجٍ

حقيقيٍّ للاعتراف المتبادل والشّراكة الديمقراطيّة”

تُعدُّ أزمة الشرق الأوسط اليوم أزمة نماذج سياسية استنفذت قدرتها على إنتاج الاستقرار. فبعد أكثر من قرنٍ على نشوء الدولة القومية الحديثة في المنطقة، وعقودٍ طويلة من الصراعات والانقلابات والحروب الأهلية والتدخلات الخارجية، نجد أنّ جوهر الأزمة يكمن في عدم توافر نظام سياسي واجتماعي قادر على منع اندلاع الحروب والأزمات داخليًا، ويقطع الطريق أمام أي تدخلٍ خارجي يطمع في الهيمنة والاستعمار.

خلال عقدٍ ونصف، تغيّرت حكوماتٌ وسقطت أنظمة وصعدت أخرى كأنظمةٍ بديلة عنها، فيما تبدّلت التحالفات الإقليمية والدولية مراتٍ لا تحصى، لكنّ جوهر الأزمة بقي على حاله. فما إن تنتهي حرب حتى تبدأ أخرى، وما إن يُحسم نزاع حتى يظهر نزاعٌ جديد بأسماء مختلفة وأطرافٍ مختلفة. فقد تحوّلت الأزمة إلى كرةٍ من نار تتدحرج بين هذه البلدان وتصبُّ النار أينما حلّت – لبنان وسوريا، العراق واليمن، الخليج العربي وفلسطين ومصر وآخرها إيران وتركيا المتأهبة لحرب محتملة – هذا ما يدفع إلى إعادة النظر ليس في نتائج هذه الصراعات فقط، بل في البنية التي تُعيد إنتاجها باستمرار.

في قلب الأزمات المتلاحقة التي تعصف بالشرق الأوسط، يعود الحديث مجددًا عن مشروع (الشرق الأوسط الكبير) بوصفه أحد أكثر المشاريع السياسية إثارة للجدل خلال العقود الأخيرة. بينما قُدّم المشروع في بداياته تحت اسم الإصلاح السياسي، ونشر الديمقراطية، وتعزيز التنمية الاقتصادية، إلا أنّ ما يجري اليوم على الأرض يكشف وجهًا مختلفًا. إذ تبدو خرائط النفوذ والتحالفات وكأنّما تُعاد صياغتها تحت ضغط الحرب والاستعمار العسكري أكثر مما تبنى عبر توافقٍ شعبي أو إرادة وطنية.

من منظوري؛ لا يمكن فصل هذا المشهد عن الثمن الإنساني الهائل الذي تدفعه المجتمعات، وخاصةً النساء. ففي كلِّ حربٍ تُخاض باسم الأمن أو الاستقرار أو السلام، تكون النساء أول من يواجه تبعات النزوح والفقر وفقدان الأمان، وآخر من يُمنح فرصة المشاركة في رسم مستقبل بلدانهن. وهنا يبرز التناقض الصارخ بين الخطاب الذي يتحدّث عن السلام والتنمية، والواقع الذي تُفرض فيه التحولات الكبرى عبر موازين القوة والعسكرة.

إنّ ما نشهده اليوم في عدد من بلدان المنطقة يدفع إلى التساؤل عن: هل السلام الحقيقي يولد من فوهة البندقية؟ أم أنّ ما يجري هو إعادة هندسة سياسية للمنطقة تحت شعاراتٍ برّاقة، بينما تُفرض الوقائع الجديدة بالقوة العسكرية والضغوط الجيوسياسية؟ فالاستقرار والسلام والتعددية والديمقراطية لا يمكن بناؤهم بالقوة بل يجب أولًا أن تكون العدالة واحترام السيادة وحق الشعوب في تقرير مصيرها من أهم أساسيات العملية.

في ظلِّ ما يجري اليوم؛ لابدَّ من النظر بعمقٍ إلى طبيعة هذه التحوّلات، وماهية المصالح التي تدفع بالتدخلات الخارجية إلى هذه المنطقة بالتحديد، ودور القوى الفاعلة فيها المحلية والإقليمية. ذلك لأنّ السلام المزعم باعتباره هدفًا نهائيًا يفقد معناه عندما يتحوّل إلى غطاء لإدامة الهيمنة أو فرض ترتيبات سياسية لا تعكس إرادة المجتمعات المحلية. في حين تتطلب المراحل الانتقالية أو الإصلاحية جهودًا مضاعفة من قبل أبناء وبنات المنطقة، يبقى الأوسط عالقًا في أزمةٍ مفتوحة، باحثًا عن مستقبل يصنعه أبناؤه بعيدًا عن القوى المهيمنة وخرائط المصالح الدولية. من هذا المبدأ أقول بأنّ شعوب الشرق الأوسط – ونساؤه على وجه الخصوص – تستحق سلامًا قائمًا على الحقوق والكرامة، لا على موازين القوة وحدها، ولابدَّ من حلول جذرية تنهي حالة الصراع الداخلي قبل الخارجي، لتنعم شعوب المنطقة بالاستقرار الحقيقي.

بالتالي؛ كيف يمكن بناء استقرار دائم في مجتمعات متعددة القوميات والأديان والثقافات دون اللجوء إلى الإقصاء أو الهيمنة أو العنف؟ يبرز الاندماج الديمقراطي ليس باعتباره مبادرة مؤقتة للمصالحة بين الأطراف المتصارعة أو آلية لتقاسم السلطة، وإنّما باعتباره محاولة للإجابة عن أحد أعمق الأسئلة التي تشغل منطقة على صفيحٍ ساخن. فبينما تُطرح حلول كثيرة من بوابة القوة العسكرية أو الترتيبات الجيوسياسية، يطرح المفكر عبد الله أوجلان مفهوم الاندماج الديمقراطي كتصوّرٍ مختلف ينطلق من المجتمع نفسه لا من موازين القوى المفروضة عليه.

الاندماج الديمقراطي لا يكتمل إذا اقتصر على كونه وسيلة لإنهاء الحروب أو إدارة مرحلة ما بعد الحرب. فالأهمية الحقيقية لهذا المفهوم تكمن في أنّه يُطرح كحلٍ لأزمةٍ أعمق تعيشها منطقة الشرق الأوسط منذ أكثر من قرن. فمعظم دول المنطقة نشأت ضمن نموذج الدولة القومية المركزية التي سعت إلى توحيد المجتمع تحت هوية سياسية وثقافية واحدة، باعتبار أنّ التجانس شرط للاستقرار. لكنّ الواقع أثبت أنّ المجتمعات في الشرق الأوسط أكثر تنوعًا وتعقيدًا من أن تُختزل في هويةٍ واحدة أو لغة وقومية واحدة أو مركز سياسي واحد. فمع مرور الوقت تحوّلت مساعي صهر هذا التنوع إلى أحد مصادر التوتر الدائم. فكلّما جرى إنكار الخصوصيات القومية أو الدينية أو الثقافية، عادت الأزمات إلى الظهور بأشكال مختلفة، تارةً في صورة احتجاجات سياسية، وتارةً  على شكل نزاعات أهلية، وتارة أخرى عبر صراعات مسلّحة طويلة الأمد. ولذلك فإنّ السؤال الذي يواجه المنطقة اليوم لا يتعلّق فقط بإنهاء الحروب القائمة، بل بإعادة النظر في الأسس التي أعادت إنتاج هذه الحروب جيلًا بعد جيل.

من هنا؛ تبرز أهمية الاندماج الديمقراطي بوصفه بديلًا عن منطق الهيمنة الذي حكم المنطقة لعقود. فهو مفهوم لا يسعى إلى إنتاج أكثرية تفرض إرادتها على الآخرين، ولا إلى إقامة توازن مؤقت بين القوى المتصارعة، بل إلى بناء عقدٍ اجتماعي جديد يقوم على الاعتراف المتبادل والشراكة السياسية والمواطنة الحقيقية. الواقع يثبت أنّ المجتمعات لا تستقر عندما تفرض عليها الوحدة بالقوة، بل عندما تجد نفسها ممثلة ومعترف بها داخل الفضاء السياسي المشترك. كما أثبتت تجارب العقود الماضية أنّ الخرائط قد تتغير، وأنّ موازين القوى قد تتبدل، لكنَّ الاستقرار لا يولد من فوهة السلاح، ولا من الترتيبات المفروضة من الخارج، بل وحده المجتمع قادر على تنظيم تنوّعه ديمقراطيًا، وهو القادر على حماية نفسه من التفكك ومن التدخلات الخارجية التي تستثمر فيه عبر الانقسامات والنزاعات المتواصلة.

لا يمكن أن نعتبر مشروع الاندماج الديمقراطي مشروعًا للسلام فقط، لكونه مشروعًا لحماية المجتمع ذاته ونقل مركز الثقل من القوة إلى السياسة، ومن الإقصاء إلى المشاركة، ومن إدارة الأزمات إلى معالجة أسبابها البنيوية، كما يُعتبر مفهومًا يُعيد صياغة البنية الاجتماعية ويُنظّم مجتمعًا أكثر قدرة على التماسك والاستمرار.

الاندماج الديمقراطي لا يمكن أن يكتسب معناه الحقيقي دون التوقّف عند موقع المرأة داخل هذا التحوّل. فالقضية لا تتعلق بزيادة نسبة تمثيل المرأة في المؤسسات وإشراكها في عمليات السلام فحسب، بل ترتبط بطبيعة المجتمع الذي يراد بناؤه بعد انتهاء الصراعات، وذلك لأنّ معظم الحروب في الشرق الأوسط لم تكن مجرد صراعات على السلطة أو النفوذ، بل كانت انعكاسًا لبنى اجتماعية هرمية قامت تاريخيًا على الإقصاء وتركيز السلطة في يد فئاتٍ محددة، سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو الجندري. لذا فإنّ أيَّ مشروعٍ يسعى إلى تجاوز منطق الحرب لا يمكنه الاكتفاء بإعادة إنتاج العلاقات ذاتها التي سبقت الحرب بل يجب أن يشمل مخلّفات الحرب ويقتلع المشكلة من جذورها.

إنّ أيَّ عملية سلام تعمل على إعادة السلطة إلى النخب نفسها، وتبقي المرأة على هامش الحياة السياسية والاجتماعية، لن تؤسس لتحوّلٍ حقيقي، بل ستكون بمثابة تأجيل انفجار التناقضات إلى مرحلةٍ لاحقة. لذلك فإنّ مشاركة المرأة ليست قضيةً حقوقية منفصلة عن مشروع الاندماج الديمقراطي، بل هي جزءٌ من بنيته الفكرية والسياسية.

لو نظرنا في تاريخ الثورات أو مراحل النزاع سنجد النساء أكثر الفئات انخراطًا في إعادة بناء الروابط الاجتماعية التي مزّقتها الحروب، وبينما تنشغل القوى المتصارعة بحسابات النفوذ والسيطرة، تعمل النساء في كثير من الأحيان على استعادة الحياة اليومية للمجتمع، من التعليم والرعاية الاجتماعية إلى مبادرات الحوار والمصالحة المحلية. لهذا فإنّ حضور المرأة في عمليات بناء السلام يعكس حاجة المجتمع نفسه إلى طاقات وخبرات ظلّت مهمّشة لعقود طويلة، كما يعيد دورها التاريخي إليها كطليعة مجتمع نسجت ثقافته بيديها وربّت أجياله على قيم التسامح والعدالة.

في الحالة السورية، يكتسب هذا الدور بُعدًا إضافيًّا. فقد دفعت المرأة السورية أثمانًا باهظة خلال سنوات الأزمة، فبقدر ما كانت ضحية حرب، كانت فاعلة في ميادين متعددة، من العمل المدني والإدارة المحلية إلى المبادرات المجتمعية وصناعة القرار وحماية حدودها ومجتمعها عسكريًا. كما برزت تجربة المرأة في شمال وشرق سوريا، حيث قدّمت نموذجًا مختلفًا لدور المرأة في المجال العام بوصفها شريكةً في صياغة السياسات وإدارة الشأن العام.

من هذا المنطلق؛ يمكن القول بأنّ نجاح الاندماج الديمقراطي يقاس أيضًا بقدرته على تفكيك أشكال التهميش كافة، وليس فقط تلك المرتبطة بالقومية أو الدين أو الانتماء السياسي. فالمجتمع الذي يعجز عن دمج المرأة في الحياة العامّة سيجد صعوبةً في بناء نموذجٍ حقيقي للاعتراف المتبادل والشراكة الديمقراطية. لذلك فإنّ قضية المرأة ليست ملفًا جانبيًا في مشروع الاندماج الديمقراطي، بل أحد المعايير الأساسية التي تكشف مدى جدّية هذا المشروع وقدرته على إحداث تحوّلٍ فعلي في بنية المجتمع.