الحماية الذاتية في الحضارة الديمقراطية – روبارية فيصل حسين
الحماية الذاتية في الحضارة الديمقراطية

“الدور الرئيسي للمرأة في أن تكون فعّالة في كافة الساحات
وخاصة ساحة الحماية الذاتية بمعنى المجتمعية.
ثقتنا بأنفسنا يخلق منّا شخصية حرة الإرادة،
فالشعوب عندما تقرر أن تعيش حرة وتنفض عن نفسها غبار العبودية
والذل والاستسلام، يكون النصر حليفها في نهاية المطاف”
روبارية فيصل حسين
الحماية الذاتية هي حماية حق الحياة والذي يعتبر حق جميع الكائنات، فكل كائن حي على وجه الأرض يوجد له أساليب الحماية الذاتية من جميع العوامل البيئية التي تحيط به وتشكل خطراً على حياته. كل حسب البيئة الموجودة فيها، كذلك البشرية توجد لديها حماية ذاتية منذ القديم واستخدمت اساليب عديدة للحماية لكي تحظى بالحياة وتحمي نفسها من جميع العوامل التي تهدد حياتها. وبعد مرور العالم عبر العصور وإلى يومنا هذا تخلصت البشرية من العديد من العوامل التي كانت تهدد حياتها باستخدام وابتكار واختراع ادوات وطرق الحماية.

فدخول العالم في مراحل عديدة ومنذ عصور ليست بالبعيدة إلى نظام آخر، وهو قيام البشرية بحماية نفسه من البشر أي أصبحت البشرية هي التي تهدد حياة الإنسانية. ففي البداية بدأت القبائل تتصارع القبائل ومن ثم الدول، وهكذا إلى أن تفشت هذه الظاهرة بين البشرية. وذلك في سبيل الحصول على أكبر قدر ممكن من المكتسبات سواء أكانت شرعية أو غير شرعية، ولا سيما عند ظهور الدولة القومية التي قامت بدورها بإبادة الشعوب الموجودة في المنطقة منذ آلاف السنين والتنكيل بهم وتعرضهم للعديد من المجازر والإبادات وفرض نفسه في هذه الدولة على أنه الشعب الوحيد في المنطقة.
الدولة القومية
الدولة القومية هي الدولة العنصرية وتفضل أبناء القومية الأغلبية على بقية أبناء الثقافات الأخرى وخاصة في الدول الأوربية، في العصور الماضية كان يوجد لديهم عنصرية بشكل كبير جداً. حيث كان يميز بين شكل الإنسان ولون بشرته واستخدام البشر كعبيد وبيع وشراء البشر والتعامل معهم كتعامل الحيوانات أو أكثر ربما لم يتعاملوا مع الحيوانات بهذه الطريقة.
والعبودية كانت منتشرة في الكثير من المناطق وبين القبائل، والنساء كن يعانين بشدة من هذه القيود المفروضة عليهن حيث كانت تُختم على أكتافهن بأختام أسيادهن ويتم بيعهن وشراءهن مثل الحيوانات، وهذا الختم يبقى متلازمة معهن حتى وفاتهن لقد عانت المرأة بشكل كبير جداً في هذه الحقبة من الزمن الكثير من المعاناة والاستصغار من جنسها.

وعند قيام الدولة القومية والتمسك بقومية معينة وبتجاهل القوميات الأخرى تأسست الدولة الدكتاتورية الاقصائية لأن الطبيعة البشرية تحب الذات وتفضل نفسها على غيرها، وهذا شائع بين جميع البشر لذلك نرى دائماً وفي أي دولة سواء أكانت في الدول الأوربية أو في الشرق الأوسط الفئة الأكثر أو الأقوى التي لا تتعاطف مع الفئة الأقل منها، على العكس تماماً يتم اضطهادها وتجاهلها وإقصائها وبناء نفسها على حساب الفئات الأخرى الموجودة معها في نفس الدولة. وخاصة إذا كانت هذه الفئة أو القومية هي ذات حضارة وثقافة وتاريخ حيث أن تاريخها يكون أقدم من تاريخ القومية الحاكمة، ففي هذه الحالة تقوم القوميات الحاكمة بشتى أنواع الإبادات والقتل والظلم ونشر الجهل وانحلال هذه الفئة لإبعادها عن هويتها وثقافتها وتقليل أعدادها لعدم إمكانية المطالبة بحقوقها وأيضاً قتل وسبي نسائها وأطفالها.
وان ما سعت الدولة القومية إليه ورسمت وجودها هي بروز الصناعة الرأسمالية كونها الشكل الأنسب والأكثر مرونة في تلبية حاجات ومصالح الرأسمالية وبذلك أصبحت أوروبا تقود الحضارة الإنسانية، ولم تكتفي بتصدير بضائعها إلى العالم وإنما استعباد ثقافتها وشكل الحكم فيها عن طريق البعثات والتجار والجيوش.
لذلك نرى أول المتأثرين بالنظرية القوموية وما سعت في نجاح هذا الأمر هو توفر البيئة القومية الملائمة في الشرق الأوسط وذلك بوجود شعوب تتمتع بخصائص تميزها عن باقي الشعوب المتواجدة، فكان الفارسي يتميز بالفارسية والعربي بالعروبية والكردي بالكردية قبل أن تتشكل الدولة القومية في أوروبا.
مهما يكن فإن الدولة القومية تشكلت في الشرق الأوسط واتخذت النموذج الغربي من حيث الشكل والدستور والهيكلية ولم تجلب لسكانها سوى المزيد من الآلام والنكبات والأزمات والتعاسة والحزن إذ انشغلت معظم الكيانات القائمة بمعارك داخلية وخارجية أنهكت المجتمع وأشعرت الفرد بعدم الانتماء.
لا نبالغ إذا قلنا إن أغلب المسائل الإنسانية يمكن حلها في فهم واستيعاب هذين المصطلحين (الدولة – القومية). كما أن المفكر عبد الله أوجلان في مرحلة تعمقه الفكري داخل سجن إمرالي قدم تقييماً وتحليلاً علمياً لكل من هذين المصطلحين.
فظاهرة الدولة القومية وماذا يعنيان للإنسانية وتوقف عليها بشكل جدي ودقيق كما أكد ذلك العديد من علماء الاجتماع بان الدولة والقومية هي الواقعة التي اوصلت القضايا الإنسانية ولا سيما المرأة إلى وضع معقد وأن عواقب هذه العقدة واضحة للعيان وخاصة ما يعاش من قضايا صعبة ومعقدة في الشرق الأوسط على وجه الخصوص وأن حلها يكمن في أخذ هذه العواقب على محمل الجد والبدء بمحاولة إيجاد الحلول المناسبة والصحيحة لها.
إن حقيقة هذه المصطلحات الحقت بالإنسانية آلاماً فظيعة، ولكن مع وصول الإنسانية إلى مستوى كبير من الوعي والمعرفة عبرت عن قدرتها لتجاوز هذه الآلام والمعاناة وذلك لتحقيق ذهنية الأمة الديمقراطية، ولهذا يجب أن يتم تشخيص هذه المصطلحات واستبدالها بمصطلح الدولة الوطنية.
وعلى الرغم من كل هذه المجازر والتنكيل إلا أن الشعوب القديمة صاحبة التراث والحضارة تشبثت بأرضها وتاريخها وحضارتها وتراثها، ولا سيما المرأة ذات الحضارة التاريخية فهي تحافظ على وجودها وعاداتها وتقاليدها وكذلك في أساليب تربية أطفالها وحتى في طريقة لبسها التراثي.
وإلى يومنا هذا يوجد العديد من النسوة الكرد يلبسن الزي التقليدي محافظةً على هذا الإرث الحضاري؛ لأن الدول القومية حاولت وتحاول جاهدة على أن تنزع الثقافة التاريخية والإرث التقليدي لهذه الشعوب وانتزاعها من جوهرها.
الحضارة الديمقراطية
لذلك فإن الحضارة الديمقراطية تنبثق منها أساليب الحماية الذاتية والحفاظ على الوجود الحضاري للشعوب، فإن الحضارة الديمقراطية تمنح كافة الشعوب حق الحفاظ على تاريخها وثقافتها وكيانها والتكلم بلغة الأم وهذا أرقى أنواع الحضارات وهي التنوع.
وبطبيعة الإنسان هذا التنوع البشري موجود من حيث أنه يعطي للعالم الجمال والبهجة والعيش المشترك وعدم التفريق بينهم لا من حيث الجنس ولا اللون ولا الدين، بالتالي احترام الشعوب يخلق الألفة والعيش بسلام وأمان، وعلى نقيض ذلك فإن الدولة القومية ذات الذهنية السلطوية التي تقوم بفرض فكرها وجبروتها على الشعب والتي ترفض بشتى الوسائل الاختلاف في الرأي وهذا الأسلوب السلطوي هو أسلوب معاكس لخصوصية المرأة التي هي بدورها تتمتع بالمشاورة وأخذ آراء من حولها فهي الحاضنة للمجتمع.
لذلك فإن الدولة القومية أول شيء قامت به هو محاربة المرأة بشتى الوسائل إلى أن حولت منها سلعة تباع وتشترى وهذا ما خلق لدى المرأة عبر مرور العصور إلى أن حولتها إلى كائن تابع للرجل لا دور لها ولا مكانة ولا وجود بحيث أصبحت هي راضية عن هذه المكانة التي وضعت فيها وتعايشت معه ولكن هذا ليس بالنسبة لجميع النسوة المضطهدات في اوطانهم.
فلسفة الحرية
لقد قامت العديد من النساء بفضل فكر وفلسفة رفيق المرأة والمفكر عبد الله أوجلان المبنية على مفهوم الحضارة الديمقراطية بكسر مفهوم الدولة القومية والحداثة الرأسمالية التي اخرجت المرأة من جوهرها الحقيقي وبدأت بالنضال وخوض حرب الشعب الثورية لمحاربة هذا الكيان وإعادة المرأة إلى جوهرها الحقيقي ذات القوة والعاطفة والحكمة والاحتواء والمشاركة في حماية الشعوب.
لقد قامت المرأة ضمن هذه الفلسفة بكسر جميع قيود العبودية وشاركت في جميع مجالات الحياة السياسية والاجتماعية ولا سيما العسكرية التي كانت إحدى أقوى القوات التي حاربت التنظيمات الإرهابية التي كانت تقوم بسبي النساء وبيعهن وشرائهن واصبحت رمزاً عالمياً وأكبر قوة وغلبت أقوى تنظيم شرس ولا إنساني.

نعم إن الحضارة الديمقراطية أعادت للمرأة حقها وأثبتت المرأة وجودها وقدرتها في قيادة الشعوب من خلال تواجدها في جميع مجالات الحياة السياسية والعسكرية والاجتماعية والثقافية جنباً إلى جنب الرجل وخلق نظام الرئاسة المشتركة لإدارة البلاد.
وعلى الرغم من وجود هذه الفلسفة وهذا الفكر وقيام العديد من النسوة بخوض هذه الحرب والحصول على العديد من الحقوق والمكتسبات وإعادة مكانة المرأة وهيبتها الحقيقية، إلا إنها لا تزال غير كافية وأن هجمات الإبادة لا تزال متواصلة على المرأة بشتى الوسائل المشروعة والغير مشروعة.
حيث يتم حاليا للنيل من المرأة عن طريق الحرب الخاصة التي تحاك ضدها من قبل النظام الرأسمالي لتجريدها من جوهرها ولكن هذه المرة بأساليب وطرق أخرى أكثر حداثة وذلك من خلال ضرب القاعدة المجتمعية من خلال نشر أفكار غير أخلاقية والبعيدة كل البعد عن ماهية المرأة عن طريق وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي بشكل مباشر وغير مباشر.
لذلك، يجب على المرأة أن تقوم بالثورة النهضوية والاستيقاظ لمحاولة الإنقاذ ما يمكن انقاذه لأن هذه الحرب هي أخطر أنواع الحروب التي تحاك ضد المرأة والمجتمع والذي يقوم بهدم البنية والركيزة الأساسية في المجتمع لإعادة سيطرتها وهيمنتها من جديد.
حرب الشعب الثورية
وبمقومات حرب الشعب الثورية استطاعت شعوب اقليم شمال وشرق سوريا التصدي لهجمات ومخططات مرتزقة داعش من جهة والدولة التركية من جهة أخرى، إلى جانب إفشال مخططات ومؤامرات الكثير من الأحزاب الساعية إلى إفشال المشروع الديمقراطي التي تتبنى تلك الشعوب، حيث أن هذا المشروع مبدأه الأساسي هو اشراك المرأة في جميع مجالات الحياة السياسية والاجتماعية والعسكرية.
فالمرأة قامت بالوقوف في صف الرجال بالدفاع عن مناطقها وكرامتها ورفضت أن تكون ضحية لهذه المؤامرات كما شاركت في المجالات السياسية والإدارية بشكل فعال وملحوظ وأصبحت رمزاً عالمياً حيث أوضحت للعالم واثبتت أن المرأة لها القدرة في أن تمثل شخصيتها المتحررة في كافة المجالات وأن تحرر الرجل أيضاً من تلك الذهنية السلطوية الذكورية.
فكما يتم القول بأن المرأة تقف بجانب الرجل كي تكون متساوية معه، هذا المنظار أكبر خطأ، لأن المرأة تملك ذاك المنظار بان تتساوى مع الرجل ليس بالوقوف الشكلي أو بمعنى آخر الوقوف الجسدي، إن كانت في ساحات القتال أو في صفوف الحماية الجوهرية أو ضمن قوات الأمن. فالعقد الاجتماعي الذي تم إصدار المادة 25 في قبول التساوي بين المرأة والرجل في الحقوق المشروعة لهي بالنسبة لكافة النساء خطوة تاريخية.
من غاية الأهمية أن نطرح الموضوع من هذا الجانب ألا وهو على الرجل أيضاً التخلص من رواسب تلك الذهنية السلطوية التي تستغل طاقته المجتمعية والإنسانية نحو الهلاك. إذاً القضية ليست قضية المرأة فحسب، بل هي قضية مجتمعية وإنسانية.
فالتجربة التي عشناها هنا وبشكل حي أنه؛ أثبتت المرأة أيضاً جدارتها في المجال الإداري وتم إنشاء ما يسمى بـ “الرئاسة المشتركة” وهي أول تجربة عالمية لم يسبق لأي بلد قام بتطبيقها. بأساليب سفسطائية لا نستطيع حل المعضلات العويصة التي تحدث بين المجتمعات والشعوب على حدٍ سواء. فلغة الحوارات الديمقراطية ونشر روح السلام، هي الحلول الجذرية لكافة النزاعات والصراعات والقضايا العقيمة، وخاصةَ حين تكون القضية عالمية وشاملة وغير مختصة بقضية شعب واحد أو قومية واحدة. وبطبيعة الحال هناك العديد من الحروب وأهم هذه الحروب هي التي تم فرضها على الشعوب المطالبة بحقوقها المشروعة في الحياة الآمنة والمسالمة.
شَهِد العالم الكثير من الحروب وحصدت أرواح عشرات الملايين من البشر وخلفت كوارث بيئية واقتصادية التي أدت إلى القضاء على الكثير من الشعوب الأصيلة في الكثير من المناطق، ولا سيما في مناطق الشرق الأوسط مهد الحضارات العريقة الميتانية والفارسية والسومرية والفينيقية…الخ.

حيث فرضت على هذه المنطقة من قبل القوى العالمية ولا تزال إلى يومنا هذا يسمى بـ السيطرة المطلقة، لذا نراها مستمرة في خلق المزيد من النزاعات المذهبية والطائفية والعرقية بين شعوب المنطقة. ولكي تتخلص الشعوب من هذه الحروب وتبعياتها السلبية، على مجتمعاتها توجهت إلى خوض نوع مختلف كلياً عن هذه الحروب وهي حرب الشعوب الثورية التي تشارك فيها المرأة بشكل فعال وقوي.
حيث تعتمد حرب الشعب الثورية على استراتيجية عسكرية طويلة الأمد. وأهم مقوماتها تأتي في الاعتماد على الذات بالدرجة الأولى والصمود والمقاومة ضد أي نوع من الاعتداء مهما كان والتشبث بالأرض ومقاومتها والدفاع عنها بكل ما أوتي من قوة.
حيث يتم ذلك من خلال تنظيم الجماهير الشعبية بمشاركة المرأة ودورها الفعال المنظم وكذلك الشبيبة وتدريبهم بشكل مكثف على كيفية استخدام السلاح الفردي، بالإضافة إلى عملية البناء الفكري والتمسك بالأرض والدفاع عنها حتى آخر رمق في مواجهة الأعداء. حيث تبنى العديد من الأحزاب السياسية شعار “حرب الشعب الثورية” في مناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية، واعتمدت شعوب إقليم شمال وشرق سوريا على حرب الشعب الثورية وحقوق المرأة والحفاظ على كيانها وحضارتها، ومواجهة العدوان من العديد من الجهات التي تكاتفت من أجل إفشال هذه التجربة المميزة وهي لا تزال في بدايتها.
المجموعات المسلحة
كانت المجموعات المسلحة التي تدعم من الخارج إلا أنها تحولت إلى أقوى تنظيم إرهابي وقيامهم بأبشع هجوم وحشي عبر التاريخ ضد مناطق عدة وأولها منطقة شنگال، حيث ارتكبت فيها أبشع أنواع جرائم الحرب ضد الإنسانية ولا سيما على النساء اللواتي أصبحن فريسة سهلة لهذا التنظيم الوحشي اللاإنساني. ولكن هذه الضربة التي حولت المنطقة إلى خرابة تم اعادتها إلى الحياة من جديد بفضل فلسفة حرب الشعب الثورية وبقيادة المرأة. حيث تم تشكيل قوى عسكرية بمشاركة المرأة وذلك لحماية المنطقة من جديد بعد أن تم تحريرها من الإرهاب وإدراك هذا الشعب أن “لا حياة بدون مقاومة والحماية الذاتية”.
ومن خلال حرب الشعب الثورية الذي اعتمدها الشعب في هذه المناطق، فقد تحقق النصر على مرتزقة داعش وتم تحرير الأراضي من رجسها عسكرياً وبتعاون مع قوى المرأة التي واجهت هذا العدوان بكل قوة وجسارة. حيث تم تكبيد العدو التركي خسائر فادحة على نهج حرب الشعب الثورية وأجبرته على التراجع في الكثير من المواقع الجغرافية، وحدت من طموحاته فيما لا تزال المقاومة مستمرة وبالنهج ذاته في المناطق التي احتلها الاحتلال التركي ومرتزقتها.
كما أن حرب الشعب الثورية تهدف إلى تكاتف الشعوب والوقوف إلى جانب قواتها العسكرية في الظروف والأوضاع كافة وتقوم بحماية مناطقها، وتم تطبيق ذلك عملياً على أرض الواقع ويتم ذلك التنظيم والتكاتف غالباً من النساء وكيفية التكتيك والتنظيم أثناء الحروب لمساندة القوات العسكرية. منهم من يقوم بتنظيم مكان الإيواء وخاصة تأمين أماكن آمنة للأطفال والمرضى والشيوخ وتقديم الخدمات الصحية لهم والرعاية، ومنهم من يقوم بإعداد وتجهيز الطعام واللوجستيك للقوات العسكرية المقاتلة. للمرأة دور كبير في مساندة القوى العسكرية ناهيك عن النساء اللواتي يقاتلن في صفوف المقاتلين وكذلك نساء الحماية الجوهرية اللواتي يحافظن على أمن المنطقة المتوترة ومنع حدوث الفوضى والفلتان الأمني.
ومثال على ذلك، الحروب التي أجريت في مناطق شمال وشرق سوريا حيث أبدت المرأة في تلك الحروب تكاتفها ومقاومة باسلة وذلك من خلال تنظيم ذاتها وفق حرب الشعوب الثورية فتكاتفن معاً حول قواتها العسكرية والأمنية أكبر مثال حي وستبقى في ذاكرتنا وذاكرة كل من عاش هذه الأيام العصيبة مقاومة حرب الشعب الثورية التي أبدأها شعبنا في عفرين موطن الزيتون والخيرات والثقافة والتاريخ. فمقاومة العصر التي دامت ثمانية وخمسون يوماً واستمرارها بمرحلة أخرى اليوم في مخيمات التهجير القصري هذا أكبر دليل على الإرادة الحرة القوية.
حيث أنها لم تلن ولن تنكسر أمام غطرسة المحتل التركي وكذلك اليوم في إقليم شمال وشرق سوريا يستمر لتحقيق مكاسب في ظل هجمات المحتل التركي والحصار المفروض والتدخلات الخارجية ومساعي كثيرة من الأطراف لإفشال مشروعها الديمقراطي الذي أصبح شوكة في حلق الرأسمالية والديكتاتورية والقومية.
الحل الأمثل “الحماية الجوهرية”
وبذلك أصبحت نظام وفلسفة “حرب الشعب الثورية” بأنها الوحيدة والكفيلة لإحباط أي هجوم جديد أو احتلال للمنطقة، كما يتوجب تعزيز هذا الروح والاستمرار في تلاحم الشعوب مع قواتها العسكرية والتشبث بالأرض والبقاء صامدين مدافعين عنها، وعدم ترك البلاد للعدو لتحقيق أطماعه والنيل من شعوب المنطقة. وكما يجب أن يتم ذلك عن طريق المرأة التي أصبحت الهدف الأساسي للعدو التركي للنيل منها بشتى الوسائل؛ لذلك فإن حرب الشعوب الثورية ومن خلال تنظيمها بشكل أكاديمي ووفق مقاييس الحماية الجوهرية بدءً من الحارات والكومينات والنواحي والمجالس والمقاطعات، وحتى إن تطلب القيام بالتنظيم ضمن العوائل والعشائر والقبائل والقرى وحتى المناطق الصحراوية البدوية.
فنحن نرى وأمام العيان بأنه كيف بين ليلة وضحاها يتم إبادة المئات والآلاف من البشر. أنها مأساة العصر بأن تبقى الشعوب بلا حماية ذاتية وجوهرية. جميعنا نحتاج للأمان والسلام والمحبة والتوافق الاجتماعي، ولكن النظام العالمي الرأسمالي والقوة السلطوية لن تتوقف ولو لوهلة في استغلال كافة المناطق الجغرافية والاجتماعية والثقافية والجيوسياسية وخاصة السيطرة على الموارد الاقتصادية.
من هنا، يأتي الدور الرئيسي للمرأة في أن تكون فعالة في كافة الساحات وخاصة ساحة الحماية الذاتية بمعنى المجتمعية. كلما زادت ثقتنا بأنفسنا قللنا من اعتمادنا على الغير واقتربنا من تحقيق النصر وهذه هي الحقيقة الواقعية الموجودة. فالشعوب عندما تقرر أن تعيش حرة وتنفض عن نفسها غبار العبودية والذل والاستسلام يكون النصر حليفها في نهاية المطاف.
وقد أثبتت تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا هذه الحقيقة بشكل ساطع. مر عقد من الزمن وما تزال هذه المعجزة واقفة على قدميها وتحقق المزيد من المكتسبات لشعوبها على الرغم من إحاطة الأعداء بها من مختلف الجهات، كإحاطة السوار بالمعصم، إلا أن شعوبها ولا سيما المرأة قررت الاستمرار في خوض تجربتها بعيداً عن ذهنية الدولة القومية وإدارتها العميقة والاعتماد على قواها الذاتية في حماية قراراتها المصيرية، هذه الثورة المجتمعية هي التي خلقت قيماً حرة متماسكة بأخلاقها السياسية.
