القرن الواحد والعشرين قرن حرية المرأة – مولودة إيبو

 

القرن الواحد والعشرين قرن حرية المرأة

“المرأة في القرن الواحد والعشرين تُمثّل

نموذجاً للتحدّي والنجاح، ورغم كل الصعوبات التي تواجهها

تواصل السّير نحو مستقبلٍ أفضل، وبناء مجتمعٍ أكثر عدلاً وتقدماً،

وإنّ دعم المرأة وتمكينها هو السبيل لتحقيق

التنمية المستدامة والازدهار في العالم”

مولودة إيبو

المرأة التي كانت ومازالت حاضرة في جميع كِتابات الشعراء والأدباء والفلاسفة والمفكرين، ورغم أنّ الأنبياء أوصوا بها خيراً في أحاديثهم إلا أنّ العقلية الذكورية والعادات والتقاليد البالية حطّت من شأنها منذ القدم، فعندما ننظر إلى المجتمع والأزمات القائمة، نجد أنّ المرأة هي من تدفع ثمن كل هذه الانجرافات، فكانت المستعمرة الأولى التي تم استعبادها وسلب حقوقها بأشنع الأساليب التي همشت دورها الأساسي في بناء الحياة المجتمعية. بالرغم من أنّ المرأة تعاني من العبودية المفروضة عليها عالمياً، إلا أنّها ناضلت وضحّت بالغالي والنفيس من أجل أن تبني هذه الحياة، فهي الحياة بذاتها.

لو نظرنا إلى حقيقة ما يجري على أرض الواقع، وما يُرتكب بحق المرأة تحت مسميات عديدة، منها جرائم تحت غطاء الشرف وغيرها، نجد بأنّها مجازر مفتعلة يُشرّع لها القانون والتشريعات. والسؤال الذي يطرح نفسه؛ من الذي يشرع هذه القوانين؟ هل للمرأة رأيٌ بهذه القوانين؟ هل هي من تقرر مصيرها؟ هل شاركت في وضع هذه القوانين؟

مع بداية البشرية والمرأة صاحبة دور فعّال في بناء الحياة، ففي المجتمع الطبيعي – البدائي لم يكن الرجل سوى مساعد لها، كونه لم يمارس سوى الصيد الذي مكّنه من فنّ الخداع والمكر، كما كان يجهل كينونة المرأة وسر إبداعها في البداية، بالإضافة إلى دورها في الإنجاب فوصفها بآلهة الخلق والإبداع والجمال والبركة والعطاء، فهذه الصفات الحقيقية كان لها الفضل في بناء مجتمع حر تسوده المساواة والعدالة الطبيعية. إنّ المجتمعات التي اعتمدت على القوانين الاجتماعية وفق المبادئ الأخلاقية كأساس لها عملت على بناء مجتمع متماسك وأخلاقي.

لكن ماذا حدث؟ كيف تغيّرت النظرة للأم والمرأة العالمة المبدعة في فنون الحياة إلى نظرة الانحطاط. إنّ الرجل الذي تمرّن على فن المكر والخداع كانت المرأة أول فريسة له، فسلب دورها الفعّال في نشأة الحياة وحطّ من أمرها إلى أن وصفها بالمشعوذة ومسميات أخرى، ليفرض سلطته باسم الآلة ويربط سر الحياة بسلطته وكأنه ضرورة لاستمرار البشرية، كما ذكرت بأنّها أول مستعمرة تم استعبادها على يد الرجل الماكر رغم نضالها المتواصل ضد الذهنية الذكورية السلطوية، إلى يومنا هذا لا تزال المرأة تدفع فاتورة الانكسارات التي تعرضت لها على يد الرجل عبر التاريخ البشري.

هل هذا كان من مصلحة الرجل أم أنّه أيضاً كان ضحية للنظام الأبوي الذي آمن به؟ بات الرجل خادماً مطيعاً لهذه الذهنية الاستبدادية وتغافل عن الحقائق وأنكرها وتمسك بقوانين وعادات وتقاليد وشرائع مفروضة على المرأة. ساعد في تطبيق كل مؤامرة على المرأة دون أن يعي بأنّ فقدان حرية المرأة يعني فقدان حرية المجتمع وتجريده من إنسانيته واستعباده، ذلك لأنّ الإنسان العبد لا يخلف أحراراً بل عبيداً. هنا أريد أن أسال الرجل فيما إذا كان يدرك معنى الاستعمار؟ وما هي التفرقة والعنصرية؟ باعتقادي الرجل لم يعرف بعدُ هذه المفاهيم.

إنّ العنصرية والتفرقة لا تنتج عنهما عدا الفتنة والكراهية، والتمييز على أساس الجنس لم يجلب معه سوا الحقد وتفكيك المجتمعات، كما ولّدت مصالح ضيّقة نابعة من أنانية الرجل والابتزاز الجنسي ضد المرأة والمجتمع. على الرغم من أنّ الذهنية الذكورية وصفت المرأة بأنّها “مدرسة إذا أعددتها أعدت شعباً طيب الأعراق” ولكنّها بقيت مجرد شعارات رنانة، فمعاناة المرأة اليوم تثبت ازدواجية المواقف، ذلك لأنّ النظام الذكوري أحادي الذهنية والمنطق لا يمكن أن يكون نظاماً عادلاً مهما كان اسمه ومهما كانت شعاراته ملونة، حيث يتظاهر بالحب ويتغنى بإبداعاتها وبمجرد الوصول إلى مآربه تسقط أقنعته ويظهر على حقيقته.

نرى العدالة الاجتماعية الحقيقية فقط في المجتمعات التي لم يتحكم بها الرجل. عندما تكون المرأة صاحبة القرار والإرادة تعطي دون أن يكون لها حسابات شخصية أو مصالح. هناك أمثلة عديدة عن النساء اللواتي ظهرن خلال حقبات تاريخية طويلة من الكفاح والمقاومة كـ: زنوبيا، كليوباترا ملكة مصر، حتشبسوت، ضيفة خاتون، سميراميس، روزا لكسمبورغ، ماري كوري، مارغريت تاتشر، ساكينة جانسيز، أنجيلا ديفيس، جميلة بوحيرد، والعديد منهنَّ تم اغتيالهن على يد السلطة الذكورية. كما يطلق عليهن أوصافاً ذكورية لا تليق بمسيرتهن المشرّفة.

خلال تاريخ طويل من العبودية، الممتد لخمسة آلاف عام، نرى أنّ لكل حضارة من الحضارات طرق شنيعة لتقليص دور المرأة الفعال في قيادة المجتمعات، فالحضارة الهندية أحرقتها، والجاهلية دفنتها، والبابلية أغرقتها، والإقطاعية نكرتها باسم الشرف،  والبرجوازية التي ألبستها ثوباً مزركشاً ووصفتها بالحرة تغاضت عن إنسانية المرأة وإرادتها وفكرها.

الأهم من كل هذا؛ يجب أن تتعرف المرأة على ذاتها لتكون صاحبة القرار في الحياة النِديّة الحرة، بحيث تتمتع بإرادة حرة وتعيد دورها المحوري في الحياة بكل معنى الكلمة، ولأجل الوصول إلى هذه الأهداف عليها أن تناضل وتعمل على تنظيم نفسها، ذلك لأنّ المرأة غير المنظمة هي مرأة غير قادرة على حماية نفسها وجنسها. بالوعي فقط يمكنها القيام بالتحليل الصحيح لمبادئ الحياة الندية الحرة والنضال من أجله، وإنّ الحرية تأخذ ولا تعطى، وكي نصل إلى المفهوم والتعريف الصحيح للحرية علينا أولاً معرفة التاريخ من كافة جوانبه السياسية والاجتماعية، والاقتصادية والثقافية والوطنية.

المرأة الواعية التي تعي ذاتها ومجتمعها قادرة على فهم الحرية واستيعابها، وتستطيع لعب دورها بشكل فعال في كافة مجالات الحياة، لا نقصد تربية الأطفال والإنجاب وإنّما مشاركة فعالة في أداء مسؤولياتها إزاء مجتمعها. هناك مقولة مشهورة عن المرأة  “المرأة التي تهز المهد بيمينها، تهز العالم بيسارها ” لا شك أنّها حقيقة تُجسد قدرة المرأة في إدارة الحياة بأبهى صورة. عندما تم إقصاء المرأة عن أدوارها الأساسية أصيبت الحياة بالخمول، وبمشاركتها وفق جوهرها وتاريخها في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية وغيرها من الميادين تتحقق العدالة الاجتماعية وقد أثبت واقعنا ذلك.

المرأة في شمال وشرق سوريا عضوة فعّالة في ترسيخ الحياة التشاركية النديّة، وأثبتت أنّه بدون المرأة من غير الممكن تغيير الواقع الاجتماعي، وأنّ لها تاريخ حافل من العمل الدؤوب في هذا الصدد. نحن في القرن الحادي والعشرين والذي كان حاسماً في وضع حقيقة أنّه بدون تفعيل دور المرأة يكون المجتمع ناقصاً كجسد بلا روح، وذلك من خلال تجربة الشعوب من كافة النواحي السياسية والاجتماعية، والاقتصادية والدبلوماسية، والعسكرية في المنطقة.

المفكر الأممي عبد الله أوجلان قيّم حرية المرأة التي تصب في إطار نجاح الثورات وانتصارها، حيث أكد بأنّ المرأة مرتبطة بالحياة ويستحيلُ التفكيرُ في أنْ تتمكن أي جهة من أنْ تلعبَ دورَها ما لَم تحلِّلْ هذه الحقيقةَ وتُوَظِّفْها في سبيلِ الحرية، هذا ما أكده بقوله “المرأة جزء أساسي من الحياة، لكن عليها التأكد من ألّا تكون جزءاً شكلياً فحسب، بل تحرص على أن تكون فاعلاً واعياً ومسؤولاً.

النظام الذي تشارك فيه المرأة بلونها وهويتها كأنثى لها كيانها الخاص هو نظام مليء بالحياة، المرأة لا تقبل برسم الحدود ووضع المسافات بين النساء من جنسها على مبدأ اللون وطبيعة العمل والقومية، بل تأخذ روح الأمة الديمقراطية كمشروع لإزالة الفروقات الجنسوية السلطوية التي رسختها الرأسمالية في المجتمعات الهادفة لضرب المرأة أولاً وجعلها آلة ليس للإنجاب فقط بل لجعلها أداة حرب خاصة، واستخدمتها كمتعة جنسية عبر الترويج للأفلام الإباحية وزواج المتعة. لهذا نقول؛ بالمرأة الواعية فقط يمكننا الوصول إلى مجتمع مدني ديمقراطي حضاري.

على المرأة أن تكون صاحبة القرار والنضال من أجل كافة حقوقها، فهي ترسم ملامح الوحدة الاجتماعية بروحٍ وطنية، وبمسؤولية عالية تحمي وطنها في كافة القطاعات والمؤسسات سواءً الخدمية أو الإدارية، أو العسكرية لتكون بذلك قد بنت الشخصية اللائقة بالأم الآلهة التي وضعت أسس الحياة الندية البدائية في المجتمع الطبيعي، وتكون امتداداً لها في رسم خريطة مجتمع شرق أوسطي جديد، وبروح المسؤولية وبالوعي التام يجب أن تعمل على تأهيب وتدريب نفسها وكافة النساء على ذلك لبناء مستقبل مشرق.

ما نراه على الأرض الواقع مثال تنحني له القامة على عظمة المرأة التي تعمل على تغيير الحياة. المرأة التي كانت تختبئ خلف ستائر ولم تكن تتجرأ على إبداء رأيها، أصبحت ثائرة في كافة المجالات، وضحت لتكون اليوم قدوة وقائدة ومهندسة في بناء المجتمع وقامت بتغييرات لا يستهان بها. إنّ التطرق إلى تضحياتها وما أجرته من تغييرات في واقعها يستحق التبجيل، وهنا أريد أن أنوّه إلى أنّ المرأة في شمال وشرق سوريا التي كانت تلطم وجهها عند استشهاد أحد أفراد عائلتها باتت اليوم تستقبله بالزغاريد والرقص وهذا إن دل على شيء فإنّه يدل على الروح الوطنية العظيمة بداخلها.

تعمل المرأة جاهدة للتخلص من بقايا الذهنية الذكورية ومفاهيمها في شخصيتها، وتناضل أيضاً ضد الذهنية الرجعية التي تقتل المرأة تحت أسماء وحجج واهية. فاليوم تقف المرأة بعزم ضد كافة أشكال السياسات الشنيعة التي تُشرّع قتل المرأة وتعنفها وتذبذب نضالها، وتحاسب كل من يمس هويتها وكيانها عبر مبادئ أخلاقية ينص عليها قانون المرأة الذي صدر بأيادي نسوية.

أيضاً رفضت المرأة العادات والتقاليد البالية التي كانت تُفرض عليها كـ حيار النساء، قتلها تحت اسم الشرف، تعدد الزوجات، وكافحت بإراداتها للقضاء على العادات الرجعية كـ زواج القاصرات، واستطاعت بنضالها وإيمانها الحر محاربة كافة أشكال العنف الممارس بحقها تحت اسم الدين والقانون والشريعة، وبهذا تكون المرأة قد وصلت إلى مرحلة الوعي لتغيير المجتمع وبناءه على أسس الأخلاق والديمقراطية والعدل والحرية.

يتوجب على كل امرأة أن تتحرر من القيود السلطوية الجنسوية العنصرية التي تُقيدها للقضاء على كافة أنواع الفساد والفتنة، التخلف والفقر، الجوع والبطالة. بمشاركة المرأة في عملية البناء المجتمعي فقط يمكن تحقيق الحياة الندية التشاركية وبناء مجتمع ديمقراطي.

بهدف تطبيق مشروع المرأة الحرة خلال القرن الواحد والعشرين الذي يليق بتاريخنا العريق، يتطلب رفع مستوى النضال في سبيل القضاء على مؤثرات الرأسمالية والإقطاعية والكلاسيكية المورثة التي تتشابك داخل بعضها كخيوط عنكبوت، وبذلك يكون تنظيم المرأة ضمن تنظيمٌ نسائيٌ حر، وهنا يمكنني القول أيضاً أنّ المئات بل الآلاف من النساء ضحين بحياتهن في سبيل الوصول إلى الأهداف المنشودة المتمثلة بالمجتمع الحر.

المرأة في القرن الواحد والعشرين تمثل نموذجاً للتحدي والنجاح، ورغم كل الصعوبات التي تواجهها، تواصل السير نحو مستقبل أفضل، مساهمة في بناء مجتمع أكثر عدلاً وتقدماً، وإنّ دعم المرأة وتمكينها هو السبيل لتحقيق التنمية المستدامة والازدهار في الشرق الأوسط والعالم.