العقد الاجتماعي ركيزة أساسيّة لبناء سوريا الجديدة – نسرين الحسن
العقد الاجتماعي ركيزة أساسيّة لبناء سوريا الجديدة

“العقدُ الاجتماعي الذي جاءَ نتيجة تكاتف شعوب ومكوّنات المنطقة
بمختلف المذاهب والأديان، مُرتكِزٌ بكلّ بنوده
على روح وجوهر الأمّة الديمقراطيّة
التي تُمثّل جوهر النّضال الأخلاقي والاجتماعي في الشّرق الأوسط
ليس فقط في شمال وشرق سوريا“
نسرين الحسن
يُعدّ العقد الاجتماعي صلة وصل روحانيّة وتنظيميّة بين كافة مكونات المجتمع في شمال وشرق سوريا، مستنداً إلى الأخلاق قبل الأنظمة والقوانين، كما يساهم بشكل مباشر في حماية حقوق كافة المكونات والطوائف والمذاهب والأديان من خلال مجموعة من الآليات التي تضمن التمثيل العادل في الاعتراف بالتنوع الثقافي والديني. العقد الاجتماعي جاء نتيجة للتضحيات الجسيمة التي قدّمتها شعوب شمال وشرق سوريا للعيش في حرية وكرامة في مجتمع تسوده العدالة والمساواة ويضمن حقوق كافة المكونات من كرد وعرب وسريان وآشور وتركمان وأرمن وشركس وأيزيديين، ويؤكد على أنّ لكل مكون الحق في ممارسة لغته، ثقافته، وعقيدته بحرية لإقامة نظام ديمقراطي أخلاقي يُشكّل أساساً لبناء سوريا الجديدة من دون نزعة عنصرية أو تمييز أو إقصاء أو تهميش أي هوية.
صيغ هذا الدستور بمشاركة كافّة الفئات والشرائح من المنظمات النسائية والشبابية، ومنظمات المجتمع المدني والحقوقيين والمختصين “التكنوقراط”، والأحزاب السياسية والمؤسسات الدينية وغيرها من المؤسسات، والممثلين عن كافة المكونات ذلك لضمان وصون حقوقهم وعدم إقصاء أي جهة وتمثيل كافة الشرائح في هذا الدستور الذي يُعدّ خارطة طريق لكل السوريين.
ارتكز العقد الاجتماعي على تضحيات شهداء ثورة روج آفا الذين قدّموا أغلى ما لديهم لإنجاح واستمرار هذا المشروع الديمقراطي في منطقة الشّرق الأوسط والعالم، ذلك من أجل وضع اللبنة الأولى والركيزة الأساسية للمشروع من خلال وضع القوانين المجتمعية التي تخدم المجتمع بعيداً عن السلطة، ومن أجل تلبية طموح ومطالب شعوبنا، كما يأتي لتلبية مطالب مجتمع أخلاقي بيئي مبني على المعنى الحقيقي لثورةٍ أساسها المرأة والتضحيات وتكاتف المجتمع وليس لتلبية مطالب السلطة والرأسمالية ونظام الإقصاء الشوفيني المستبد.
عند دراسة كل الدساتير العالمية تبيّن جليّاً خدمتها لمصالح السلطة فقط، وأنّه باستطاعة أي ديكتاتور أن يغيّر هذا الدستور حسب الحاجة، حيث نجد أنّه قد تمّ تغيير الدستور التركي في ثمانينات القرن الماضي، والدستور السوري تمّ تغييره خلال لحظات أيضاً، إضافة إلى الدساتير المصرية والعراقية التي تمّ تغييرها أيضاً وغيرها من الدساتير. يتم التغيير حسب مصالح السلطة الحاكمة لأنّ هذا الدستور مكتوب وموجود أساساً لخدمة السلطة وليس لخدمة المجتمع. أمّا عقدنا الاجتماعي الذي كُتِب بعناية شديدة جاءت كل مواده لخدمة المجتمع وخدمة مصالح المواطن في شمال وشرق سوريا.
العقد الاجتماعي يركز أيضاً على روح وجوهر الأمة الديمقراطية التي تمثل جوهر النضال الأخلاقي والاجتماعي في الشرق الأوسط ليس فقط في شمال وشرق سوريا، فعند العودة إلى العقد الاجتماعي نقرأ أول كلمة فيه وهي: “نحن بنات وأبناء”، إذاً ارتكز على المعنى الحقيقي لثورة ۱۹ تموز وهي ثورة المرأة، وهذا أيضاً أول عقد اجتماعي في التاريخ يبدأ بالمرأة، فالكلمة الأولى مثّلت أساس المقاومة والثورة في شمال وشرق سوريا، وهي المرأة التي سُلِبت منها إرادتها وحريتها عبر آلاف السنين، وكانت عبارة عن أداة وسلعة بيد الرأسمالية العالمية والتنظيمات الضلالية الأخرى.
تمّ تطبيق التجربة الفريدة والتي لا يوجد لها شبيه في العالم وهو نظام ومبدأ الرئاسات المشتركة، هذا يدل على الدّور الريادي للمرأة، وإيماناً منّا بهذا الدور نعمل على صياغة عقد خاص بها من خلال كونفدرالية المرأة التي تُعتبر الركيزة الأساسية في بناء المجتمع الديمقراطي.
لذا؛ فوجود عقد اجتماعي خاص بالمرأة يهدف إلى تثبيت مكاسبها وضمان عدم عودة الذهنية الذكورية والإقصائية هو خطوة تصحيحية ووقائية ضدّ استمرار التهميش والإقصاء، وهو تعزيزٌ لحضور النساء في كل مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية والقضائية والعسكرية، والضامن لحق الحماية من العنف والتمييز، والمعزز لقدراتها على تحقيق اكتفائها الذاتي وخلق حياة نديّة تشاركيّة ضمن مبادئ وأهداف.
من خلال الركائز الأساسية وأبعاد الأمة الديمقراطية التي تمّ تطبيقها من خلال المجالس وتفعيل البعض منها في شمال وشرق سوريا، تمّ ضمان حقوق كافة الأطراف والخروج بقرارات تتوافق مع الجميع، لخلق التشاركية وتعزيز روح الفريق ضمن العمل بنظام أفقي عمودي بداية من الكومين، البلدة، المدينة وصولاً للمقاطعات، ذلك بانتخابات تُمثل تعبيراً عن سيادة الشعب ومظهراً من مظاهر المساواة والعدالة، حيث يُمنح لكل مواطن الحق في المشاركة في صناعة القرار، بصرف النظر عن خلفيته الاجتماعية أو الاقتصادية. كما تُمثل الانتخابات أداة للمساءلة السياسية، إذ يُمكن من خلالها محاسبة السلطة التنفيذية والتشريعية، وإعادة توزيع الشرعية السياسية بطريقة دورية وسلمية.
ممارسة حرية الانتخاب كي تعبّر فعلياً عن روح العقد الاجتماعي تتطلب جملة من الشروط المعيارية منها: ضمان النزاهة والشفافية في العملية الانتخابية، وجود بيئة سياسية تعددية حقيقية، احترام حرية التعبير ووسائل الإعلام، وتمكين جميع الفئات من المشاركة دون تمييز أو إقصاء. في حال غياب هذه الشروط تفقد الانتخابات معناها الديمقراطي، ويتحوّل العقد الاجتماعي إلى مجرّد إطار صوري لا يعكس الإرادة العامة الحقيقية.
يُمكن القول إنّ حرية الانتخاب ضمن إطار نظرية العقد الاجتماعي لا تُمثل مجرّد إجراء قانوني أو سياسي، بل هي تجسيد فعلي لعلاقة تعاقدية تقوم على التبادل بين المجتمع والإدارة، بحيث تُمنح السلطة شرعيتها من الشعب، وتُقيّد في الوقت ذاته بإرادته. بهذا المعنى تُعدّ الانتخابات الحرة والنزيهة الركيزة الأساسية لضمان توازن العلاقة وترسيخ مفاهيم المواطنة والشرعية والمساءلة في مفاصل الإدارة، وخير دليل على ذلك الانتخاب الذي حصل في تشكيل اتحاد البلديات والتي لعبت فيه المرأة دوراً ريادياً بهويتها، وتقديم مرشحات منتخبة من قبل النساء بكل شفافية، هذه الانتخابات التي جعلت أطروحة للشرق الأوسط تعبر فيها المرأة عن إرادتها وحرية انتخابها.
كما تمّ التركيز في العقد الاجتماعي على البيئة التي أخذت الحيز المناسب لها، من خلال إعطاء مواد مهمّة وفعّالة للمحافظة على نظام بيئي اجتماعي، والحرص على الطبيعة التي هي متنفس وشريان الحياة للمجتمع الطبيعي الخالي من الشوائب والأمراض، وتسليط الضوء على كل الاقتصادات العالمية والتفكير بنظام اقتصادي يؤمّن الحياة الكريمة للمواطن بعيداً عن احتكار رأس المال، وتشكيل الطبقات الاقتصادية بالمجتمع. وكان العقد الاجتماعي ولادة نظام اقتصادي مجتمعي يؤمّن فرص العمل ويعمل على تطوير وتحسين الاقتصاد لكافة شعوب المنطقة على مبدأ تكافؤ الفرص، والبعد عن الرأسمال الربحي، ومنع الاحتكار والبعد عن الحداثة الرأسمالية. كما تطرق العقد أيضا إلى مبدأ أساسي وهو الدفاع المشروع عن مكتسبات الثورة، ووحدة وسلامة الأراضي السورية، ومنع الاحتلالات والتدخلات الخارجية للتحكم بمصير الشعب السوري، والأخذ بعين الاعتبار تحرير كل الأراضي السورية من الاحتلالات، وإخراج المحتل من الأراضي المحتلة يُمثل تعبيراً مباشراً عن سيادة الشعب، ومظهراً من مظاهر المساواة العدالة.
المبادئ الأساسية للعقد الاجتماعي تنص على أنّنا جزءٌ من سوريا، وأيضاً تتحدث عن وحدة الأراضي السورية، ويُعتبر العقد ملغي في حال تمّ الاتفاق على عقد اجتماعي يضم كل مكونات الشعب السوري، ويضمن حقوقه بداية من الكومينات والمجالس التي تُعد أساس البناء والتطور. تُشكَّل المجالس المحلية على أسس ديمقراطية بمشاركة مكونات المجتمع، وتُمنح صلاحيات تشريعية وتنفيذية ضمن إطار اللامركزية. توجد هيئات مختصة بمتابعة قضايا العدالة والمساواة مثل “هيئة حقوق الإنسان”، وتعمل على مراقبة تطبيق مبادئ العقد ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات.
تُعتمد مناهج تعليمية تدعم التعددية، وتُدرّس ثقافة كل مكون بما يُعزز التفاهم والاحترام بين الأطياف المختلفة. لذلك يُعتبر العقد الاجتماعي وثيقة دستورية تُلزم جميع السلطات الاحتكام إليها، ما يتيح لكل مكون اللجوء إلى القانون في حال تعرّضه للتهميش أو الانتهاكات، ويعتمد مبدأ الحوار المجتمعي، ويُفعّل دور المجالس واللجان التوافقية في حل الخلافات، مع إعطاء الأولوية للجان الصلح قبل اللجوء إلى القضاء.
إذا ما تمّ تحليل هذا العقد نجد أنّ الكلمات المتواجدة ضمنه قد اختيرت بعناية، وكانت كل كلمة وجملة تمثّل مادة من مواد العقد والقانون، وديباجة العقد الاجتماعي تكون الركيزة الأساسية فيه، العقد الذي جاء نتيجة تكاتف شعوب ومكونات المنطقة بمختلف المذاهب والأديان والقوميات، بعيداً عن النزعة العنصرية والتطرّف الديني والتعصّب القومي والجنسوي الذي فرضته ممارسات الحداثة الرأسمالية.
أبرز بنود العقد الاجتماعي هي العمل على إنهاء مركزية الدولة، وبناء نظام ديمقراطي مبني على أساس اللامركزية الديمقراطية، واعتماد أساس سوريا تعددية ديمقراطية لامركزية، والنضال المستمر في هذا الخط والنهج من أجل إقامة جمهورية سوريا الديمقراطية المرتكزة على اللامركزية التي تحقق رغبات وتطلعات الشعب السوري الذي لطالما قدم التضحيات الجسيمة على هذا الأساس رغم التهجير والاقصاء والمعاناة والحروب التي عانا منها منذ بداية الازمة السورية، ويكون نظام ديمقراطي أساسه الإدارات الذاتية الديمقراطية المبنيّة على تحقيق العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص بين كل مكونات الشعب السوري، لنشر ثقافة التسامح والتنوع الثقافي والفكري، والمحافظة على هذه الثقافات والهويات الدينية والعقائدية التي تمثّل فسيفساء اللوحة السورية الجميلة، والتي حاول النظام البعثي عبر عشرات السنين طمسها ودثرها عبر نشر ثقافة اللون الواحد من خلال لغة واحدة، ثقافة واحدة، دين واحد، وقومية واحدة، والتي كانت السبب الأساسي في تغيير المسار السوري والانزلاق به نحو الهاوية.
إنّ كتابة هذا العقد الاجتماعي كان ردّاً على كل المشككين بالمشروع الديمقراطي، والمشككين بأنّ شعوب المنطقة لا يمكن لها أن تنظّم نفسها بعيداً عن مركزية الدولة. وجاءَ أيضاً ليردّ على كل متهمي الإدارة الذاتية الديمقراطية بأنّها إدارة انفصالية تعمل من أجل مصالح الدول الخارجية وتنفيذ أجنداتها الخارجية، لكنّ الروح الوطنية لجوهر ومضمون العقد الاجتماعي يأتي مكذّباً لكلّ هذا، حيث أنّه وضع أسساً لحلّ الأزمة بسوريا على أساس الديمقراطية اللامركزية واحترام حرية المجتمع وقيم ونهج الأمة الديمقراطية بمبدئها الأساسي وهو أخوة الشعوب.
كما سعت الإدارة الذاتية الديمقراطية من خلال العقد الاجتماعي إلى خلق بيئة قانونية تُحسّن من وضع المرأة. فالقوانين التي تشمل حماية المرأة وتقديم الدعم النفسي والجسدي للناجيات من العنف، تساهم في حفظ الهوية النسائية، وضمان لعب دورها البارز في المجتمع رغم الضغوطات.
حاربنا الإرهاب نيابةً عن العالم، قدّمنا التضحيات الجسيمة، وكان خيرة شبابنا وبناتنا قرابين للحرية. لا نريد الدمار والحروب، نريد السلام لنا ولغيرنا. من هذا المنطلق جاء مشروع الأمة الديمقراطية الذي نراه المشروع المتكامل والصحيح ويرتكز على إرادة الشعوب وحقوق الإنسان ليكون نواة الحل في سوريا. لذلك كان من الضروري كتابة هذا العقد الاجتماعي والعمل به ليكون رسالةً لكل السوريين، ويكون أساساً للحل الجذري في سوريا، ولبناء مستقبل أفضل مستدام، والانتقال نحو مجتمع ديمقراطي حر يؤمن بأنّ حريته مرهونة بتحرر المرأة.
على هذا الأساس نحن شعوب شمال وشرق سوريا بكافة مكوناتها وأطيافها وأديانها وعقائدها اتخذنا على عاتقنا أن نطبّق منظومة القيم والإرث الحضاري الديمقراطي للشرق الأوسط والإنسانية جمعاء، وعلى أن يكون هذا العقد ضمان الحرية والسّلام لكافة السوريين ضمن سوريا الجديدة سوريا الديمقراطية. فسوريا المستقبل لن تُبنى إلا بسواعد أبنائها وبناتها المؤمنين بالديمقراطية والتعددية والرافضين لنهج الإقصاء والتهميش.
