آن للمرأة أن تكتب عقدها الاجتماعي – لمعان محمد شيخو

آن للمرأة أن تكتب عقدها الاجتماعي

” من خلال السّرد التاريخي يتّضح أنّ المرأة كانت الحاضنة الأساسيّة

للقيم الإنسانيّة ورمز التجديد في الكون، لكنّ النّظام الذكوري

 سعى دائماً إلى قلب كلّ شيءٍ لصالحه،

لذلك حان الوقت لكتابةِ عقدٍ اجتماعي خاص بالمرأة

 انطلاقاً من فلسفة المرأة الحياة الحريّة لبناءِ مجتمعٍ حر”

 

لمعان محمد شيخو

 

تعيش الشّعوب عامّةً انبعاثاً فكريّاً وتنويريّاً جديداً، وتبرز الآلاف من الأفكار في ذهن وعقل الإنسان، وخاصّةً في عصرنا الحالي الذي نشهد فيه التّقدم المذهل للتقنية التي وصلت إلى مستوى الذكاء الاصطناعي وباتت في تماسٍ مباشرٍ مع نهضة الشعوب، والذي سيواجه خطراً وجوديّاً إن لم يُحسَن استخدامه.   هذا المقال سيأخذُ طابعاً تحليلياً وسوسيولوجياً وفلسفياً ويحمل في طيّاته أسئلة مكثّفة منها: لماذا لم تُدرج المرأة في أي عقد اجتماعي صاغه الفلاسفة عبر التاريخ؟ وما الذي أدّى إلى تغييب المرأة؟ وما هي العلاقة بين العقد الاجتماعي ونظام السّلطة الذكورية وتحويلها إلى كائن تابع؟ وما هو العقد الاجتماعي؟ وهل من تجربةٍ معاصرة تُجسّد العقد الجديد؟ وما الذي يجب أن تفعله المرأة لاستعادة مكانتها؟

الانفصال والشرخ الذي حصل بين الفرد والمجتمع خلق من الأول شخصاً يتنكّر للقيم الذاتية والإنسانية، عكس المبادئ المجتمعية التي آمنت بإمكانية تعقّل الإنسان بعد أن طوّر لغته ليبلغ مستوى مختلف عن غيره، وبات يمتلك حقيقة خاصة به. فرفضُه لهذه المُجتمعية أدّى إلى ظهور فرد تائه بين السراديب لا يعرف وجهته ويغوص في فرديّة لا متناهية يعيش مشاعر وأحاسيس هزيلة، مما أدّى إلى تفشّي البطالة، وزيادة التضخّم السكاني، وبروز مشكلة الاحتباس الحراري، ولا ننسى التقدّم الملحوظ في أداء التكنولوجيا التي أصبحت لا تخدم المُجتمعية، بل باتت تُستخدم بكثرة ضدّها كما في استخدام الأسلحة النووية.  التناقضات الحادّة بين القيود الناجمة عن المشاكل العالقة واختلال التوازن بين الفرد والمجتمع لم تسفر إلا عن مخاطر وأهوال شديدة. في مواجهة حالة الاغتراب المجتمعي هذه السؤال الأساسي المطروح هو ما العمل؟ ومن أين نبدأ؟

في خضمّ هذه التطورات التي أشرنا إليها، يتطلب الأمر إعادة تشكيل نظام اجتماعي يقتضي نشر مبادئ الحرية وتحديد مقاييسها، أي صياغة عقد اجتماعي جديد كضرورة لا بد منها وقابل للتجديد دوماً حسب المرحلة والمتطلبات، يضمن الحياةَ المشتركة لجميع الأطراف، ليُشكّل بذلك الديمقراطيةَ الحقّة بحد ذاتها، ويحدد إطار كفاح المرأة التي لم تحتل مكانتها في أي عقدٍ اجتماعي برز على مدى التاريخ، والذي كان السبب الرئيسي في التراجع وانحدار كافة أنواع التسلّط الأيديولوجي على المجتمع.

كرونولوجيا مقاومة و نضال المرأة

 

التاريخُ المدوّن هو التاريخ الذي مُنحت فيه صلاحيّات إثارة الصراعات وانتشار الحروب وتفشي الدمار والكوارث الناتجة عنها، والقيام بإدارة العالم وتوجيهه إلى الإله، ومنه إلى الجنسُ الواحدُ، وتمثيلُ شخصٍ واحد يمثلهم وينوب عنهم جميعاً.

رغم أنّ هناك تطور اجتماعي سبق ذلك التاريخ الحضاري، إلا أنّه في هذه الحقبة التاريخية – من خلال تطورها- تشكّلت عواطف الإنسان وتكوّنت أحاسيسه وتحققت عملياته، وانبثقت هويته من صلب حياته الخاصة به في أجواء تخلو من الضغط والبطش وتسودها الحرية والعدالة. كما نجح في إقامة وتطوير العلاقات مع الفصائل الأخرى ومع الطبيعة، بقدر ما تمكّن من عقدها مع أبناء جنسه دون زيادة أو نقصان ودون تعالٍ أو انسحاق تحت وطأة أي نظام للتساوي والتكافؤ. هذا التاريخ تساوت فيه المرأة والرجل والفرد والمجتمع، وتوازنت فيه اللغة مع الشعر، والإلهةُ الأم مع صداقة الإنسان.

إنّه تاريخ شفوي غير مكتوب (كالأثار – رموز – قصص)، ومع ذلك كان تاريخاً تتدفق فيه آمال وطموحات كل النساء والشعوب وكافة المسحوقين بعد ترسيخ المجتمعات الطبقية التسلطية، وهي عبارة عن نظام علاقات يحث الإنسان على الولوج في نمط حياة يتوازن فيها الأخذ والعطاء المتبادلان، وهو ليس بنظام ثابت جامد بل حيوي ومعطاء باستمرار. كل نتاجات تلك المرحلة الطبيعية كانت جميلة وخلاّقة وجيدة من جهة ونقيضاً لعالمنا الراهن.

الفارق هنا بين العنصرين يكمن في خلو “الحياة النيوليتية” من الجشع والانقسام الاجتماعي واكتساب القوّة الظّالمة والبطالة والمركزية الأنانية التي تستمدّ منها قوتها في التقدّم التقني الحاصل، واعتمادها على المعاني السامية، ولولا ذلك لما استطاعت تحقيق التطوّر الذي يختلف تماماً عن حاضرنا الذي يعمل على تحريف التاريخ وتجريد المجتمع الطبيعي من خلال الاستيلاء على كافة مقوماته وقلبها لمصالحه، عبر بناء مؤسسات الدولة التي تحوّلت إلى غولٍ يقضم كلّ الأفراد والجماعات الأثنية على غفلة دون استثناء، ويخلق بذلك واقعاً بشرياً متخلّفاً في مستوى حريته عما كان عليه في العصور الطبيعية مع فرقٍ شاسع للغاية.

فألبسوا الآلاف من أشكال الحيل والمكر والبطش- التي لم تعرف في ذلك الوقت في العلاقات الاجتماعية – قناعاً أيديولوجياً، طوّروا من خلاله أيديولوجية “القدر”، وبناء نظام عبودية الرقيق الذين لا يحق لهم أن يمتلكوا حتى ظلالهم، ولا يتمتعون بأيّة قيمة سوى أنّهم مجرّد وسائل إنتاجيّة لا غير.

ليس هذا سوى نتيجة محتومة للخيانة بالعقد الاجتماعي الأول المؤسس اعتماداً على المساواة والعدالة والمشاركة الجماعية في تاريخ البشرية، إذ كلّما تمّ الإخلال بهذا العقد الأول العائد للمجتمع الطبيعي كلّما أصابه التهالك واغترب الإنسان أكثر عن ذاته وعن الطبيعة. لكن منذ نشوء المجتمع الطبقي في ظل المدنية، كان هناك مقاومات الشعوب التي لا تتوقف ولا تعرف الخوف ولا السكونَ منذ نشوء ثالوث المدينة والطبقة والتداول.

هذا الكفاح يُعبّر عن الحنين الخفي الكامن للعقد الاجتماعي الأول آنذاك، ويتطلّع دوماً لإعادة تأسيسه من جديد (المجتمعية المتمحورة حول المرأة)،هذا العقد الذي كان تعبيراً صارخاً عن الإنسانية والجود والمساواة والجمال أي الجوهر النيوليتي الذي يمثل التجارب الحياتية والخبرات التي اكتسبها الإنسان بذاته، أي ما هو سائد ليس التبعية ولا الإذعان للقدر المحتوم، بل السعي للتعلّم وإدراك الأمور والبحث عن التطور آنذاك.

الثورات البدائية التي قام بها الانسان نتيجة الحاجة لديمومة حياته وبتطور العقل المجتمعي كـ (اكتشاف الأدوات والزراعة – اللغة – النار) ميّزته عن كافة الكائنات الحية الأخرى، وحولته من كونه أضعفَ كائنٍ حين يكون بمفرده إلى كائنٍ متحكم في قوى الطبيعة بل سيّدها. إنّ مرحلة التطور المُجتمعية تحققت على يد الإنسان الذي ما كان له بدونها إلا أن يكون من أكثر الكائنات سلبية في الطبيعة.

هذا الموجز التاريخي السريع يُبين بوضوح العذابات والكفاح المستمر، والآلام والتحديات الباسلة لكل الكادحين والشعوب المسحوقة بعد انقضاء المجتمع الطبيعي وسيطرة الذهنية المدنية بطورها الاستغلالي عبر هيمنة النظام الذكوري المهيمن على الكون، والمهيمن بشكل خاص على فكر وعقل المرأة بهدف استعبادها وتحويلها إلى “شيء”، عائدة لذلك النظام المهيمن الذي يُغيّب فيه كينونتها وهوياتها والقوانين والقواعد التي تسعى لإضفاء صفة المطلق على ذاتها.

ما هو العقد الاجتماعي؟

 

لا بدّ أن نعرف نظرية العقد الاجتماعي بكل وضوح، وهو قانون ونظام سياسي ليسا طبيعيين جوهرياً، بل هما من اختراع البشر. يعمل العقد الاجتماعي والنظام السياسي الذي ينشأ عنه كوسيلة للوصول إلى غاية وهدف محدد، وهي منفعة الأفراد الذين يشملهم العقد الاجتماعي، ويكون العقد الاجتماعي شرعيّاً فقط ما داموا يؤدون ما اتفقوا عليه. يُعد العقد الاجتماعي نظريةً تبلورت بشكلها المتقدم في عصر التنوير، ويهتم هذا العقد عادةً بمدى شرعية سلطة الدولة على الأفراد. تنصّ نظرية العقد الاجتماعي على أن يتقبّل الأفراد بشكلٍ ضمني أو صريح أن يتخلوا عن بعض حرياتهم ويخضعوا لسلطة الحاكم (أو لقرار الأغلبية) مقابل حماية بقية حقوقهم.

منشأ العقد الاجتماعي تاريخياً 

ظهر ما يشبه نظرية العقد الاجتماعي قديماً في الفلسفة الإغريقية والرواقية والقانون الروماني والكنسي، إلا أنّ النظرية بلغت أوج أهميتها منذ منتصف القرن السابع عشر وحتى بداية القرن التاسع عشر، وكانت الفلسفة السياسية هي السائدة آنذاك. تشترك معظم نظريات العقد الاجتماعي في نقطة انطلاقها، وهي فحص حالة الإنسان في غياب أي نظام سياسي.

آراء الفلاسفة في العقد الاجتماعي

عند البحث في المساهمين الأساسيين في العقد الاجتماعي، سنلاحظ أنّه طُرحت فكرة شبيهة له من قبل الفيلسوف الإغريقي غلوكون (حوالي445-390 ق.م)، وهو شقيق أفلاطون. ظهرت هذه الشخصية الفلسفية في الكتاب الثاني من “جمهورية أفلاطون”، حيث ذكر مفهوماً قريباً من نظرية العقد الاجتماعي، وناقش مفاهيم كـ (الدولة والعدالة وطبيعة النفس البشرية).

كما ورد على لسان كريتو (حوالي470-399 ق.م)، أحد أصدقاء أفلاطون، الذي يظهر كشخصية محوريّة في محاورات أفلاطون، وكان يمثّل صوت الأخلاق التقليدي والمجتمع العملي. مع مرور الوقت، أصبحت نظرية العقد الاجتماعي أكثر انتشاراً بعد الفيلسوف إبيقور (341–270 ق.م)، الذي يُعتبر أول فيلسوف رأى العدالة كعقد اجتماعي، وليس صفةً ملازمة للطبيعة أو ناتجة عن تدخّل إلهي، لذلك قرر أن يجعل للنظرية الصدارة في مجتمعه، وأسس مدرسة فلسفية عُرفت بـ”الحديقة”.

مع تقدّم الزمن؛ جاء فلاسفة السياسة التقليدية والاجتماعية مثل جون لوك، توماس هوبز، جان جاك روسو، ووضعوا قواعدهم وآراءهم حول العقد الاجتماعي، مما جعل النظرية أكثر رواجاً وشهرة خاصةً في القرنين السابع عشر والثامن عشر. وضع هوغو غروتيوس أسس القانون الدولي اعتماداً على الحق الطبيعي، وافترض أنّ للبشر حقوقاً طبيعية.

نصّت نظرية توماس هوبز على أنّ العقد الاجتماعي هو عقد ملزم من الجانبين حيث اشترط على الشعب واجب الطاعة تجاه الحاكم، ولخص رؤيته بمقولته الشهيرة: “الحياة الإنسانية في الحالة الطبيعية ستكون منعزلة وفقيرة ومقرفة وبهيمية وقصيرة”. في حال غياب النظام السياسي والقانون ستغدو لدى الجميع حريات طبيعية لا حدّ لها، بما في ذلك حق الوصول إلى كل شيء، مما يعني أيضاً حرية النّهب والاغتصاب والقتل، فتندلع “حرب الكل ضدّ الكل” بلا نهاية.

عارض جون لوك فكرة “السلطة المطلقة”، وآمن بأنّ الحقوق الطبيعية (الحياة، الحرية، الملكية) غير قابلة للمصادرة، وأنّ العقد الاجتماعي وُجد لحمايتها مع حق الثورة ضدّ الحكومات المنتهكة لها، وافترض أنّ البشر في الحالة الطبيعية لن يؤذوا بعضهم بفعل الأخلاق الطبيعية لكنّهم يحتاجون حكومة تحميهم من المعتدين. خالف جان جاك روسو سابقيه هوبز ولوك في تصوير “الحالة الأصلية” كمكان بائس، بل رآها حالة سلام واكتفاء ذاتي.

في القرن الثامن عشر قدّم بديلاً مجتمعياً فاضلاً قائماً على “الإرادة العامة”، حيث يتنازل الأفراد عن مصلحتهم الذاتية لصالح الصالح العام، معتبراً الديمقراطية الطريق الأمثل لتحقيق الرفاهية مع الحفاظ على الحرية الفردية تحت حكم القانون. على ضوء ما تطرّقنا اليه؛ يُعدّ العقد الاجتماعي عبارة عن مجموعة من قوانين يتفق عليها الناس لتنظيم المجتمع، ضماناً للعيش السلمي وفق قواعد مُتفق عليها. فيما تتفق نظريات (روسو)على أنّ القانون والنظام السياسي ليسا طبيعيين، بل من صنع البشر.

المرأة وأهمية كتابة عقدها الاجتماعي

من خلال السّرد التاريخي يتضح أنّ المرأة كانت الحاضنة الأساسية للقيم الإنسانية، ورمز التجديد في الكون وعلامة التغيير، والتعبير الأمثل عن الحركة الفاعلة. لكنّ النظام الذكوري قلب كل شيء لصالحه، مستبعداً دورها الكبير والمشرّف عبر التاريخ، حتى الفلاسفة المذكورون في مقالنا هذا تجاهلوا ذكرها، مما يستدعي عمل المرأة على استرداد حقوقها عبر عقد اجتماعي جديد خاص بها يُحصنها من العنف والتمييز، فحرية المرأة مفتاح حل القضايا الاجتماعية المتفاقمة التي تحولت إلى أمراض جسدية كالسرطان.

حرية المرأة قضية ضرورية لبناء السلام والمجتمع الديمقراطي، وأساس لتجاوز التخلف والجهل الذي فُرض عليها، والعمل الجدّي والممنهج على تأهيلها وتمكينها تنظيمياً, ثقافياً, فكرياً, سياسياً, اجتماعياً, اقتصادياً، ومناهضة كافة أشكال العنف والتمييز الممارس ضدّها في كافة مجالات الحياة، والرفع من المستويات التعليمية والثقافية والاقتصادية لديها، وتعديل قانون الأحوال الشخصية بما يضمن نيل حقوقها كاملةً، بالإضافة إلى إيلاء الأهمية لدعم المشاريع الاقتصادية والتعليمية وإنشاء مراكز خاصّة بالتعاون مع المؤسسات والأكاديميات المعنية لدعم المرأة. كما يجب أن تشارك المرأة في الندوات والمؤتمرات الدولية وتُشكل مراكز دراسات خاصّة بشؤون المرأة، وتمكين مشاركتها في الحياة العامّة، والعمل مع الجهات المختصة لاستحداث تشريع خاص بالمرأة العاملة يضمن لها حق الأمومة ورعاية الأطفال، وذلك لبناء أسرة سليمة مستقرة ومجتمع سليم.

لا يمكن تحقيق التشاركية الحرّة دون مناصفة حقيقية في جميع المجالات، كما دوّن في عقد الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا الذي كرّس بنوداً لضمان تمثيل المرأة ودورها السياسي. بحسب المفكر عبد الله أوجلان (صاحب أطروحة علم المرأة جنولوجيا) يكمن حل القضايا في تطبيق وإدراك حقيقة مبدأ “الحياة النِدّية” التي طُبقت فعلياً في تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية، ما أثبت نجاحها بكل شفافية.

عاشت نساء (كرديات – عربيات – أشوريات – سريانيات – أرمنيات – شركسيات – شيشانيات وتركمانيات) من ثقافات ومعتقدات مختلفة معاً على هذه الأرض منذ آلاف السنين، وخاضوا نضالاً مشتركاً ضدّ الهيمنة الذكورية والاحتلال والأنظمة الحاكمة. التنظيم الكونفدرالي الديمقراطي للمرأة ضمن الإدارة الذاتية هو الذي يضمن مجتمع وامرأة حرّة, ويُجسّد بدوره تحالف يرتكز على أيديولوجية تحرير المرأة والمنظور النسائي، لبناء حياة حرّة للنساء وتعايش حر ضمن نموذج المجتمع الديمقراطي وحرية المرأة والبيئة.

هذا التنظيم الكونفدرالي كان خطوة نحو ضمان حضور المرأة في كافة مجالات الحياة وتنظيمها، وصون حقوقها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ومشاركتها عملياً في صنع القرار, بالإضافة إلى محاربة التمييز على أساس الجنس، وإضفاء الطابع الديمقراطي على الأسرة وبناء علاقات جديدة بين المرأة والرجل، ناهيك عن ضمان إنشاء نظام اتحادي نسائي يتضمّن بلديات ومجالس وتعاونيات وأكاديميات نسائية, ويعزز دفاعهن عن أنفسهن ضدّ الغزو والنزوح والإبادة الجماعية. ارتكزت السياسة الديمقراطية على حق المرأة في التعبير واتخاذ القرارات وإدارة نفسها، والعمل على إنشاء كافة المؤسسات والإدارات وفق مبدأ نظام الرئاسة المشتركة والتمثيل المتساوي, وتنفيذ اقتصاد جماعي يعتمد على عمل المرأة, ويرتكز على الحياة الإيكولوجية أي تحالف المرأة مع الطبيعة.

كل ما ذكرناه آنفاً لا يكون إلا وفق دستور قانوني يضمن حقوق النساء, لذلك سعت المرأة إلى كتابة عقد اجتماعي خاص بها، فالمرأة اليوم استمدت قوتها من نضال ومقاومة المرأة منذ آلاف السنين، ومن تضحيات الشهيدات اللواتي ضحوا بأنفسهن من أجل حياة حرّة. واجب على جميع النساء الاستمرار في إرث الحرية انطلاقاَ من فلسفة “المرأة – الحياة – الحرية” أي تطوير قرن المرأة وثورة القرن الحادي والعشرين في طابع الثورة النسائية.

لذلك؛ بدأت نساء شمال وشرق سوريا بتكاتفهن وإرادتهن الحرّة في كتابة عقد اجتماعي خاص بهن منذ عامين تقريباً, آخذينَ آراء كل النساء الموجودات في كتابة بنود عقدهن. سيتضمن العقد بنود أساسية مهمة وقيّمة منها (بناء نظام كونفدرالي ديمقراطي للمرأة يحتضن جميع النساء، بناء مجتمع أخلاقي سياسي, اعتبار النموذج الديمقراطي مبدأ أساسي في كافة أعمال المرأة وأنشطتها ومنظماتها على نقيض الحداثة الرأسمالية، تطبيق مبدأ تقرير المصير الذي يضمن وجود المرأة مع هويتها الثقافية والدينية والعرقية, مواجهة الهيمنة الأيديولوجية, مشاركتها في الحياة بفكر وإرادة حرّة أمر أساسي كمسار للحرية لأنّ الحياة القائمة على حرية المرأة لا يمكن أن تقوم الا بالتنظيم الذي يقيم مستوى مبدأ الوجود, الانطلاق من مبدأ الأخلاق والجمال الذي يعتمد على حرية المرأة, اعتبار الظلم والجور الواقع على المرأة بغض النظر عن اللغة والدين أو العرق أو الطبقة اعتداء على كل النساء ويجب مكافحته).

التنظيم الذاتي للمرأة يُعدّ أمراً أساسياً ضمن مؤسسات الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا التي توليها زمام المبادرة لتعزيز المبادئ الديمقراطية في مناطقها، وتضمن حقوقها، وتعزز مبدأ المساواة بين الجنسين، وتعزز تطبيق نظام القيادة المشتركة في كافة المجالات( السياسية, العسكرية، الاقتصادية, الاجتماعية، الثقافية) انطلاقاً من تطوير الوضع الاجتماعي والاقتصادي للمرأة ضدّ كل أشكال التسليع والاستغلال, والأخذ في الاعتبار قيمة وقدسية عمل المرأة اقتصاديا وقانونياً.

كما تُعزز الإدارة الذاتية دور المرأة في تلقي التدريب للدفاع عن نفسها وأرضها وقيمها الاجتماعية ضدّ كل أنواع الاحتلال والحروب والاعتداء، وتأسيس مؤسساتها الخاصة. أمّا بخصوص الجرائم التي تُرتكب ضدّ المرأة فتعتبر الإدارة الذاتية جرائم القتل والاغتصاب والتعذيب وجرائم الشرف والحرمان من الحرية جرائم ضد الإنسانية، وتفرض عقوبات شديدة على الجاني، وتمنع زواج القاصرات لكلا الجنسين من لم يبلغ الثامنة عشر من عمره، بالإضافة إلى أنّها تمنع تعدد الزوجات، وأعطت الإدارة الذاتية للرجال والنساء حقوق متساوية في كل ما يتعلق بالميراث, وشهادتهما في المحاكم متساوية، وأنشأت مراكز حماية للنساء المعنفات، ومنحت المرأة الحرية في التنقل وإعطاء الجنسية لأولادها.

أعطت الإدارة الذاتية المرأة الحق في المشاركة السياسية الانتخابية والترشيح والترشح للمناصب، والمشاركة في صنع القرار وبناء هويتها، كما أعطتها الحق في إنشاء المنظمات والحركات والمؤسسات والجمعيات، بالإضافة إلى أنّها منحتها الحق في تعديل اللوائح الداخلية للمؤسسات بناءً على ميثاق مجتمع المرأة الحرة.

بالتالي؛ سعت الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا إلى تطبيق البنود المذكورة عملياً عبر مؤسساتها السياسية والعسكرية والتنظيمية والنسائية، لتصبح بذلك نموذجاً يحتذى به على مستوى الشرق الأوسط والعالم. بهذه المكتسبات يقع على عاتق المرأة نفسها أن تكون قيادية المرحلة، وتعمل على استرداد حقوقها المسلوبة، والمحافظة على مكتسبات الثورة عبر صياغة عقدٍ اجتماعي خاص بها يحميها ويحافظ عليها من كل أشكال العنف والسلطة وضمان وجودها وحقوقها دستورياً.

هنا يمكنني القول إنّ ثورة المرأة تشكّل رافعة للعقد الاجتماعي الجديد المنشود. لا يمكن بناء عقد اجتماعي عادل دون الاعتراف بدور المرأة كشريكة فاعلة في صناعة المجتمع لأنّ تغييب المرأة عن مواقع صنع القرار يعني إنتاج نظام يفتقر إلى العدالة والتوازن، ويُعيد إنتاج الهيمنة الذكورية بأشكالها المختلفة، ويُفرغ مفهوم الديمقراطية من مضمونه الجوهري. استرداد هذا الدّور يبدأ بقراءة المرأة لتاريخها الحقيقي، وإعادة كتابة هذا التاريخ من خلال وعيها وثورتها الذاتية وتحالفها مع الرجل الحر لا الرجل المتسلّط.

العقد الاجتماعي الجديد لا يجب أن يكون وثيقة قانونية فقط، بل مشروعاً حضارياً تحررياً قائماً على التشاركية والعدالة والمساواة الحقيقية بين الجنسين، مع الاعتراف بدور المرأة كشريكة فاعلة وبارزة ودائمة. فبغير هذا الاعتراف لا يمكن تصوّر ديمقراطية راسخة ولا مجتمع متماسك يضمن الحقوق والحريات لجميع مكوناته دون استثناء.