نحو الكومون الحر.. الأمّة الديمقراطيّة وتاريخ مقاومة الشّعوب والنساء – نور محمد علي
نحو الكومون الحر.. الأمّة الديمقراطيّة وتاريخ مقاومة الشّعوب والنساء

“إنّ الكومينات عندما تُبنى على أسس الأمّة الديمقراطيّة وتحرر المرأة
تكون حصونًا للمجتمع ضدّ الحرب والتفكك والتسلّط،
فالكومين لا يعني العداء الأعمى للدولة من حيث وجودها كإطارٍ إداري،
بل يرفضُ تحوّلها إلى سلطة مركزيّة تنفي الإرادة المجتمعيّة”
نور محمد علي
في خضمّ الصراعات العميقة التي يشهدها عالمنا اليوم، ومع تنامي الأزمات الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية الناتجة عن سيطرة النظام الرأسمالي الحديث، يبرز مشروع الأمة الديمقراطية كنموذجٍ بديل عن كلّ ما تمّ فرضهُ من مفاهيم الدولة القومية، الفردانية والهيمنة الذكورية. مشروع الأمة الديمقراطية لا يقوم فقط على فكرة الدولة أو الإدارة، بل على فلسفة الحياة الكومينالية التي تُعيد الاعتبار للعلاقات الاجتماعية التشاركية، وتُرسّخ لمجتمع يعيش ويتنفس بالحرية والكرامة والعدالة. هذا المشروع الذي طوّره المفكر عبد الله أوجلان ليس مجرّد نظرية سياسية أو خيار تنظيمي، بل ضرورة تاريخية وروحية وأخلاقية لشعوب الشرق الأوسط والعالم بأكمله. فالأمة الديمقراطية ليست بديلًا للدولة القوموية فقط، بل هي نقيضها الجوهري فهي لا تقوم على الحدود ولا على الجيوش ولا على الهيمنة الذكورية وفرض سياسة اللون الواحد، بل على المجتمعات المنظّمة ذاتيًّا عبر الكومينات والمجالس والاتحادات.
الكومين وحدة البناء الأساسية في مشروع الأمة الديمقراطية
الكومين بحسب فكر الفيلسوف عبد الله أوجلان ليس أداة تنظيمية فحسب، بل هو نمط حياة ومفهوم فلسفي يمثّل التعبير العملي عن الديمقراطية المباشرة، حيث يشارك جميع أفراد المجتمع في اتخاذ القرار بعيدًا عن التمثيل الهرمي أو البيروقراطية. فهو نقيض مباشر لنموذج الدولة الحديثة التي تفصل المواطن عن القرارات التي تؤثر على حياته، وتنصّبُ نفسها وكيلاً عن كافة شؤونه حتى تكاد تمحي وجوده و تذيبه في بوتقة سلطتها المطلقة التي تسيطر على كل شيء.
على هذا الأساس لا يُمكننا الحديث عن البدء بإنشاء وبناء الكومين الحقيقي دون أن نضع المرأة وتحررها وسط هذه العملية، لأنّ تحرر المرأة هو الشرط الأول والأساسي لكل عملية تحوّل نحو الديمقراطية، ولأنّ المرأة كانت أوّل من تم استعباده في النظام الأبوي، وأول من جُرّد من دوره الإنتاجي والاجتماعي والروحي، وبالتالي فإنّ استعادة المرأة لدورها القيادي في المجتمع الكومينالي هو جوهر التحرر.
كما يُشدد المفكر عبد الله أوجلان على أنّ “المرأة الحرّة هي المجتمع الحر”، وأنّ تحرر المرأة لا يجب أن يكون مجرّد شعارات نتغنى بها، بل يجب أن يكون ممارسة فعليّة تبدأ من أصغر الوحدات أي من الكومين. فقد أثبتت التجارب في روج آفا وسوريا وشمال كردستان أنّ الكومينات عندما تُبنى على أسس الأمة الديمقراطية وتحرر المرأة تكون حصونًا للمجتمع ضدّ الحرب والتفكك والتسلّط، فمن كومين المرأة في قرية صغيرة إلى المجالس المدنية التي تضمّ جميع المكونات، تبرهن الأمة الديمقراطية أنّ بإمكان الشعوب بناء عالم آخر، شرط أن تكون حرّة ومنظّمة وواعية.
من روج آفا إلى باريس: حين تستيقظ الروح الكومينالية
لكي نفهم عُمق هذا المشروع وأهميته لا بدّ أن ننظر إلى الوراء، إلى اللحظة التاريخية التي اجتمعت فيها إرادة التحرر الشعبي وإرادة المرأة الحرة في تجربة تُعد من أبرز ملامح القرن التاسع عشر، ألا وهي كومونة باريس التي عُدّت واحدة من أبرز النماذج التي سعت فيها المجتمعات والمرأة إلى تحقيق نموذج ديمقراطي يدير فيه الشعب نفسه، ويتم من خلاله إعطاء جميع أفراده حقوقهم.
في عام 1871، انتفض العمّال المثقفون والنساء والطبقة المسحوقة في باريس ضد السلطة الإمبراطورية، وضد التفاوت الطبقي الذي كرّسته البرجوازية، وخلال ما يقارب 72 يومًا أسسوا ما يُعرف بـ “كومونة باريس”، وهي أول تجربة حقيقية لحكم جماهيري مباشر. لم تكن مجرّد ثورة سياسية، بل كانت محاولة لبناء مجتمع جديد قائم على المساواة، العدالة، وحرية المرأة. شكّلت النساء آنذاك طليعة الثورة أمثال لويز ميشيل اللواتي وقفن في المتاريس وقدن المعارك، وأسسن لجمعيات نسائية كانت تدعو إلى مساواة كاملة في العمل والمشاركة السياسية، وتحرير المرأة من قيود الأسرة البطريركية.
غير أنّ تلك التجربة ورغم وهجها الثوري، لم تُمهَّد لها الأرض الخصبة الكافية، فقد كانت محاصرة بأعداء الداخل والخارج من الدولة البرجوازية الفرنسية وبالتعاون مع قوى دولية، حيث تم القضاء على الكومونة بمجازر دموية أنهت واحدة من أبرز محاولات الشعوب للتحرر والانطلاق نحو مجتمع ديمقراطي حر. لم يكن القضاء على الكومونة ناتجًا عن ضعف تنظيمي فقط كونها تجربة وليدة على الشعوب، بل لأنّ النظام الرأسمالي لم يتحمل فكرة أن تقوم النساء والشعب بحكم أنفسهم، والخروج من عباءة النظام المتحكّم بكل مقاليد السلطة والمقرر الأول لمصير الشعوب، لقد تم وبوضوح استشعار خطر خروجهم وتحررهم من منظومة الدولة القومية الذكورية, وهذا ما أدى إلى محاربتهم بقوة، وبالتالي انهيار هذا النموذج الأولي للكومين. على عكس ما حدث في تجربة شمال وشرق سوريا التي بُنيت على أسس أيديولوجية وتنظيمية متينة ساعدت في ثبات الكومين ونجاحه رغم التحديات التي واجهته من قوى عالمية فشلت في تحقيق أهدافها.
المقارنة بين الكومونين: فوارق جوهرية
رغم التشابه الظاهري بين كومونة باريس ومشروع الأمة الديمقراطية في اعتماد كل منهما على تنظيمات قاعدية، إلا أنّ هناك فوارق جوهرية تُحدد مصير كل تجربة، فالرؤية النسوية في كومونة باريس كان للمرأة دورٌ نضالي عظيم لكنّها لم تصل إلى تحرر تنظيمي مستقل بل كان نضالها مرتبط بنضال الشعب. أمّا في مشروع الأمة الديمقراطية فإنّ تحرر المرأة هو نواة المشروع، وله أدواته وهياكله، كالكومينات النسائية ومجالس المرأة وغيرها من مجالس ولجان وهيئات تتابع شؤون المرأة وتحررها.
كما أنّ البنية الفكرية لكومونة باريس لم تكن مؤسسة على فلسفة عميقة تحلل جذور السلطة والدولة كما يفعل مشروع الأمة الديمقراطية، وقد أدى هذا القصور الفكري إلى صعوبة الصمود أمام قوى الدولة القومية. بالإضافة الى العداوة العالمية فقد واجهت كومونة باريس عداءً شديدًا من القوى الإمبريالية، كذلك يواجه مشروع الأمة الديمقراطية حصارًا دوليًا، لكن الفرق أنّ الأخير لا يعتمد على دولة قومية، بل على شعوب متنوعة ومختلفة تتعايش فيما بينها وفق مبدأ أخوة الشعوب والعيش المشترك، مما يصعّب القضاء عليها. بالنسبة للتكامل الجغرافي والثقافي، فمشروع الأمة الديمقراطية لا يقتصر على مدينة واحدة بل يمتدّ عبر شعوب وقوميات وثقافات متنوعة، تتعايش في تناغم فريد من نوعه، ويُرسخ الأخوّة والتعددية.
إنّ إنجاح مشروع الكومين اليوم لا يخلو من تحديات، بعضها داخلي يتمثّل في رواسب الذهنية الذكورية، والعقلية السلطوية المتغلغلة في النفوس نتيجة قرون من الاستعباد والـتأدلج، تم خلالها ترسيخ مفاهيم وأفكار ساعدت السلطة على بقائها في ذهنية الشعوب. كما يؤدي التدخل الخارجي المتمثّل في الهجمات السياسية والعسكرية والاقتصادية من الأنظمة الرأسمالية والدول القومية الى زيادة صعوبة تحقيق هذا النموذج. لكنّ التجربة أثبتت أنّ الكومينات التي تُبنى على أسس راسخة من التشاركية، التعليم الحر، الاقتصاد المجتمعي، قادرة على الصمود بل والازدهار. كما أّنّ إدراج المرأة في كافة مراحل بناء الكومين لا كعنصر رمزي، بل كقائدة ومبادرة هو المفتاح الذي يضمن ويحقق النجاح الحقيقي، وهو ما أثبتته تجربة شمال وشرق سوريا.
الخطوات الضرورية لإنجاح مشروع الكومين:
– إعادة إنتاج الوعي الاجتماعي: من خلال مناهج تعليمية جديدة تقوم على قيم الجماعة، لا على الفردانية.
– بناء اقتصاد مجتمعي بديل: يعتمد على الاكتفاء الذاتي، الزراعة التعاونية، الإنتاج المحلي.
– ترسيخ التنظيم الذاتي: حيث يتعلم الأفراد اتخاذ القرارات من خلال الحوار والمجالس، لا عبر التفويض المطلق.
– تمكين المرأة تنظيميّاً وفكرياً: من خلال الاعتماد على علم الجنولوجيا كأساس لاستعادة تاريخ المرأة الحقيقي، وبناء وعي نقدي تحرري خاص بالمرأة، والتدريب السياسي، والكومينات النسائية.
– توسيع الكومين إلى كافة مناحي الحياة: الصحة، الفن، البيئة، الثقافة، الإعلام، وحتى العلاقات الاجتماعية.
– التحرر من سلطة الدولة لا من المجتمع: الكومين ليس ضد النظام، بل ضد السلطة التي تسحق المجتمع، فهو استعادة للمجتمع ضد الاستلاب.
إنّ الكومين لا يعني العداء الأعمى تجاه الدولة من حيث وجودها كإطار إداري، بل يرفض تحوّلها إلى سلطة مركزية تنفي الإرادة المجتمعية، فهو يسعى إلى استعادة الروابط الطبيعية بين الإنسان والطبيعة، وبين المرأة والحياة، وبين الفكر والعقل.
لماذا المرأة هي جوهر الكومين؟
لا يمثل وجود المرأة كمجرّد عنصر ضمن المجتمع أو رقم في معادلة ديمغرافية، بل هي جوهر المجتمع ذاته، ولبّ الحياة الكومينالية، فهي من احتضنت أولى التجارب الكومينالية في التاريخ، حين كانت تجمع القمح، وتُطبب الجراح، وتُربي الأجيال، وتُشارك في القرار.
حين نطرح سؤالًا جوهريًا مثل: لماذا المرأة هي جوهر الكومين؟ فنحن لا نبحث عن تبرير نظري، بل نغوص في عمق المسألة الإنسانية. فتاريخيًا كانت المرأة أوّل من أسس المجتمع الطبيعي، لا من خلال سلطة مفروضة بل من خلال طاقتها الحيوية على تنظيم الحياة، على تربية النسل، وعلى تطوير أدوات الإنتاج الأولية، وتخزين المعرفة ونقلها، وبناء علاقات قائمة على التعاون والرعاية والتوازن مع الطبيعة.
لم يكن للمجتمع الأول وجه سلطوي، بل كان ذا طابعٍ تشاركي متمركز حول الأم، حول المرأة، باعتبارها محور العلاقات الاجتماعية والعمود الفقري للاقتصاد الأخلاقي، ولكن مع صعود السلطة الذكورية، ومع ظهور المجتمع الطبقي والدولة المركزية، كانت المرأة أوّل من جرى عزله وقمعه واستعباده، لأنّ ضرب المرأة هو الضربة الأولى للمجتمع ذاته، وضرب الكومين هو البداية الحقيقية لبناء الدولة السلطوية.
قد تم فصل المرأة عن الاقتصاد وتحويلها إلى تابع، ثم إلى سلعة، ثم إلى فراغٍ رمزي يُعبَّأ بالخطابات الذكورية الدينية والسياسية. حين فقدت المرأة مكانتها دخل المجتمع ذاته في طور الانحلال، وبدأ النظام الأبوي يحل مكان الكومين، والعنف يحل محل الأخلاق، والدولة تحل محل التنظيم الذاتي. من هنا لا يمكن بناء أي مشروع تحرري حقيقي، أو استعادة المجتمع، أو خلق نظام جديد للحياة، دون أن تعود المرأة إلى مركز الفعل والتنظيم، فالمرأة ليست مجرد مستفيدة من الكومين، بل هي من تخلقه وتُعيد صياغته.
كل حديث عن الكومين دون اعتبار المرأة جوهره هو مجرد إعادة إنتاج للسلطة بوجهٍ ناعم. إنّ الكومين لا يُبنى عبر الإجراءات الإدارية ولا عبر توزيع المهام، بل عبر قلب المفاهيم، وإعادة بناء الأخلاق، وخلق وعي جديد بالحياة، وهذا لا يمكن أن يتم إلا من خلال وعي المرأة المتحررة المستندة إلى علم الجنولوجيا، والذي لا يقدّم نفسه كعلم بديل بل كمنهج لاستعادة التاريخ المنهوب واستعادة الحقيقة المخفية خلف سرديات السلطة.
المرأة حين تُنظّم ذاتها، وحين تُعيد تشكيل علاقتها بالعالم على أسس من الحرية والمعرفة والنقد، تصبح هي القوة الأخلاقية والسياسية القادرة على إعادة بناء المجتمعات والأفراد من جديد، وتشكيل وعيهم حول أهمية بناء حياة تقوم على التشاركية لا السلطة، وعلى العدالة لا الاستبداد، عندها فقط نستطيع أن نقول بأننا قمنا ببناء مجتمع كومينالي منظّم كما أراده وسعى وناضل من أجله القائد الأممي عبد الله أوجلان.
