دورُ المرأة في بناء الكومونة الديمقراطيّة – جيهان حميد إيبش
دورُ المرأة في بناء الكومونة الديمقراطيّة

“الكومونة الحقيقيّة ليست فقط نموذجاً سياسيّاً،
بل هي بدايةُ ثورةٍ معرفيّةٍ وأخلاقيّةٍ جديدة
تقودُها المرأة الحرّة
بقرارتها الصّائبة والحكيمة لتكون رمزاً
لكلّ النساءِ اللواتي يطمحنَ للحريّة”
جيهان حميد إيبش
لطالما ارتبط مفهوم السياسة بالسلطة والنفوذ، وبقي حكراً على النخب الذكورية في معظم المجتمعات عبر التاريخ المكتوب والشفوي حتى يومنا هذا. جنولوجيا علمٌ يدرس تاريخ المرأة والحياة، وموقع المرأة في المجتمع قديماً وحديثاً، ويكشف أنّ السياسة الحقيقية لا تتعلّق بالسلطة بل ببناء علاقات قائمة على التعاون والعدالة والمساواة. من هذا المنطلق يصبح الحديث عن الديمقراطية والكومونة حديثاً عن مشروعٍ تحرري أوسع يهدف إلى تحرير المرأة، المجتمع، الطبيعة من العلاقات المهيمنة.
يقول المفكر عبد الله أوجلان إنّ “النظام الذكوري هو الشكل الأقدم للسلطة، وكل الأنظمة التي تلته بما فيها الدولة، ما هي إلا تحديثٌ لهذا النموذج الأولي للهيمنة(أي تغيير الشكل لكن بقاء الجوهر نفسه)”. فاحتكار الذكور للسياسة ليس اختلافاً طبيعياً، بل هو نتاجُ هندسةٍ اجتماعية وقانونية وثقافية عملت على إقصاء دور المرأة وجعلت مشاركتها مشروطة بإذعانها للمعايير الذكورية. ترتكب النخب الذكورية الإبادة الثقافية والاجتماعية والسياسية بحق المرأة، حيث تمسح أصوات النساء من الذاكرة السياسية والمجتمعية، وتعيد تشكيل المجتمع دون مشاركتهن الحقيقية.
دور المرأة في عصر الأمومة (المجتمعات الأموميّة الطبيعيّة) أول كومونة في التاريخ
يُمثّل عصر الأمومة أحد المراحل التاريخيّة المهمّة التي تميزت بمكانة عالية ومرموقة للمرأة داخل المجتمع، حيث لم تكن هناك حياة سلطويّة مبنيّة على القمع أو التسلّط كيومنا الراهن، بل على قيمٍ ومبادئ أخلاقية لديمومة الحياة (العدالة – المحبة – الروح التعاونية الجماعية – المساواة…الخ).
في هذا العصر لم تختزل المرأة في دورها الإنجابي فقط، بل كانت قيادية, مبدعة, معلمة, مكتشفة, طبيبة, ولها دور أساسي في ثورة اللغة، ثورة الزراعة, الاستقرار(بناء القرى)، لتجعل الحياة مستدامة، وتنشئ تنظيماً أموميًّا خاصًّا بها وتكون محور التنظيم الاجتماعي والمرجعيّة في الثقافة والزراعة وحتى الروحانيات. في المجتمعات الأموميّة؛ كانت الأم تُعتبر مصدر ومركز العطاء والحياة، وهذا ما جعلها رمزاً للخصوبة المرتبطة بالأرض والتجدّد. كما لم تكن هناك بُنى سلطوية تراتبيّة كما نعرفها اليوم، بل كانت المجتمعات تتصف بأنّها لا هرميّة، حيث يتم اتخاذ القرارات بشكلٍ جماعي يراعي مصلحة الجميع بقيادة المرأة أو بمشاركتها الفاعلة.
في تلك المرحلة كانت التشاركية الجماعية أساس المجتمعية فنسب الأطفال لم يكن مرتبطاً بالرجل بل بالأم والعشيرة، وكانت روابط القرابة تُنسب للأم عبر الخط الأمومي، ما يدل على مكانة المرأة ودورها في نقل الهوية والانتماء. لم تكن السياسة في عصر الأمومة تفصل بين الحياة اليومية والسياسية، بل كانت السياسة (أي فن الإدارة) آنذاك قائمة على الحاجة لديمومة الحياة، سواء كانت حياة الإنسان أو الطبيعة وهدفها بناء العلاقات السليمة.
سقوط عصر الأمومة وصعود النظام الأبوي (انقلاب النظام الأبوي على تنظيم الأمومة)
يقول الفيلسوف عبد الله أوجلان “إنّ السلطة لم تبدأ بالدولة بل بدأت من العائلة”. فالانقلاب الأول كان عندما انتقل مركز المجتمع من يد المرأة الأم إلى يد الرجل الأب، وهذا التحول التاريخي لم يكن خلال سنة أو سنتين بل تم على عدّة مراحل. فمع نشوء الزراعة والاستقرار بدأ الرجال يسيطرون على فائض الإنتاج، الأمر الذي ولّد الأنانية والجشع وحوّل دور المرأة من فاعلة رئيسية إلى كيان تابع اقتصادياً، ونشأ نظام الملكية الأبوية ومنها تطورت الذهنية الذكورية الأسرية.
الانتقال من ثقافة الإلهة الأم إلى الإله الذكر لم يكن مجرّد تغيير ديني، بل ثورة مضادّة شاملة أعادت تشكيل العلاقات بين الجنسين، وبين الإنسان والطبيعة، وبين السلطة والمجتمع. لم يبدأ اضطهاد المرأة من الدين فقط، بل ساهمت بالانقلاب في الرؤية الرمزية للعالم.
مع الزمن؛ ونتيجة لعدّة تحوّلات اقتصادية وأيديولوجية مثل السيطرة على الموارد الإنتاجية, ظهرت فكرة الملكية الخاصة، وبدأت المجتمعات تنتقل من التنظيم الأمومي إلى النظام الأبوي، حيث تم تهميش دور المرأة وتحويلها إلى تابع، وأُسندت السلطة إلى فئة ذكورية معينة تخدم مصالحها.
في عصر الأمومة لم تكن المرأة فقط أمّاً بالمعنى البيولوجي، بل كانت محور الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية, وقد شكل هذا العصر نموذجاً مغايراً للسلطة يرتكز على التعددية والمساواة بدلاً من القمع والهيمنة. دراسة هذا الدور التاريخي يُتيح لنا فهم كيف يمكن للمجتمع المعاصر أن يُعيد التفكير في علاقاته، وإعادة موقع ومكانة المرأة فيه بعيداً عن النموذج الذكوري السلطوي. كما ترى الجنولوجي إعادة الاعتبار لكينونة المرأة الحقيقية لا كجنس فقط بل كقوة خلّاقة ومعرفة و إبداع وتحرير. في العديد من المجتمعات ورغم وجود تقدّم للمرأة في التمثيل السياسي لكنّها بقيت شكلية، ولا تزال السياسة ومراكز اتخاذ القرار والنفوذ خاضعة لهيمنة نخب ذكورية سلطوية ضيّقة.
هذا الواقع يُعبّر عن بُنية سلطوية مترسّخة تاريخياً، تقوم على إقصاء دور النساء وتكريس السياسة الذكورية كأمرٍ طبيعي بحجة الاختلاف البيولوجي أو القصور العاطفي. هذه الحجج ساهمت في إعادة إنتاج العبودية الحديثة للمرأة واستمراريتها ليومنا هذا كما ذكرنا سابقاً.
تجارب النساء في مقاومة النظام الرأسمالي: من التهميش إلى القيادة
في ظلِّ نظامٍ عالمي رأسمالي قائم على الهيمنة والاستغلال الطبقي وتسليع الجسد، واجهت النساء تحدّيات مضاعفة، إذ لم يُنظر إليهن كمواطنات فاعلات فحسب، بل أيضاً كأدواتٍ لإنتاج الرأسمال وإعادة إنتاج اليد العاملة. مع ذلك ظهرت عبر العصور تجارب نضاليّة نسويّة واجتماعيّة قاومت هذا التهميش وخلقت بدائل سياسية واقتصادية وثقافية.
في هذا المقال سنسلط الضوء على تجارب نساء روج آفا، أمريكا اللاتينية، والحركات النسوية البيئية كنماذج حيّة لمقاومة الرأسمالية الذكورية المهيمنة.
أولاً: نساء روج آفا – ثورة ضد الذهنية السلطوية المهيمنة
في روج آفا وتحديداً شمال وشرق سوريا لعبت المرأة دوراً محورياً في تأسيس مشروع مجتمعي ديمقراطي بديل للدولة القومية يرتكز على:
1- الكونفدرالية الديمقراطية نظام لا مركزي يرفض الدولة القومية ويضمن التمثيل المتساوي للجميع.
2- الإدارة المشتركة لكلا الجنسين في كافة المجالات الحياتية.
3- المقاومة العظيمة بريادة وحدات حماية المرأة ضد داعش والهيمنة الذكورية.
تأسست قرية كومونية تسمى (جينوار)، وهي مكان لاحتواء النساء اللواتي تعرّضن لكافة أشكال العنف والتعذيب والإهانة من قبل الذهنية الذكورية السلطوية، وكنّ ضحايا للظروف المجتمعيّة تحت مسمّيات مختلفة منها العادات والتقاليد والدين. فقرية جينوار هي المكان الأنسب والأفضل للنساء اللواتي لا ملجأ لهن ,ولكي لا يكنّ طعماً لأشخاصٍ ولأجندات العدو، وهو المكان الذي يعتمدن فيه على أنفسهن ويُعِدنَ فيه بناء شخصيتهن وثقتهن بأنفسهن، ليُثبتنَ أنّهن قادرات على الاستمرار في الحياة دون الحاجة لأحد.
اعتبر المفكر عبد الله أوجلان أنّ تحرر المرأة هو مفتاح تحرر المجتمع من النظام الرأسمالي والدولة القومية. النساء في روج آفا لم ينتزعن حق القيادة فقط، بل أعدن تعريف مفهوم السياسة الصحيحة بوصفها فن إدارة المجتمع لا سيطرة عليه.
ثانياً: نساء أمريكا اللاتينية- الاقتصاد التشاركي والمقاومة الشعبية
في أمريكا اللاتينية خصوصاً في الأرجنتين، بوليفيا والبرازيل، ظهرت حركات نسوية جذّرت العمل السياسي في الحياة اليومية للنساء منها:
1- حركة نساء “ني أونا مينوس” في الأرجنتين، والتي انطلقت ضد العنف الذكوري والنسوية الليبرالية السطحية، ربطت بين العنف الجندري والاستغلال الاقتصادي، طالبت بعدالة اقتصادية لا تقل أهمية عن العدالة القانونية.
2- حركة الاقتصاد النسوي التشاركي تهدف إلى تبنّي النساء نماذج اقتصادية تعاونية، تضع الرعاية والمجتمع في قلب الإنتاج، ومثّلت بدائل فعليّة للرأسمالية، حيث لم يكن الهدف الربح بل العدالة الاجتماعية.
تقول الناشطة فيرونيكا غاغو إنّ “النساء لسنَ فقط أجساداً تتلقى العنف بل عقولاً تعيد تعريف الحياة, الاقتصاد والمجتمع”.
ثالثاً: النسوية البيئية – مواجهة الاستعمار الرأسمالي للأرض والجسد
في الهند، كينيا، أمريكا الجنوبية، ظهرت حركات نسوية رفضت النموذج الذكوري الصناعي في التنمية، وطرحت نموذجاً بديلاً يربط العدالة البيئية بالعدالة الجندرية.
رابعاً: دور المرأة في كومونة باريس
كان للمرأة دورٌ محوري وثوري في كومونة باريس حيث لعبت بنشاطٍ كمحركٍ فعلي في نضال الطبقة العاملة، وتحدّت النظام البطريركي والسلطوي. حملت النساء السلاح ودافعن عن المتاريس منهن ليز ميشيل التي كانت معلمة وثائرة وقائدة عسكرية، وإليزابيث ديمتريف التي أسست اتحاد النساء للدفاع عن باريس. كثيرات منهن تعرضن للاضطهاد والتصفية بعد سقوط الكومونة، مما يكشف مدى خوف النظام الأبوي من تمرد وإرادة النساء الواعيات والمقاومات.
رغم اختلاف السياقات الجغرافية والسياسية هناك قواسم مشتركة بين هذه التجارب منها:
- نقد الرأسمالية كمنظومة ذكورية.
- بناء بدائل لا تقوم على الربح بل على المساواة التشاركية الجماعية.
- إعادة تعريف السياسة بوصفها حياة (فن إدارة المجتمع) لا مؤسسات سلطوية فقط.
- تحويل المرأة من ضحايا إلى قائدات ورائدات للتغيير المجتمعي.
من خلال هذه التجارب؛ نرى أنّ النظام الرأسمالي ليس معركة اقتصادية فقط، بل معركة وجودية لتحرير الحياة من منطق الاستغلال، والتشييء والإقصاء(بناء نفسه على إقصاء دور المجتمع). هذه التجارب لا تُطالب بإدماج المرأة في نظام ظالم، بل تسعى إلى تفكيك هذا النظام من جذوره، وبناء عالم مختلف تُعيد فيه النساء تعريف معنى التنظيم, القوة، القيادة، العمل والسياسة.
تحرر المرأة شرط للديمقراطية الحقيقية
يقول المفكر عبد الله أوجلان: “لا يمكن بناء مجتمع ديمقراطي دون تحرر المرأة”. إنّ أول شكل للهيمنة في التاريخ هو هيمنة الرجل على المرأة، وكل ما تلاه من أشكال السلطة (السياسية، الاقتصادية، الدينية) هو امتداد لهذه الهيمنة الأولى.
كما ذكرنا سابقاً فالوجود المجتمعي التاريخي قائم على الكومونة. نتائج الطابع الرأسمالي المضاد للمجتمع هو تدمير المجتمع وتشكيل تجمّع يقتصر على الأفراد، وبالنسبة للرأسمالية لا يوجد مجتمع بل يوجد فرد.
في المقابل؛ الكومونة هي الطابع البنيوي للمجتمع, هي طريقة وجود المجتمع، هي خليته الجذعيّة. الكومونة تتضمن الحرية والمساواة في جوهرها، ولها طابع ديمقراطي. في حين أنّ الرأسمالية تبلد الديمقراطية وتحوّلها إلى أداة لمناهضة المجتمع، فالكومونة تصمد بالديمقراطية.
يهدف المجتمع الديمقراطي إلى إعادة المبادئ المجتمعية التي نشأت من الكلان واستمرت إلى يومنا هذا، وإعادة خصائص المجتمع الأمومي لتصبح سائدة من جديد في المجتمع. الكومونالية هي اسم النظام المجتمعي الديمقراطي الذي يتضمن الاختلافات والتعددية، ولا يفضل الانقسامات النابعة من المعتقدات والعرق. إنّ إدماج منظور الجنولوجيا في السياسة والديمقراطية يكشف الطريق نحو ثورة شاملة، تبدأ بحرية المرأة وتنتهي بتحرر البشرية جمعاء.
بهذا؛ يمكن بناء الكومونات النسائية في كل مكان. القيمة التي لا غنى عنها للحياة هي الكومونة. المرأة تساوي الكومونالية, إذا أرادت المرأة استعادة القيم التي سُلبت من يد الآلهة إنانا فإنّ الأداة الوحيدة هي تفعيل الكومونة الديمقراطية. تعزيز المجالس التشاركية وتفكيك السلطة المركزية هي خطوات أساسية نحو بناء مجتمع إنساني أخلاقي سياسي قائم على الحرية والمساواة والسلام.
من أسس الجنولوجيا بناء الكومونة الديمقراطية، وتحويلها إلى مدرسة للحرية، وإعادة المجتمع لتوازنه الطبيعي، والوصول الى قرارات بشكل جماعي وحماية الطبيعة، وإعادة صياغة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية. الكومونة هي مقاومة الاستعمار، الرأسمالية، الذهنية الذكورية و مختبر لإعادة ابتكار الحياة.
كيف يمكننا العودة إلى القيم الأم واستعادة قيمها الجوهرية؟
عن طريق التعاون بدل التنافس، التشاركية بدل المركزية، الروح المجتمعية بدل الاستهلاك. هذه العودة ليست ارتداداً بل تحرراً من سلاسل السلطة المتراكمة منذ آلاف السنين. فلا ديمقراطية بدون حرية المرأة، ولا حرية بدون تفكيك السلطة الذكورية من جذورها. فالكومونة في فلسفة القائد الأممي عبد الله أوجلان هي النموذج التنظيمي للمجتمع الذي يكون خارج نطاق الدولة، كما أنّها الميدان الحر الذي ترى فيه الشخصية معناها وتحقّق أهدافها في الحياة النِديّة التشاركيّة.
هذا يعني أنّه لا يمكن بناء كومونة ديمقراطية بدون امرأة حرة واعية مناضلة وفاعلة. فهي ليست فقط نصف المجتمع، بل هي المجتمع بأكمله وصانعة القيم التي تدفنها السلطة الذكورية (التشاركية العطاء، الحماية، العدالة، الروح الجماعية).
الكومونة الحقيقية ليست فقط نموذجاً سياسياً، بل هي بداية ثورة معرفية وأخلاقية جديدة تقودها المرأة الحرّة الواعية بقرارتها الصائبة والحكيمة، وتكون رمزاً لكل النساء اللواتي يطمحن للحرية، كونها القوة الوحيدة التي تعرف كيف تبقي الحياة حيّة وحرّة.
