دور المرأة في صون الهوية الوطنية عبر التاريخ والثورات – زوزان شمو

دور المرأة في صون الهوية الوطنية عبر التاريخ والثورات

“ارتبط دورُ المرأة ارتباطاً وثيقاً بالحياة الاجتماعية والسّياسية للشعوب،

فهي الحارسة الأولى للقيم والهويّة والملامحِ الوطنيّة،

وفي زمنِ الثّورات والحروب، يتجلّى حضورها بأكثر من شكل

كمقاتلة ومنظِّمة وراعية وصانعة للذاكرة الجمعيّة”

 

زوزان شمو

 

منذ بدء الخليقة، والمرأة تُواجه شتى أنواع المظالم وسلب الحقوق، حتى في أدّق ما يخصّ شخصيتها ووجودها الإنساني. فقد كان يعدُّ من الكبائر والإجرام أن تتدخل المرأة في الشّأن العام أو أن يكون لها رأيٌ في مسار حياتها. مع مرور الزمن، ترسّخت هذه الذهنيّة المتسلّطة في عقول الرجال، وتحوّلت إلى أنظمةٍ سياسية استبدادية وقمعية عمّقت من معاناة المرأة، وجعلت من تهميشها أداةً لضمان استمرار السلطة.

عانت المرأة مراحل متتالية من الإقصاء، حملت كلُّ واحدةٍ منها توصيفاتٍ أشدَّ قسوةً من سابقتها، فمرةً وصمت بالعار، وأخرى حوصرت داخل جدران البيت، حتى غدت مهمّشة في مجتمعٍ لم ينصفها، ولم يُتح لها فرصة التوازن أو المساواة في الحقوق والواجبات. هكذا تحوّلت مشاركتها في الحياة العامّة إلى أمرٍ محظور عليها. لكن في ظلِّ ثورة المرأةِ التي نشهدها اليوم، ازداد إدراكنا للحاجة إلى تأسيس مفاهيم ووثائق تكرّس حريتها وتدعم مكانتها داخل المجتمع. نحن النساء؛ كنّا وما زلنا أوّل من نظّم كياناً حرّاً يُعبّر عن ذاته، ووعينا أنّ الذهنية الذكورية المهيمنة هي التي أفسدت توازن النظام المجتمعي، وأنّ تحرّر المرأة هو الطريق نحو إصلاحه وإعادة إنسانيته.

ارتبطت المرأة ارتباطاً وثيقاً بالحياة الاجتماعية والسياسية للشعوب، فهي ليست فقط الأم والزوجة والأخت، بل أيضاً الحارسة الأولى للقيم والهوية والخصائص الوطنية. في زمن الثورات والحروب، يتجلّى حضورها بأكثر من شكلٍ كـ مقاتلة، منظِّمة، راعية، وصانعة للذاكرة الجمعية. رغم هذه الأدوار المتعددة والجوهرية، فإنّ السرديات الرسمية التي تُكتب بعد الثورات والحروب غالباً ما تتجاهل هذا الدور أو تهمّشه، لتبقى المرأة في خانة الفاعل المجهول بفعل هيمنة التاريخ الذكوري المكتوب بيد الرجال.

في هذا المقال، سنحاول مقاربة إشكالية الدور الريادي للمرأة في المقاومة والتنظيم والرعاية، وصون الخصائص الوطنية، ثم تحليل أسباب تهميشها في السرديات الرسمية، وصولاً إلى استنتاجات حول ضرورة إعادة الاعتبار لتجربتها في الذاكرة التاريخية والسياسية.

أولاً: المرأة كفاعل ريادي في المقاومة

حين تُذكر المقاومة، غالباً ما يَستَحضرُ الذّهنُ صورةَ المقاتل الرّجل الذي يحمل السلاح في مواجهة الاحتلال أو الاستبداد، غير أنّ المرأة كانت دوماً جزءاً من هذا الفعل المقاوم.

ففي المقاومة المباشرة: شاركت المرأة في القتال المسلح، حملت السلاح، ونقلت الأخبار، وغالباً ما لعبت أدواراً نوعيّة بفضل قدرتها على التحرّك في مجالات لم يكن يتوقع منها.

في التنظيم و الدّعم اللوجستي: لم يقتصر دورها على الخطوط الأمامية بل أدارت شبكات الدّعم.

في المقاومة الشّعبية: لعبت المرأة أدواراً في تأمين خطوط الإمداد، حماية المقاومين، تمرير الرسائل، وتوفير الملاذات الآمنة.

في المقاومة المسلّحة: شاركت نساءٌ كثيرات في القتال المباشر، من الجزائر إلى فيتنام، ومن كردستان إلى فلسطين. أسماءٌ مثل جميلة بوحيرد، ليلى خالد، نسرين عبدالله، آرين ميركان, أفيستا خابور, نوجيان, وغيرهم من الشهيدات كانت لهم أدوارٌ، وأصبحن رموزاً للمقاومة تمثّلُ شواهد حيّة على الحضور العسكري للمرأة.

في المقاومة الثقافية: المرأة هي التي صانت اللغة، الحكاية الشعبية، الأغاني التراثية، والطقوس الاجتماعية، مما حافظ على هوية الشعوب في مواجهة محاولات الطمس والاقتلاع. إذاً؛ المقاومة لم تكن عملاً عسكرياً فقط، بل عملية شاملة لعبت فيها المرأة دوراً لا يقل أهمية عن الرجل.

ثانياً: المرأة كمنظِّمة اجتماعية وسياسية

الثورات لا تقوم فقط بالبندقية وإنّما أيضاً بالتنظيم. هنا برزت المرأة بوصفها قادرةً على خلق شبكاتٍ اجتماعية من التضامن والتعاون. في الأُطُر السّريّة: النساء غالباً ما كنّ قادراتٍ على التحرّك بحريةٍ نسبيّة مقارنةً بالرجال، ما جعلهنّ مؤهلاتٍ لنقل المعلومات وتنظيم اللقاءات بعيداً عن أعين السلطات. في العمل المدني: أسست النساء جمعيات خيرية وثقافية، وقدّمن خدمات للمجتمع في ظل انهيار مؤسسات الدولة أثناء الحروب.

في الحركات النسوية السياسية: ربطت المرأة بين التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي، معتبرةً أنّ الثورة الحقيقية لا تكتمل إلا بتحرير النساء من البُنى الأبوية. بهذا؛ فإنّ المرأة لم تكن فقط مساعدةً للرجل في التنظيم، بل فاعلةً أصيلةً أسهمت في استمرارية الفعل الثّوري.

ثالثاً: المرأة كراعٍ للحياة في زمن الدمار

في خِضَمِّ الحرب، حين تنهار البُنى التحتية وتتفكك المجتمعات، تظهر المرأة في دورها الأساسي في الرعاية، ليس بوصفه عملاً طبيعياً مفروضاً عليها، بل كجزء من مقاومة الصمود. فهي التي تُعيل الأسرة في ظلِّ غياب الرجل أو استشهاده أو أسره، هي التي تُحافظ على استمرار التعليم لأطفالها، كي لا تضيع الأجيال، هي التي تبتكر أساليب للتدبير الاقتصادي، من زراعة الحدائق المنزلية إلى أشكال التبادل الشعبي لتأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة. الرعاية هنا تتحول إلى فعل مقاومة، لأنّها تمنع الانهيار الاجتماعي الكامل، وتؤمّن استمرارية الجماعة الوطنية.

رابعاً: المرأة كصاحبة دورٍ في صون الخصائص الوطنية والأصالة

من أخطر ما تواجهه الشعوب في زمن الاحتلال أو الحرب، محاولات طمس الهوية الوطنية وإحلال هوية بديلة. المرأة في هذا السياق تُعتبر حارسة الهوية. فهي التي تنقل اللغة والعادات والتقاليد إلى الأبناء، وهي التي تُحافظ على الطقوس الدينية والشعبية، وتُعيد إنتاجها في ظروف استثنائية، وهي التي تحفظ الحكايات والأمثال الشعبية التي تشكّل جزءاً من ذاكرة الجماعة. هذا الدور وإن بدا غير سياسي، إلا أنّه في العمق سياسيٌّ بامتياز، لأنّه يمنع اندثار الخصائص الوطنية للشعب.

خامساً: لماذا غُيّب هذا الدور من السّرديات الرسمية؟

رغم وضوح أدوار المرأة في كل هذه المجالات، إلا أنّ التاريخ الرسمي غالباً ما يتجاهلها. يمكن تفسير ذلك بعدّة عوامل:

  1. هيمنة الذكورية على كتابة التاريخ: التاريخ يكتبهُ المنتصرون، وغالباً ما يكونون رجالاً. بالتالي؛ تُقدّم صورة البطل الثائر أو القائد العسكري الذكر، بينما تُهمل مساهمات النساء.
  2. إعادة إنتاج البُنى الأبوية بعد الثورة: في الكثير من الحالات، تُطيح الثورات بالأنظمة السياسية، لكنّها لا تُطيح بالبنى الاجتماعية الذكورية. بل قد يُعاد تكريسها بشكلٍ أشد تحت ذرائع الحفاظ على التقاليد.
  3. تحجيم دور المرأة سياسياً: بعد انتهاء الحرب أو الثورة، تدخل المجتمعات في مرحلة إعادة الإعمار، وهنا يُنظر إلى المرأة كعنصرٍ للاستقرار الأسري، فيُدفع بها إلى البيت، بينما تُستبعد من مواقع القرار.
  4. الخوف من ربط الحرية السياسية بالحرية الاجتماعية: الأنظمة الجديدة تخشى أن يؤدي إبراز دور المرأة إلى مطالبات أوسع بالمساواة والحقوق، ما قد يهدد سلطتها الذكورية.
  5. اختزال صورة المرأة في رمزيات محددة: في بعض السرديات، تُختزل المرأة في صورة الأم التي ضحّت بابنها، أو الأخت التي فقدت شهيداً، أي أنّها تظهر كرمزٍ، لا كفاعلٍ سياسي واجتماعي مستقل.

سادساً: تهميش المرأة بعد الثورات والحروب

الذاكرة الرسمية تميل الى تمجيد القادة والمعارك، في حين يتم تجاهل البعد الاجتماعي والثقافي الذي لعبت النساء فيه دوراً محورياً. من الملاحظ أنّ المرأة كثيراً ما تكون في الصفوف الأمامية أثناء الثورة، لكنّها تُقصى إلى الهامش بعد نجاحها.

في الجزائر شاركت النساء بقوةٍ في حرب التحرير، لكن بعد الاستقلال تم تهميشهنّ في الحياة السياسية. في مصر وتونس لعبت النساء أدواراً حيوية في ثورات ربيع الشعوب، لكنهنَّ واجهن تراجعاً في تمثيلهنَّ السياسي بعد تغيّر الأنظمة. وفي العديد من دول الشرق الأوسط و أوربا، كانت المرأة السّباقة والمضحية في الحروب لكن تمّ تحجيم دورها. إذاً؛ المرأة تُستدعى في زمن الثورة كقوة تعبئة، ثم يُعاد تهميشها حين يحين وقت اقتسام السلطة.

في شمال وشرق سوريا رغم حضور المرأة العسكري والسياسي، مازالت تواجه تحديات في تثبيت مكتسباتها نتيجة الحرب الخاصّة والذهنية الذكورية وعدم تقبّل وجود المرأة في كثيرٍ من المجتمعات الريفية. بالمقابل استطاعت المرأة أن تُثبت حضورها وتحقق المساواة مع الرجل استناداً إلى فكر الأمّة الديمقراطية، الذي جعل من الحرية والمشاركة الفعليّة أساساً لبناء المجتمع. هذا الفكر لم ينظر إلى المرأة كعنصرٍ ثانوي، بل كقوةٍ فاعلة في صياغة القرار وصناعة الحياة.

سابعاً: المرأة كفاعل مجهول في التاريخ المكتوب

التاريخ الذكوري لا يكتفِ بتهميش المرأة، بل أحياناً يمحوها تماماً. حين نقرأ كتب التاريخ الرسمية، نجد أسماء القادة الرجال، بينما تُذكر النساء بشكلٍ عابرٍ أو رمزي. هذا الإخفاء ليس مجرّد صدفة، بل عملية مقصودة لحصر التاريخ في إطارٍ ذكوري يكرّس السلطة. المرأة هنا تتحول إلى فاعلٍ مجهولٍ، تكون موجودةً في الواقع لكنّها فعلياً غائبةٌ عن النص. إنّها أشبه بالشّبح الذي يرافق الأحداث لكن لا يُعترف به.

ثامناً: نحو إعادة الاعتبار لدور المرأة

إنصافُ النساء في التاريخ لا يعني فقط ذكر أسمائهن، بل الاعتراف بفاعليتهنّ السياسية والاجتماعية. يجب إعادة كتابة السرديات من منظورٍ شامل يدمج تجارب النساء، كما ينبغي إدماج قصصهن في المناهج الدراسية، كي يعرف الجيل الجديد أنّ التاريخ ليس حكراً على الرجال. على الحركات السياسية والاجتماعية أن تدافع عن استمرار مشاركة النساء بعد الثورات، لا أن تسمح بإقصائهن. من الضروري أيضاً أن تكتب النساء أنفسهن تاريخهن، لأنّ القلم حين يكون في أيديهن يفضح الغياب ويفتح الطريق للحضور.

في الختام يُمكنني القول إنّ دور المرأة في المقاومة والتنظيم والرعاية وصون الهوية الوطنية في زمن الثورات أو الحروب ليس طارئاً ولا ثانوياً، إنّه دورٌ أصيلٌ و مكمِّل، بل في كثير من الأحيان هو ما يمنع المجتمع من الانهيار الكامل. لكنّ السرديات الرسمية بفعل هيمنة التاريخ الذكوري تعمّدت تهميش هذا الدور أو محوه، ليبقى حضور المرأة في الظل.

إنّ إعادة الاعتبار للمرأة ليس مسألة إنصافٍ تاريخي فحسب، بل شرطٌ أساسي لتحقيق ثوراتٍ حقيقية متكاملة، لأنّ الثورة التي تُقصي نصف المجتمع محكوم عليها أن تبقى ناقصة. حين يُكتب التاريخ من جديد بأيدي النساء وأصواتهن، فقط عندها يمكن أن نكسر دائرة التهميش، ونمنح الذاكرة الجمعية بُعداً أكثر صدقاً وعدالة.

لذا؛ يجب وضع النساء في الصفوف الأمامية، والعمل على تحريرهن من كل أشكال الفشل والتهميش التي فُرضت عليهن عبر آلاف السنين. فالمجتمعات التي لا تمنح نساءها الحرية والمكانة التي تستحقها تبقى أسيرة قيود الماضي. إنّ كسر هذه القيود ليس مجرّد مطلبٍ نسوي، بل هو فعلٌ تحرري يفتح الطريق أمام بناء مجتمعٍ عادلٍ وإنساني.

نضال المرأةِ من أجل الحياة والحرية لم يكن يوماً محلياً، بل هو صرخةٌ تمتدُّ لتصل إلى نساء العالم أجمع، لتوحدهن في مواجهة الظلم بكل أشكاله. فكلُّ خطوةٍ تخطوها المرأة نحو الحرية هي خطوةٌ نحو مستقبلٍ أكثر إشراقاً للبشرية جمعاء، وتاريخ أكثر عدلاً يُكتب بجهود النساء وإرادتهن، تلك النساء اللواتي أثبتن أنّ الثورة الحقيقية تبدأ حين تنتفض المرأة على القيود وتعيد تعريف الحياة والكرامة بطريقتها الحرّة.