المرأة العربية من صانعة التحرير إلى مهندسة المستقبل – خود العيسى

المرأة العربية من صانعة التحرير إلى مهندسة المستقبل

 “المرأةُ الوطنيّةُ هي التي تحملُ همَّ وطنها في قلبها

 قبل عقيدتها أو عرقها،

 فهي تبني جسورَ التسامحِ وسط الدّمار،

 وتعلّم أبناءها أنّ حبَّ الوطن ليس شعاراً،

 بل هو فعلُ مقاومةٍ يومي يتجسّدُ بالتعلّم والعمل والبناء”

 

خود العيسى

لا يمكن فهم تاريخ الوطن العربي دون إعادة قراءة الدور المركزي الذي لعبته المرأة، ليس كمجرّد شاهدٍ أو متلقٍّ، بل كلبنة أساسٍ في صرحه، وقائدةٍ في حركات تحرره، وحارسةٍ لقيمه عبر الأجيال. لقد تجاوزت المرأة العربية الأدوار النمطيّة لتنخرط في بناء الدولة الوطنية من أوسع أبوابها (كمناضلة، وعالمة، وقائدة رأي، وأم، ومعلمة تزرع حب الوطن). هذا الدور المتعدد الأوجه يصل ذروته في النموذج السوري، خاصةً خلال الثورة والحرب والأزمات الإنسانية المعقّدة، وفي تجربة شمال وشرق سوريا المميزة التي قدّمت نموذجاً ثورياً داخل الثورة.

كانت المرأة العربية في طليعة النضال ضد الاستعمار حاملةً البندقية والقلم والعلاج. في الجزائر، خلّدت الثورة أسماءً مثل جميلة بوحيرد التي تحمّلت التعذيب ولم تنكسر، وجميلة بوعزّة وحسيبة بن بوعلي، كنَّ نماذجَ للمناضلة التي لا تهاب الموت. في فلسطين، برزت فاطمة غزال كأول شهيدة فلسطينية، وليلى خالد كوجهٍ للكفاح المسلح، وميسون البطمة كأول طيّارة مقاتلة. في مصر، قادت هدى شعراوي المظاهرات في ثورة 1919، وأسست للحركة النسوية، بينما مثّل بيت صفيّة زغلول “بيت الأمّة” ملتقى للقوى الوطنية. في ليبيا برزت خديجة الجهمي كأوّل ممرضة تناضل ضد الاحتلال الإيطالي.

في الثّورة السّورية، انتقلت المرأة من دور المتظاهرة الحاملة للرايات إلى المنظّرة السياسية والممرضة الميدانية والإعلامية والمقاتلة. دفعت النساء ثمناً باهظاً من حريتهن وحياتهن، حيث تعرّضت الآلاف للاعتقال والتعذيب والاختفاء القسري. لكنّ النقلة النوعيّة تجلّت في تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا (روج آفا)، حيث تحوّلت المرأة من مشاركة إلى قيادة وفكرة تنظيمية.

– المجال العسكري (أيقونة المقاومة العالمية): أصبحت قوات حماية المرأة (YPJ) رمزاً عالمياً للمقاومة خلال معارك مواجهة مرتزقة داعش، وكان لها دورٌ حاسمٌ في تحرير الطبقة والرقة ومعارك كوباني الأسطورية. نضالها لم يكن عسكرياً فقط، بل كان رسالةً سياسية واجتماعية قويّة ضد أيديولوجيا التطرّف الذكوري. أصبحت المقاتلات مثل آرين ميركان، بارين كوباني أيقوناتٍ تمثّل المرأة التي تدافع عن أرضها وكرامتها.

– المجال السياسي والإداري (هندسة النظام): تبنّت الإدارة الذاتية الديمقراطية مبدأ الرئاسة المشتركة، حيث يتولى منصب الرئاسة في أي مؤسسة رجل وامرأة معاً. هذا المبدأ ضمن تمثيل المرأة في كل هياكل المؤسسات، من الكومينات إلى المجالس التنفيذية، جاعلاً إياها صانعة قرار على جميع المستويات.

– المجال الاجتماعي (تأسيس الوعي): تم إنشاء أكاديميات مخصصة لتوعية المرأة، وتمكينها فكرياً وسياسياً، مستلهمة فكراً يرى تحرر المرأة شرطاً أساسياً لتحرر المجتمع.

  1. دور المنظِّرة.. من تفكيك الاستعمار إلى تفكيك الاستبداد

لم يكن نضال المرأة من أجل التحرر الوطني منفصلاً عن نضالها من أجل تحررها الشخصي. بعد الاستقلال، وجدت نفسها في مواجهة مجتمعات وقوانين ذكورية، فكانت الحركة النسوية العربية.

– الرائدات الأوائل: مثّلت هدى شعراوي في مصر ونازك العابد في سوريا النواة الأولى في حركة تحرير المرأة ، حيث كان نزع الحجاب علناً عام 1923 بمثابة رسالةٍ رمزيةٍ لبدء نضالٍ طويل من أجل المساواة.

– البعد الفكري المتعمق: جاء جيلٌ لاحقٌ مثل نوال السعداوي في مصر، التي هاجمت البُنى الذكورية في كتاباتها، وفاطمة المرنيسي في المغرب، التي قدّمت قراءة نسائية جديدة للتّراث الإسلامي. كما أسسن لخطابٍ نسوي عربي مستقل يحاول تفكيك الاضطهاد المزدوج.

– النموذج السوري: في سوريا، برزت ناشطات مثل روزا ياسين حسن كصوتٍ حقوقي. في شمال وشرق سوريا، تم تأطير هذا الدور عبر علم المرأة (جنولوجي)، الذي يهدف إلى إعادة كتابة العلوم الاجتماعية من منظورٍ نسوي، معتبراً أنّ تاريخ استعباد المرأة هو أساس جميع أشكال الاستبداد، وأنّ تحررها هو مفتاح بناء مجتمعٍ ديمقراطي.

  1. دور البانية.. من ركام الحرب إلى صروح العلم والاقتصاد

لم يقتصر إسهام المرأة على مرحلة التحرر، بل امتدّ ليشمل بناء الدولة والمجتمع. ففي مجال العلوم كانت سميرة موسى رائدة في مجال الذرة في مصر. اليوم؛ نجد البروفيسورة غادة المطيري (سعودية الأصل وحاملة للجنسية الأمريكية) مبتكرة تقنية النانو ميشن، والعالمة السعودية حياة سندي في مجال التقنية الحيوية.

في مجال القيادة، برزت شيخة حسينة واجد بنغلاديشية الأصل كرئيسة وزراء، والإماراتية مريم الجابر في قيادة مؤسسة دبي للمستقبل، والسعودية لبنى العليان في مجال الاستثمار. في النموذج السوري، ورغم الدمار الهائل، برعت المرأة السورية كمنتجة ومبادرة، حيث أسست في المناطق المحررة ومخيمات النزوح مشاريع صغيرة ومشاغل ومبادرات تعليمية. في شمال وشرق سوريا، أسست تعاونيات اقتصادية زراعية وصناعية لإدارة الموارد وتأمين الاكتفاء، كأساس للصمود المجتمعي في ظل ظروف بالغة الصعوبة. هذه التجارب ساهمت في تعزيز روح التكافل والمقاومة، حيث غدت التعاونيات فضاءات للتضامن وتبادل الخبرات والمعرفة. إنّها ليست مشاريع إنتاجية فقط، بل مدارس للحياة المشتركة، تُعيد الاعتبار لقيم العمل الجماعي والعدالة الاجتماعية. بالتالي استطاعت المرأة أن تثبت أنّ إعادة بناء الاقتصاد ليست مجرّد أرقام، بل هي فعل نهوضٍ إنساني يحافظ على كرامة الإنسان ويصون الذاكرة الجمعية من الانهيار.

  1. دور الحارسة.. حارسة الذاكرة والنسيج الاجتماعي

يُعدُّ هذا الدور الأقل ظهوراً لكنّه الأكثر عمقاً واستدامة، حيث تكون المرأة هي المدرسة الأولى التي تُخرج الأجيال من حيث:

– غرس الهوية والتراث: من خلال القصص والأغاني والتقاليد، تحافظ المرأة على التراث الوطني وتنقله بكل حب إلى أبنائها، كخط دفاع أول ضد طمس الهوية.

– بناء الشخصية الوطنية: تربية جيل واعٍ، متعلّم، ناقد، ومحب لوطنه هي عملية بناء يومية تقودها المرأة.

في ظل الحرب التي مزّقت النسيج الاجتماعي، تولّت المرأة في النموذج السوري عبء الحفاظ على تماسك الأسرة، كأمٍ معيلة تحاول حماية أطفالها من العنف والتطرّف، وزرع قيم التسامح وسط بحر من الكراهية، وهي من تُعيد صياغة الحكاية الوطنية بلغة العاطفة والانتماء. في شمال وشرق سوريا، كانت المرأة المعلّمة حجر الزاوية في تطبيق مناهج جديدة تكرّس قيم التعددية والمساواة.

  1. من النضال الفردي إلى الحراك الجماعي .. هندسة التغيير المجتمعي

لم يكن تحوّل النضال النسائي من هموم فردية إلى حراك جماعي مؤثر عملية تلقائية، بل كان نتاج وعيٍ متزايد وإرادةٍ تنظيمية. لطالما عانت النساء من العزلة في معاركهن الشخصية ضدّ القيود الاجتماعية والاقتصادية والقانونية، ولكن نقطة التحوّل تكمن في قدرتهن على تحويل هذه المعاناة المشتركة إلى قوةٍ دافعةٍ للتغيير. في البداية؛ كانت الجهود فردية من خلال أمٍ تحاول تعليم بناتها رغم العادات، أو عاملةٍ تطالب بحقّها في أجرٍ متساوٍ، أو ناشطةٍ ترفع صوتها ضد عنف أسري. لكن سرعان ما أدركن أنّ النظام الذكوري هو نظامٌ هيكلي، ولا يمكن مواجهته إلا بتنظيم مماثل.

في السياق السوري، مثّل انخراط آلاف النساء في هياكل الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا نموذجاً ساطعاً لهذا التحول. فلم يعد النضال مقتصراً على نخبةٍ من الناشطات، بل امتد ليشكّل نساءً من مختلف الخلفيّات التعليمية والاجتماعية. من خلال الكومينات ولجان العدالة والمجالس المحلية، بدأت النساء في صياغة سياسات تؤثر مباشرة في حياتهن، من قوانين الأحوال الشخصية التي تحظر تعدد الزوجات، إلى إنشاء دور آمن للناجيات من العنف. لقد أدركت المرأة أنّ تحررها ليس مسألةً خاصّة، بل هو مشروع مجتمعي لا يكتمل إلا بتحرر الجميع.

الأكاديميات النسائية لم تكن مجرد مراكز للتدريب، بل كانت ورشات عمل لصياغة وعي جمعي. هناك، تتعلم المرأة القراءة والكتابة إلى جانب مفاهيم المواطنة والقيادة، فتكسر حواجز الخوف والعزلة. هذا الحراك لم يقتصر على المنظمات الرسمية، ففي الداخل السوري المحاصر وفي مخيمات اللجوء، نشأت شبكات تضامن نسائية غير رسمية. مجموعات الخياطة تحوّلت إلى تعاونيات إنتاجية، وحلقات الدعم النفسي أصبحت مساحات للتمكين وتبادل الخبرات. لقد نجحن في تحويل الفضاءات الخاصّة – البيوت والخيم – إلى ورشات للتغيير العام. هذه الشبكات أثبتت أنّ الحراك النسوي لا يحتاج بالضرورة إلى هيكلية بيروقراطية، بل إلى إرادة مشتركة ورؤية واضحة.

النتيجة كانت تغييرات ملموسة كـ ارتفاع في نسبة الفتيات في التعليم، تراجع في حالات زواج القاصرات في المناطق المنظّمة، بروز جيلٍ جديدٍ من القياديات الشّابات اللواتي يرأسن لجاناً ويقدن مشاريع تنموية. لقد أصبح النضال النسوي في هذا النموذج مدرسة عملية للديمقراطية المباشرة، حيث تتعلم المرأة – والمجتمع بأكمله – أنّ القرارات التي تمسُّ حياتها لا يجب أن تُفرض عليها، بل يجب أن تشارك هي في صنعها.

المرأة الوطنية.. من التحرير إلى البناء

المرأةُ الوطنية هي تلك التي يتّسع حبّها ليشمل أرضها وشعبها وقيمها، فتبذل من ذاتها دون حساب. هي ليست مجرّد مواطنة تحمل هوية، بل هي روح الأمة النابضة بالعطاء. في سوريا؛ تجسّدت هذه الروح بأقسى صورها وأكثرها إشراقاً. لقد تحوّلت المرأة السورية، وفي قلبها نموذج شمال وشرق سوريا، من ضحية للحرب إلى فاعلة رئيسية في صناعة السلام والمستقبل. نضالها المزدوج – ضد الاستبداد السياسي وضد التقاليد البالية – يضعها في صدارة المشهد الثوري المعاصر.

لم يكن دور المرأة العربية مجرّد مشاركةٍ ثانوية، بل كان دوراً تأسيسياً متكاملاً. من ساحات الوغى في الجزائر وفلسطين إلى مختبرات العلم، ومن مدارس الفكر إلى معاقل المقاومة في كوباني، ومن البرلمانات إلى الكومينات. إنّها المحررة، والمنظّرة، والبانية، والحارسة. تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية و YPJ قدّمت نموذجاً عملياً فريداً على أنّ تحرر المرأة ليس ترفاً فكرياً، بل هو مشروع سياسي واجتماعي قابل للتحقيق.

الرموز من جميلة بوحيرد إلى سميرة موسى إلى بارين كوباني، ليست سوى أمثلةٍ على بحرٍ من النساء المجهولات اللواتي يقدنَ معركة البناء يومياً. المرأة الوطنية هي التي تحمل همَّ وطنها في قلبها قبل عقيدتها أو عرقها، فهي تبني جسور التسامح وسط الدمار، وتعلم أبناءها أنّ حب الوطن ليس شعاراً، بل هو فعلُ مقاومةٍ يومي يتجسد بالتعلّم والعمل والبناء. الاعتراف بهذا الدور النموذجي ليس إنجازاً للمرأة السورية أو العربية وحدها، بل هو إعادةٌ لقراءة تاريخنا بشكلٍ صحيح، وتأكيدٌ على أنّ مستقبل الوطن العربي لن يُبنى إلا بتحرر نصفه الآخر وإشراكه الكامل في صنع القرار. لقد انتقلت المرأة العربية من كونها صانعة للتحرير إلى مهندسة للمستقبل، وهي تحمل بيدٍ راية الكفاح وباليد الأخرى مشروع النهضة، لتثبت للعالم أنّ الوطنية الحقيقية هي أن نصنع من الألم أملاً، ومن الرماد ميلاداً جديداً.