الوطنيّة وحبُّ الوطن ضرورة حياتيّة للمرأة – هلاف محمد سيدو
الوطنيّة وحبُّ الوطن ضرورة حياتيّة للمرأة

“أثبتت المرأةُ أنّها الأساسُ في بناءِ الوطنِ
وأعظمُ المدافعات عنه،
وما زالت تقودُ الحرب تحتَ قيادةِ المرأة المناضلة،
مجددةً معنى الوطنيّة بوصفها التزامًا أخلاقيًّا وتاريخيًّا للوطن
وللقيم الجماليّة التي تحملها”
هلاف محمد سيدو
لكلِّ فردٍ مجتمعٌ يعيش فيه، وثقافةٌ ينتمي إليها، ولغةٌ يتواصل بها، وأسلوبُ حياة، وأخلاق اجتماعية، بالإضافة إلى منطقة مستقرّة يعيش فيها ويُسهم في تطويرها. إنّ الحب والاحترام اللذان ينشآن من خلال العمل المبذول في هذه الأراضي المستقرّة يكتسبان قيمة متنامية، لأنّ الحياة التي تطوّرت بالجهد لها حقيقة مقدّسة. هذه القداسة التي بدأت مع الآلهة في فجر التاريخ ما زالت مستمرّة حتى يومنا الراهن. من هنا ارتبطت المرأة بالطبيعة والتربة ارتباطًا وثيقًا، حيث نشأت مفاهيم مثل “الأرض الأم” و”الوطن”.
لقد تشكّلت العلاقة بين المرأة والأرض بصورةٍ متكاملة، من خلال العمل والحب والاحترام الذي قدّمته المرأة للأرض منذ العصر الحجري الحديث وثورة القرية الزراعية، وصولًا إلى يومنا هذا. أمّا في ظل النظام الرأسمالي المعاصر، فإنّ المرأة والطبيعة تتعرضان للهجوم أكثر من غيرهن، ومع ذلك تقود النساء نضالًا قويًا لمواجهة هذا الاستهداف. في هذا السياق، يرتبط حلم الشهيدة سارة بتحويل كردستان إلى حديقة ورود بالعلاقة العميقة بين المرأة والطبيعة. في المقابل تسعى ذهنية الدولة الذكورية إلى إشعال الحروب باستمرار من أجل البقاء، وتعمل على تجريد الناس من ثقافتهم عبر سياسات التهجير القسري، محاولةً فرض أسلوب حياة منفصل عن الوطنية من خلال عزلهم عن قيمهم الأصيلة.
لقد تقدّم كل ذلك مع التنظيم الذي تشكّل حول المرأة، فرغم ما تعرّضت له من هجوم عقلية السلطة الذكورية، إلا أنّها واصلت مسيرتها حتى اليوم. إنّ الحياة المجتمعيّة المنظّمة ليست فقط وسيلةً للدفاع المادي عن الناس، بل تحمل أيضًا في جوهرها القيم الروحية التي خُلقت وانتقلت من جيلٍ إلى جيل حتى أصبحت رمزًا للحياة ذاتها. بعبارة أخرى؛ كل فرد هو عملية إعادة تنظيم ذاتي وتجسيد حي للقيم الاجتماعية. على هذا الأساس، فإنّ البحث عن ذواتنا يقودنا أولًا إلى المجتمع والتاريخ، لأنّهما الحاضنة الأولى لهويتنا. الشعب الذي لا يفكّر في مستقبله، لا يمكنه الإجابة على سؤال “من أنا” بأي شكل.
كلُّ شخصٍ يمتلك إرادة حرّة يعطي معنى للمجتمع ولحياته، ويجعل الوجود أكثر جمالًا بقوة المعنى الذي يخلقه. أمّا الإنسان الذي لا يعرف نفسه، يكون عرضةً للتأثيرات الخارجية، ويقوده فقدان الوعي إلى العبودية دون أن يشعر. إذا عدنا إلى مفهوم الحرية الذي نسعى إليه جميعًا، نجد أنّ قوّة التساؤل التي تطوّرت مع التركيز الاجتماعي للناس هي التي أبدعت الابتكار والجمال عبر التاريخ. أثناء بناء الدولة، سلبت العقلية الذكورية المتسلّطة كل القيم الاجتماعية من المرأة، واستغلّت باستمرار قوة المجتمع الجسدية والعقلية لتحقيق مصالحها الخاصّة. من خلال استعباد المرأة الأولى، قُطعت صلة المجتمع بالطبيعة والحياة، ووُضع الرجل في مركز الحياة التي كانت مندمجة مع الطبيعة التي خلقتها ثقافة الآلهة الأم.
مع عصر الرأسمالية والليبرالية، جاء العالم الافتراضي والفردية التي تبدو وكأنّها توحّد البشر، لكنّها في الحقيقة تمنحُ معاني مختلفة للقيم الاجتماعية، وتتركنا بلا دفاع عبر تجريدنا من وعينا التاريخي. لذلك عندما نتحدث اليوم عن الحرية، فإنّنا لا نستحضر المجتمع والتاريخ والنضال والتنظيم بوصفها ركائزها الأساسية، بل نتعامل مع كلماتٍ جُرّدت من معناها الأصلي. الكلمات مقدّسة بمثابة مفاتيح العبور، ومن خلال إعطاء المعنى الحقيقي لها، نُعيد لها قدسيتها ونمنحها حياةً جديدة.
كانت كردستان حيث يتدفق نهرا الفرات ودجلة بمثابة ساحةٍ للحروب القذرة على مدى قرون طويلة. مع ذلك لم يتم القضاء على الشعور بالوطنية في هذه الأرض أبدًا. كما يقول المفكر عبد الله أوجلان: “أصبحنا وطنيين في بلدٍ لا يستطيع أحدٌ حتى أن يقول اسمه”، هذه العبارة تسلّط الضوء على حقيقة عميقة.
لقد كشف القائد الأممي عبد الله أوجلان عن المعنى الحقيقي لحب الوطن، حين دمج معايير الوطنية التي طوّرها في شخصه مع مجتمعه، فوحّد بين الناس وبين ثرواتهم الاجتماعية. من خلال هذا الوعي الوطني المعاد خلقه، تم إنقاذ الشعب الكردي من الانقراض. على امتداد التاريخ، خلقت مئات القبائل ثقافة غنيّة في هذه الأراضي، وما زالت ملامح هذه الثقافة تجد تعبيرها في شعبنا اليوم، وإن كان ذلك بمستوياتٍ منخفضة للغاية.
هل يمكن للإنسان أن يكون وطنيًّا دون أن يحب التاريخ؟
إنّ التاريخ ليس مجرّد أحداثٍ متراكمة، بل هو سؤالٌ حيٌّ، كيف رُسم هنا؟ كيف عاش الناس هنا؟ ما الثقافات التي تطوّرت؟ كيف وصلت إلينا؟ كيف ناضل الملوك والآلهة والعبيد والمنبوذون في هذه الأرض؟ وكيف وُلد الفن هنا؟ من لا يسأل هذه الأسئلة، من لا يعيشها في قلبه ولا يغرسها في روحه، يبقى بعيدًا عن إدراك الجمال الطبيعي لهذه الأرض. إذا كانت الحياة كما نسميها، لا تتعدى الاختباء في حفرة مثل الخلد والاستمرار في الإنتاج اليومي، فإنّ هذا لن ينتج إنسانًا عظيمًا، بل بالكاد سينتج حياةً عادية. رغم أنّ المعرفة في أصلها وُلدت من المرأة ومن علاقتها بالطبيعة، إلا أنّ الرجال تجاهلوها، وسيطروا على هذه المعرفة، وأُقصيَ دور النساء ولم يُعترف بجهودهن في التقدم العلمي.
إنّ العقليّة التي تسعى للسيطرة على المجتمع تبدأ أولًا بالسيطرة على المرأة عبر سياسات ممنهجة. هذا ما توضّحه الروايات والأساطير الأولى، حيث كانت مكانة المرأة في الحياة الاجتماعية بارزةً خلال فترة الآلهة الأم. لكن منذ أن بدأ الصراع بين الرجل والمرأة في تلك الحقبة، وُضِعت اللبنة الأولى للتناقضات التي تطورت لاحقًا إلى صراعات حادّة، وصولًا إلى عصرنا هذا.
مع ظهور الدين أصبح مكان الإنسان في المجتمع أكثر وضوحًا، لكن دور المرأة أخذ يتلاشى شيئًا فشيئًا، فقد جرى فصلها عن ذاتها، ورغم أنّ الدين يعد بالخير والحياة الطيبة، إلا أنّ الواقع جعل المرأة بلا قوة إرادة.
هكذا تحوّلت جميع القواعد المكتوبة وغير المكتوبة، التي فرضها الدين إلى منظومة أخلاقية تنطبق بالدرجة الأولى على النساء. كلّما دُفعت المرأة أكثر نحو حدود العبودية، وكلّما فُرضت عليها الضغوط والاستغلال، كان ذلك يُعتبر تحقيق مستوى أخلاقي أسمى على الصعيد الاجتماعي.
في الفلسفة، بدأ هذا الوضع بمقارنة المساواة بين النساء والرجال عبر البحث في الحقيقة والخير والجمال، والتشكيك في المعرفة التي صيغت لضمان النظام الاجتماعي والوصول إلى جوهر الحقيقة. غير أنّ الفلسفة لم تتمكن من أداء هذه المهمة كاملة، إذ سرعان ما تأثّرت بالنظام الطبقي السلطوي الذكوري، وعجزت عن إيجاد حلٍّ جذري لمكانة المرأة، فبقيت قاصرة في هذا المجال، وظل الرجل هو المسيطر.
أمّا في النظام الرأسمالي الحالي، فإنّ الشابات هن الفئة الأكثر انفتاحًا على التغيير والتحوّل، لكنهن أيضًا الأكثر عرضة للضغط والسلطة في مختلف مجالات وجودهن. فالنظام يعمل على إنشاء دويلات صغيرة من خلال جعل الجميع متشابهين، محاولًا طمس الفوارق الفردية.
تمرُّ الإنسانية بتطوّرها الحقيقي عبر التنظيم الاجتماعي والتطورات النفسية العلمية التي تُعيد للإنسان وعيه وقدرته على التغيير. لكن العقلية الذكورية التي هيمنت على جميع جوانب الحياة لمدة خمسة آلاف عام، لعبت بهوية المرأة إلى حدِّ جعلها غير قادرة على التعرّف إلى ذاتها.
لذلك؛ لا يمكن أن يكون هذا مصدرًا للحياة الوطنية. فالوطنية ليست مقياسًا بسيطًا أو عاديًا، لأنّ ما يدور في كردستان هو في الأساس حرب وطن، والوطنية هنا تعني مبدأ المسؤولية الملقى على عاتق كل فرد. من أجل الوفاء بهذه المسؤولية، ضحى الآلاف من الوطنيين الكرد بحياتهم.
اليوم تخوض الفئة الشابة معارك ضد المحتلّين الفاشيين في أراضي كردستان بشجاعةٍ كبيرةٍ وثقةٍ بالنفس. إنّ هؤلاء الشباب، وخاصة النساء، يقودون طريق النصر بمواجهة الأسلحة الكيميائية والنووية وكل أدوات الإبادة. فالفرد الذي يحب وطنه وأرضه وشعبه، قادر أن يقدّم حياته دفاعًا عنهم، لأنّه يُدرك أنّ الوطنية وعي بالقيم المادية والروحية للوطن، ومسؤولية تاريخية لا يمكن التخلّي عنها. وقد جسد حُرّاس كردستان هذا المعنى بطريقة حيّة وملموسة.
في نموذج المرأة الحرّة يظهر نهجٌ مميز في التشكيك بالجمال والأخلاق، إذ يُنظر في التناقضات القيّمة ويتم التساؤل والبحث المستمر لإنتاج قيم أخلاقية جديدة، وهذا المنظور نفسه يفتح الطريق نحو الجمال. من هنا يصبح من الضروري النظر إلى كل ما هو جميل ضمن إطار أخلاقي. إنّ نضال المرأة من أجل الحرية، بما قدّمه من أمثلة حيّة وفاعلة جعلنا نحن النساء نحتضن جوهر الجمال والأخلاق معًا.
ما قاله الفيلسوف عبد الله أوجلان يُعبّر بدقة أكبر عن هذه المسألة: “ليس لدينا قتال، هناك قبح عظيم. هناك حالات غير مقبولة. أنت لا تريد حتى رؤية هذه. عندما طورت حربًا لإنقاذ كل الجمالات، قلت: هل يمكنني خوض حرب كهذه؟” ستقول نعم، لدي مثل هذه المعركة. فالأمر هنا ليس مجرّد إنقاذ جمال فردي، إنّها حربٌ لإنقاذ الجمال الأنثوي، والجمال الطبيعي، والجمال التاريخي. كيف يمكن أن تكون وطنيًا حقًا عندما تُمحى كل هذه القيم؟ كيف يزدهر شغفك بالحرية؟ إنّ من يختار الهرب من الجبل بسهولة ويهمل القيم التاريخية، أو يعامل المرأة كأداة للقتل والامتلاك، لا يملك قلبًا أو روحًا ثورية.
يجب كسر أنماط التفكير المفروضة وبناء حياة تتساءل، وتبحث، وتحقق، وتمكن المرأة من تنظيم حياتها بيديها. تشكيل الحياة بإرادة المرأة أقوى قيمة من أن تكون عبدةً لأي شخص آخر، ولهذا السبب أكّد المفكر عبد الله أوجلان أنّ أحد مبادئ تحرّر المرأة هو الإرادة الحرّة.
بالنسبة للمرأة، فإنّ مبدأ الوطنية وحب الوطن ليست مجرّد شعارات بل ضرورة حياتية. لأنّ العقلية الذكورية للدولة لم تسرق من المرأة خصائصها وقيمها الإنسانية فحسب، بل فصلت الوطنية عن المرأة وجعلت النضال الوطني وظيفةً للرجال وحدهم. في المقابل؛ أثبتت المرأة أنّها الأساس في بناء الوطن وأعظمُ المدافعات عنه.
