بين الرقابة والترويج… الاندماج الديمقراطي تحت مجهر الإعلام – هولير حكيم
بين الرقابة والترويج.. الاندماج الديمقراطي تحت مجهر الإعلام

بقلم: هولير حكيم
“لا يُقاس نجاح الإعلام بقدرته على ترديد الخطابات السياسية أو تجميل الواقع،
بل بمدى قدرته على حماية حق المواطنين في المعرفة، ومراقبة السلطة، وتعزيز ثقافة الحوار والتعددية،
فالإعلام الحر والمهني ليس مكمّلًا لمسار الاندماج الديمقراطي فحسب، بل أحد شروط نجاحه الأساسية”
في مراحل التحول السياسي وإعادة بناء الدول الخارجة من النزاعات، لا يقتصر دور الإعلام على نقل الأخبار وتغطية الأحداث، بل يتحول إلى أحد الفاعلين الرئيسيين في تشكيل الوعي العام والتأثير في مسارات الاستقرار أو التوتر. في الحالة السورية، حيث تتداخل الملفات السياسية والقومية والحقوقية والإنسانية، تزداد أهمية الإعلام بوصفه أداة قادرة على المساهمة في تعزيز الاندماج الديمقراطي وترسيخ ثقافة التعددية، أو على العكس، تكريس الانقسام ونشر خطاب الكراهية وإعادة إنتاج الصراعات إذا ما فقد استقلاليته ومهنيته.
يستطيع الإعلام أن يساهم في تعزيز الاندماج من خلال تسليط الضوء على المصالح المشتركة بين السوريين، وإبراز النماذج الإيجابية للتعايش والتعاون بين مختلف المكونات القومية والدينية والثقافية. غير أنّ نجاح الإعلام في أداء هذا الدور يتطلب التزامًا حقيقيًا بالمعايير المهنية والأخلاقية، لأنّ الاندماج الديمقراطي لا يُمكن أن يُبنى على صورةٍ إعلامية مثالية تتجاهل المشكلات أو تخفي الخلافات، بل يحتاج إلى إعلامٍ قادر على عرض الوقائع كما هي، بما فيها الجوانب الإيجابية والسلبية معًا.
الإعلام بين تعزيز الاندماج الديمقراطي وكشف الحقائق
يؤدي الإعلام دورًا مهمًا في شرح الاتفاقات والتفاهمات السياسية للرأي العام، بما يحد من الشائعات وسوء الفهم ويعزز الثقة بالحلول المطروحة، إلا أنّ هذا الدور لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد ترويجٍ سياسي أو تبنٍ غير نقدي للروايات الرسمية.
ففي الحالة السورية، ونخصُّ بالذكر اتفاقية 29 كانون الثاني/يناير الموقّعة بين قوات سوريا الديمقراطية (قسد) والحكومة الانتقالية، فلا يكفي الاحتفاء بها أو تقديمها بوصفها إنجازًا نهائيًا، بل يتوجب على الإعلام متابعة تنفيذها على أرض الواقع، وقياس مدى التزام الأطراف ببنودها واستحقاقاتها، فالإعلام المسؤول لا يكتفي بنقل التصريحات، وإنّما يراقب الأداء ويطرح الأسئلة الصعبة ويكشف مواطن الخلل عندما تظهر.
من هنا، فإنّ دعم الإعلام لمسار الاندماج لا يعني الصمت عن المشكلات أو تجاهل العقبات، بل يتطلب الجمع بين تشجيع الحلول والحوار من جهة، وممارسة الدور الرقابي من جهة أخرى.
كما أنّ الإعلام المستقل يُشكّل جسرًا بين صُنّاع القرار والمجتمع. إذ يُتيح للمواطنين التعبير عن مخاوفهم وتطلعاتهم، وينقل هذه المطالب إلى الجهات المعنيّة بصورةٍ مهنيّة ومسؤولة. كلّما شعر المواطن بأنّ صوته مسموع وأنّ قضاياه تجد مكانًا في التغطية الإعلامية، ازدادت ثقته بالمؤسسات العامّة وبمسارات التسوية السياسية، وهو ما ينعكس إيجابًا على فرص نجاح الاندماج الديمقراطي والاستقرار المجتمعي.
الذاكرة الكردية بين التفاؤل والحذر
لا يمكن الحديث عن الاندماج الديمقراطي في سوريا من دون فهم الخلفية التاريخية التي تنظر من خلالها قطاعات واسعة من الكرد إلى الاتفاقات السياسية الحالية. فبالنسبة للكثير منهم، شكّل اتفاق 29 كانون الثاني/يناير بارقة أمل لإنهاء عقودٍ من التهميش والإقصاء السياسي والثقافي.
ولا تزال الذاكرة الكردية مثقلة بمحطاتٍ مؤلمة بدأت بالإحصاء الاستثنائي عام 1962 الذي حرم عشرات الآلاف من الجنسية السورية، مرورًا بمشروع الحزام العربي في سبعينيات القرن الماضي، وصولًا إلى سياسات الإنكار والتهميش التي استمرت لعقود خلال حكم البعث.
لذلك استُقبل الاتفاق في بداياته بكثيرٍ من التفاؤل، بوصفه فرصة لبناء علاقة جديدة مع الحكومة الجديدة قائمة على الشراكة والاعتراف المتبادل والحقوق المتساوية. هذا التفاؤل لا يلغي الحاجة إلى التريّث وتقييم النتائج الفعلية على الأرض، خاصّةً في ظلِّ استمرار التعثّر أو البطء في معالجة عدد من الملفات الأساسية. هنا يبرز دور الإعلام المهني في الانتقال من مرحلة الاحتفاء بالاتفاق إلى مرحلة مراقبة تنفيذه، لأنّ الثقة لا تُبنى على الوعود وحدها، وإنّما على ترجمتها إلى إجراءات ملموسة يشعر بها المواطنون.
الإعلام: الملفات الإنسانية ليست أوراقًا سياسية
من أهم القضايا التي ينبغي أن يتابعها الإعلام في سياق الاندماج الديمقراطي الملفات الإنسانية والحقوقية المرتبطة بالاتفاقات السياسية. فملف الأسرى والمعتقلين، على سبيل المثال، لا ينبغي التعامل معه كورقة ضغط أو أداة للمساومات السياسية، بل كقضيةٍ إنسانية تمسُّ آلاف العائلات السورية. من واجب الإعلام أن يسلّط الضوء على أي تأخير أو مماطلة في معالجة هذا الملف وأن يمنح المتضررين فرصةً لإيصال أصواتهم للرأي العام.
ينطبق الأمر ذاته على ملف المهجرين والنازحين، هذا الملف الذي يمثّل أحد أكثر الملفات تعقيدًا وحساسية في سوريا. فعودة السكان إلى مناطقهم وضمان حقوقهم القانونية والإدارية والخدمية تشكل جزءًا أساسيًا من أي عملية استقرار أو اندماج وطني. لذلك فإنّ تجاهل هذه القضية إعلاميًا أو حصرها في إطار التصريحات السياسية العامة لا يخدم مسار الحل، بل يساهم في إدامة المشكلة.
كما أنّ القضايا المتعلّقة بالحقوق الثقافية واللغوية والإدارية والقضائية تستحق اهتمامًا إعلاميًا أكبر، لأنّها ترتبط بشكلٍ مباشر بمفهوم المواطنة المتساوية وبناء الثقة بين الدولة ومختلف مكونات المجتمع.
الإعلام المهني لا يخفي الإخفاقات كما لا يتجاهل الإنجازات
في هذا السياق يُثار الكثير من الجدل حول أداء وسائل الإعلام الحكومية أو القريبة من مراكز القرار، والتي تُتهم أحيانًا بتقديم صورةٍ أحادية للمشهد السياسي، أو بممارسة نوعٍ من التعتيم على بعض الملفات الحساسة، فبدلًا من مناقشة المشكلات القائمة بشفافية، تلجأ إلى تزييف الحقائق أو التقليل من أهمية القضايا الخلافية، أو اتباع ما يمكن وصفه بـ “سياسة الصمت” تجاه ملفات معينة.
تكمن خطورة هذا النهج في أنّه يترك المجال مفتوحًا أمام وسائل التواصل الاجتماعي والمصادر غير المهنية لملء الفراغ المعلوماتي. عندما يغيب الإعلام المسؤول عن معالجة قضية ما، تبدأ الشائعات والتفسيرات غير الدقيقة بالانتشار، ما يؤدي إلى تشويه الحقائق وتعزيز حالة عدم الثقة بين المواطنين والمؤسسات.
كما أنّ سياسة الصمت لا تقلُّ خطورة عن نشر المعلومات المضللة، لأنّها تسمح بتضخيم الروايات غير الموثقة وتحويلها إلى حقائق متداولة لدى الرأي العام. لذلك فإنّ الإعلام المهني لا يجب أن يخفي الإخفاقات كما لا يتجاهل الإنجازات، فدور الإعلام لا يتمثّل في الدفاع عن الحكومات أو القوى السياسية، بل في مساءلتها ومراقبة أدائها ونقل الحقائق للجمهور، وبذلك يكون قد قدّم صورةً متكاملة تساعد الجمهور على فهم الواقع واتخاذ مواقف مستنيرة تجاهه.
مواجهة خطاب الكراهية وترسيخ ثقافة التعددية
لا تقتصر آثار سياسة الصمت على انتشار المعلومات غير الدقيقة فحسب، بل تمتد إلى خلق بيئة خصبة لخطابات الكراهية والانقسام المجتمعي، خصوصًا في بيئة متعددة القوميات والأديان مثل سوريا. حيث أدى انتشار الخطابات التحريضية في بعض وسائل الإعلام ومنصّات التواصل الاجتماعي إلى تعميق الانقسامات المجتمعية وتعزيز الصور النمطية السلبية بين المكونات المختلفة.
من هنا تأتي أهمية الإعلام المهني في التصدي لهذا النوع من الخطابات عبر الالتزام بمعايير الدقة والموضوعية واحترام التنوع الثقافي والقومي والديني، فبدلًا من استخدام لغة التخوين أو التحريض، ينبغي أن تركز الرسائل الإعلامية على المشتركات الوطنية والقيم الإنسانية الجامعة.
كما يمكن لوسائل الإعلام أن تؤدي دورًا محوريًا في ترسيخ ثقافة التعددية ومكافحة خطاب الكراهية، من خلال تخصيص برامج وحوارات تناقش مخاطر خطاب الكراهية وتأثيراته على الأمن المجتمعي والاستقرار السياسي، مع استضافة خبراء وممثلين عن مختلف المكونات السورية لتقديم رؤى تعزز التفاهم المتبادل، ويساهم هذا النهج في خلق وعي مجتمعي يدرك أنّ التنوع ليس مصدر تهديد، بل عنصر قوة يمكن البناء عليه في مستقبل سوريا. فكلما شعر المواطن بأنّ هويته وثقافته ممثلة ومحترمة في الفضاء الإعلامي، ازدادت ثقته بالمؤسسات الوطنية وبمشروع الدولة الجامعة.
كما يُمكن لهذا النوع من الإعلام أن يساهم في خلق مساحاتٍ للحوار بين مختلف المكونات الاجتماعية، عبر تسليط الضوء على المبادرات المدنية المشتركة، وقصص النجاح التي تجمع السوريين بعيدًا عن الانقسامات السياسية والقومية، فإبراز التجارب التي تحقق تعاونًا فعليًّا بين المجتمعات المحلية يساعد على تعزيز الشعور بالمصير المشترك ويحدُّ من تأثير الخطابات المتطرفة التي تسعى إلى تعميق الانقسامات.
في نهاية المطاف، لا يُقاس نجاح الإعلام بقدرته على ترديد الخطابات السياسية أو تجميل الواقع، بل بمدى قدرته على حماية حق المواطنين في المعرفة، ومراقبة السلطة، وتعزيز ثقافة الحوار والتعددية. فالإعلام الحر والمهني ليس مكمّلًا لمسار الاندماج الديمقراطي فحسب، بل أحد شروط نجاحه الأساسية.
