المرأة السورية في مرحلة ما بعد النزاع.. التحديات وآفاق التمكين والتنمية المستدامة

المرأة السورية في مرحلة ما بعد النزاع.. التحديات وآفاق التمكين والتنمية المستدامة

لعبت المرأة السّورية أدوارًا محوريّة في الحفاظ على تماسك الأسر

 وتنظيم المبادرات المجتمعيّة، وتقديم الخدمات التعليميّة والصحيّة،

 والمشاركة في العمل المدني والإنساني، رغم التحديات والمخاطر التي واجتها،

 تؤكّد هذه الأدوار أنّ المرأة السّورية ليست مجرّد متلقية للمساعدة،

بل فاعلة تمتلك القدرة على التأثير وصنع التغيير إذا ما أتيحت لها الفرص

مركز جنولوجيا للفكر والدراسات

 

تُعدُّ مرحلة ما بعد الحرب من أكثر المراحل تأثيرًا في حياة المجتمعات، إذ تتجاوز التداعيات الهيكلية للنزاعات المسلحة حدود الدمار المادي والخسائر الديموغرافية المباشرة، لتمتد عميقًا في البنى الاجتماعية والاقتصادية والنفسية للمجتمعات. تفضي هذه الأزمات عادةً إلى تحولاتٍ جوهرية في الديناميات الأسرية، وأنماط العيش، والأدوار الجندرية التقليدية. في هذا السياق، تمثّل الأزمة السّورية نموذجًا حيًّا للأزمات الممتدة التي لم تقتصر آثارها على تقويض البنى التحتية والمؤسسات التنموية فحسب، بل أسهمت في إعادة صياغة الواقع الإنساني بصورةٍ جذريّة, ولا سيّما واقع المرأة التي واجهت تحدياتٍ مركّبة وغير مسبوقة فرضتها سياقات الحرب المستمرّة لسنوات.

لقد تصدّرت النساء الفئات الأكثر تأثّرًا بالأزمة السورية نتيجة تداخل آثار النزوح القسري، والسيولة الأمنية، وتراجع كفاءة المؤسسات الخدمية، والانكماش الحاد في النشاط الاقتصادي، إلى جانب غياب المعيل الأساسي للأسرة، فضلًا عن الصعوبات المرتبطة بإعادة الاندماج في المجتمع. هذه المعطيات دفعت بالمرأة نحو سياقات اجتماعية واقتصادية جديدة، لتتحمل مسؤولياتٍ لم تكن مألوفة قبل الحرب، من أبرزها الإعالة الاقتصادية المباشرة، وإدارة الأزمات المعيشية، وضمان الحماية الأسرية في بيئاتٍ شديدة التعقيد، الأمر الذي أدّى إلى تضاعف الأعباء الوظيفية والوجدانية الملقاة على عاتقها.

لم تكن الأبعاد النفسية والاجتماعية بمعزل عن هذه التحوّلات، بل تشابكت مع معوقات الفقر، وتدني الدخل والأجور، وازدياد معدلات البطالة، والضغوط النفسية الناجمة من الفقد والنزوح، لتُشكل حلقةً مفرغةً يؤثر فيها كل عامل في الآخر تأثيرًا تبادليًا، فيغدو كلٌّ منها سببًا ونتيجةً في آنٍ واحد. رغم هذه التحديات البنيوية القاسية، أظهرت المرأة السورية قدرًا كبيرًا من المرونة والقدرة على التكيّف، مما جعلها فاعلًا محوريًا في صون التماسك الأسري والمجتمعي وإعادة بنائه، فضلًا عن المشاركة في التمكين الاقتصادي، وإن كان بحدودٍ معينة وفي المبادرات الإنسانية المحلية. مع ذلك، فإنّ بطء التعافي التنموي، وضعف الأسواق، ونقص الفرص المتاحة لا يزال يحول دون تحقيق تمكينها الشامل، ويستوجب تحوّلًا راديكاليًا في التعاطي مع قضية المرأة. من هنا، تكتسب هذه الدراسة أهميتها السوسيولوجية.

تسعى هذه الدراسة إلى تحليل تأثير النزاع المسلح في حياة المرأة السورية، واستعراض أبرز التحديات التي لا تزال تواجهها في مرحلة ما بعد النزاع، مع التركيز على الجوانب النفسية والاجتماعية والاقتصادية والتعليمية، إلى جانب بيان السبل الكفيلة بتعزيز دور المرأة وتمكينها، بوصفها شريكًا أساسيًا في تحقيق التنمية المستدامة، والإسهام في إعادة بناء المجتمع السوري.

تأثير النزاع المسلح على المرأة السورية

 

لم تكن الأزمة السورية مجرّد مواجهةٍ عسكرية أو أزمة سياسية عابرة، بل تحوّلت إلى حدثٍ غيّر ملامح المجتمع السوري بصورةٍ عميقة، وأعاد تشكيل العلاقات الاجتماعية والأدوار الأُسريّة والواقع الاقتصادي. بين جميع الفئات الاجتماعية، كانت المرأة من أكثر المتأثرين بهذه التحوّلات، إذ وجدت نفسها أمام مسؤولياتٍ متزايدة وتحدّياتٍ معقّدة فرضتها ظروف الحرب وما رافقها من نزوحٍ وفقدانٍ للأمن والاستقرار وانهيارٍ لمقومات الحياة الأساسية. لم تقتصر آثار الأزمة على جانبٍ واحدٍ من حياتها، بل امتدّت لتشمل الجوانب النفسية والاجتماعية والاقتصادية في آنٍ واحد، بحيث أصبح كلُّ جانبٍ يؤثّر في الآخر بصورةٍ متبادلة.

أولًا: الآثار النفسية

تُعد الآثار النفسية من أكثر النتائج استمرارًا وتعقيدًا، لأنّ الحرب لا تنتهي بانتهاء العمليات العسكرية، وإنّما تبقى آثارها راسخة في ذاكرة الأفراد وسلوكهم. فقد عاشت المرأة السورية سنواتٍ طويلة في ظلِّ الخوف المستمر من القصف والقتل والاعتقال والنزوح، إضافةً إلى فقدان أفراد الأسرة أو انفصالها عنهم، الأمر الذي ولّد مشاعر متراكمة من القلق والحزن وعدم اليقين تجاه المستقبل.

كما أنّ الانتقال المتكرر بين مناطق النزوح، وفقدان المنزل والاستقرار، ترك لدى كثير من النساء شعورًا بالغربة والضياع، وجعلهنَّ أكثر عرضةً للإصابة بالاكتئاب واضطرابات القلق واضطرابات ما بعد الصدمة. تزداد هذه المعاناة عندما تتحمل المرأة مسؤولية إعالة أطفالها بمفردها، في ظلِّ غياب الموارد المالية والخدمات الصحية والدعم النفسي، فتجد نفسها مطالَبةً بإخفاء آلامها الشخصية من أجل توفير الشعور بالأمان لأفراد أسرتها.

رغم أنّ كثيرًا من النساء أظهرنَ قدرةً كبيرةً على الصمود والتكيّف مع الظروف الاستثنائية، فإنّ ذلك لا يعني غياب المعاناة النفسية، بل إنّ العديد منهنَّ فضّلنَ الصمت وإخفاء مشاعرهنَّ خشية الوصمة الاجتماعية أو بسبب غياب الخدمات المتخصصة. لذلك؛ أصبحت الصحة النفسية عنصرًا أساسيًا لا يمكن تجاهله في أي خطةٍ تستهدف التعافي وإعادة بناء المجتمع.

ثانيًا: الآثار الاجتماعية

أدّت الحرب إلى إحداث تغيّراتٍ جوهريةٍ في البناء الاجتماعي للأسرة السورية، فبعد أن كانت الأدوار داخل الأسرة أكثر استقرارًا، فرضت سنوات الازمة واقعًا جديدًا أصبحت فيه المرأة تتحمل مسؤولياتٍ متعددة تتجاوز الأدوار التقليدية. ففي كثير من الحالات أصبحت المعيل الوحيد للأسرة، والمسؤولة عن تربية الأطفال، وإدارة شؤون المنزل، واتخاذ القرارات المتعلّقة بالحياة اليومية.

أسهم هذا التحوّل في إبراز قدرة المرأة على تحمّل المسؤولية والتكيّف مع الظروف الصعبة، لكنّه في الوقت ذاته زاد من الضغوط الاجتماعية الواقعة عليها، خاصّةً في ظلِّ ضعف شبكات الحماية الاجتماعية وتراجع الخدمات العامة.

من جهةٍ أخرى، ساهمت الظروف الاقتصادية والأمنية في انتشار عددٍ من الظواهر الاجتماعية السلبيّة، مثل الزواج المبكر، والانقطاع عن التعليم، وعمالة الأطفال، وهي ظواهر تؤثر بصورةٍ مباشرةٍ في النساء والفتيات، وتحدُّ من فرصهن في بناء مستقبلٍ أكثر استقرارًا. كما لا تزال بعض النساء يواجهن قيودًا اجتماعية تحدُّ من مشاركتهن في الحياة العامة وفي مواقع اتخاذ القرار، الأمر الذي يقلل من إسهامهن في جهود التعافي والتنمية.

ثالثًا: الآثار الاقتصادية

كان الجانب الاقتصادي من أكثر الجوانب تأثّرًا بالحرب، إذ أدى تراجع الإنتاج وارتفاع معدلات البطالة والفقر إلى تدهور مستوى المعيشة لدى غالبية الأسر السورية. في ظلِّ فقدان عددٍ كبيرٍ من الأسر لمعيلها بسبب الوفاة أو الاعتقال أو الهجرة أو الإصابة، اضطرت آلاف النساء إلى دخول سوق العمل لأول مرّة أو إلى تحمل مسؤولية الإنفاق على الأسرة بصورةٍ كاملة.

غير أنّ دخول المرأة إلى سوق العمل لم يكن دائمًا خيارًا نابعًا من الرغبة في تحقيق الاستقلال الاقتصادي، بل كان في كثيرٍ من الأحيان استجابةً اضطرارية لظروف المعيشة القاسية. كما أنّ غالبية فرص العمل المتاحة للنساء تركّزت في أعمالٍ منخفضة الأجور أو في القطاع غير المنظّم، الذي يفتقر إلى الضمانات القانونية والاجتماعية والتأمين الصحي، مما أبقى المرأة في دائرة الهشاشة الاقتصادية.

تواجه النساء أيضًا صعوباتٍ كبيرة في الحصول على التمويل وإقامة المشاريع الصغيرة، نتيجة ضعف الإمكانات الاقتصادية وغياب التسهيلات اللازمة، الأمر الذي يحدُّ من قدرتهنَّ على تحقيق الاستقلال المالي وتحسين مستوى معيشة أسرهن. لذلك ما تزال نسبةٌ كبيرة من الأسر التي تعيلها النساء تعتمد بصورةٍ أساسية على المساعدات الإنسانية، وهو ما يعكس استمرار التحديات الاقتصادية التي تواجه المرأة السورية حتى بعد تراجع حدّة العمليات العسكرية.

لا يمكن دراسة هذه الآثار النفسية والاجتماعية والاقتصادية بصورةٍ منفصلة، لأنّها تُشكل منظومةً مترابطة تؤثّر عناصرها بعضها في بعض. التدهور الاقتصادي يزيد من الضغوط النفسية، والضغوط النفسية تقلل من قدرة المرأة على العمل والإنتاج، بينما تؤدي المشكلات الاجتماعية إلى إضعاف فرص المشاركة الاقتصادية والمجتمعية. من ثم، فإنّ أي محاولة لتحسين واقع المرأة السورية لا بدَّ أن تعتمد على رؤيةٍ شاملةٍ تعالج هذه الأبعاد مجتمعةً، بدلًا من التركيز على جانبٍ واحدٍ دون غيره.

لقد أثبتت المرأة السورية خلال سنوات الأزمة أنّها تمتلك قدرةً استثنائيةً على الصمود وتحمّل المسؤولية، إلا أنّ استمرار هذه القدرة يتطلّب توفير بيئةٍ آمنة، وفرصًا اقتصادية حقيقية، وخدماتٍ نفسية واجتماعية فعّالة، بما يضمن انتقالها من مرحلة مواجهة الأزمات إلى مرحلة المشاركة الفاعلة في إعادة بناء المجتمع وتحقيق التنمية المستدامة.

أبرز التحديات التي واجهت المرأة السورية في مرحلة ما بعد الأزمة

لا يمكن النظر إلى التحديات التي واجهتها المرأة السورية بعد سنواتٍ من الأزمة بوصفها نتائج مباشرة للحرب فحسب، بل بوصفها انعكاسًا لتفاعلٍ معقّدٍ بين آثار النزاع وبنى اجتماعية وثقافية وقانونية واقتصادية قائمة قبل اندلاع الحرب. النزاع لم ينشئ جميع أشكال عدم المساواة، وإنّما أدّى إلى تعميقها وإعادة إنتاجها في سياقات جديدة، حيث ازدادت هشاشة النساء نتيجة تقاطع عوامل النوع الاجتماعي مع الفقر، والنزوح، واللجوء، والإعاقة، والعمر، والانتماء الجغرافي، وغيرها من العوامل التي أسهمت في تفاوت مستويات التأثّر بين النساء أنفسهن. إنّ النساء لا يُشكّلن فئةً متجانسة، بل تختلف تجاربهن واحتياجاتهن تبعًا لمواقعهن الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.

إنّ المرأة الريفية، أو النازحة، أو اللاجئة، أو التي فقدت زوجها، أو المرأة ذات الإعاقة، تواجه تحدياتٍ تختلف في طبيعتها وحدّتها عن تلك التي تواجهها نساءٌ أخريات، الأمر الذي يستدعي سياسات واستجابات تراعي هذا التنوع. أثرت سنوات الأزمة بصورةٍ مباشرةٍ في العملية التعليمية، إذ انقطعت أعدادٌ كبيرةٌ من الفتيات والنساء عن الدراسة بسبب النزوح أو الفقر أو الظروف الأمنية. الأمر الذي انعكس على فرصهنَّ في الحصول على وظائف مناسبة وفي المشاركة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

كما حُرمت العديد من النساء من فُرص التدريب المهني واكتساب المهارات الحديثة، وخاصة المهارات الرقمية التي أصبحت ضرورة في سوق العمل. يؤدي هذا الواقع إلى تقليص فرص التمكين الاقتصادي والاجتماعي، ويحدُّ من قدرة المرأة على الوصول إلى المعلومات والخدمات والمشاركة الفاعلة في اتخاذ القرارات. إضافةً إلى أنّ ضعف آليات الحماية القانونية والخدمات المتخصصة في عدد من المناطق يزيد من صعوبة حصول النساء على الدعم اللازم، الأمر الذي يجعل تعزيز الحماية القانونية والاجتماعية من الأولويات الأساسية في مرحلة التعافي.

إنّ النزاعات المسلّحة تؤدي إلى إعادة تشكيل الأدوار الجندرية داخل الاسرة والمجتمع، حيث اضطرت أعدادٌ كبيرةٌ من النساء إلى تولي أدوار اقتصادية واجتماعية كانت تقليديًا مرتبطة بالرجال، مثل إعالة الأسرة واتخاذ القرارات وإدارة الموارد. رغم أنّ هذه التحوّلات وفّرت لبعض النساء فرصًا لاكتساب مزيد من الاستقلالية والخبرة والقدرة على المشاركة العامة، فإنّها غالبًا ما جاءت مصحوبةً بأعباء مضاعفة، إذ تحملت المرأة مسؤولياتٍ جديدة دون أن يقابلها تحوّلٌ مماثل في توزيع السلطة أو في الاعتراف المجتمعي بحقوقهن، وهو ما يُعرف ب “عبء الأدوار المزدوجة”.

تُعد قصة نجاح، كما أوردتها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، واحدةً من النماذج الملهمة لنساء سوريات تمكّنّ من إعادة بناء سبل عيشهن بعد سنواتٍ طويلة من الأزمة. كانت نجاح تعيش مع أسرتها في محافظة إدلب، حيث كانت تدير مشغلًا صغيرًا لتصميم وخياطة الملابس. لكن مع تصاعد وتيرة الحرب، اضطرت إلى مغادرة منزلها وترك مشروعها الذي شكّل مصدر دخلها الوحيد، لتنزح مع عائلتها إلى منطقة أكثر أمانًا.

خلال سنوات النزوح، واجهت تحدياتٍ كبيرة في تأمين احتياجات أسرتها، إلا أنّ تلك الظروف لم تثنِها عن مواصلة السعي نحو بداية جديدة. عندما أُتيحت لها فرصة العودة إلى مدينتها، وجدت مشغلها متضررًا، لكنّها قررت استعادة حلمها من جديد. بفضل برامج دعم سبل العيش، تمكّنت من إعادة تأهيل المشغل وتزويده بمعدات جديدة، لتستأنف عملها من حيث توقفت.

لم يقتصر نجاحها على إعادة تشغيل مشروعها، بل وسّعت أثره ليشمل نساء أخريات، من خلال تدريبهن على الخياطة والتصميم، بما أتاح لهن فرصة اكتساب مهنة تساعدهن على كسب الرزق وإعالة أسرهن. هكذا تحوّل المشغل الصغير إلى مساحة تمنح الأمل، وتفتح أبوابًا جديدة أمام نساء فقدن مصادر دخلهن بسبب الحرب. تؤكد نجاح أن أعظم إنجاز حققته لا يتمثل في إعادة بناء مشروعها فحسب، بل في قدرتها على مساعدة نساء أخريات على استعادة ثقتهن بأنفسهن والوقوف مجددًا بعد سنوات من المعاناة.

من جهةٍ أخرى، لا يمكن الحديث عن بناء السلام وإعادة الإعمار بوصفهما عمليتين محايدتين جندريًا، إذ إنّ تجاهل احتياجات النساء وخبراتهن يؤدي إلى إعادة إنتاج أنماط التهميش وعدم المساواة التي كانت قائمة قبل النزاع. لذلك، فإنّ تحقيق العدالة الاجتماعية يقتضي إدماج منظور النوع الاجتماعي في مختلف السياسات والبرامج، وضمان المشاركة الفاعلة للمرأة في عمليات صنع القرار، وإعادة بناء المؤسسات، وصياغة التشريعات، بما يحقق المساواة والإنصاف.

لا ينبغي أن يُختزل تمكين المرأة السورية في تحسين وضعها الاقتصادي أو زيادة مشاركتها في سوق العمل فحسب، بل يجب النظر إليه بوصفه عملية شاملة تهدف إلى توسيع خياراتها، وتعزيز استقلاليتها، وضمان حقوقها، وتمكينها من المشاركة المتكافئة في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. كما يتطلب ذلك تبني سياسات تستند إلى مبادئ حقوق الإنسان، والعمل على إزالة العوائق البنيوية التي تحدُّ من مشاركة المرأة، إلى جانب التصدي لجميع أشكال التمييز والعنف القائم على النوع الاجتماعي، بما يضمن دورًا أكثر فاعلية للمرأة في بناء مجتمع أكثر عدلًا واستدامة.

تصاعد العنف ضد المرأة السورية حسب الإحصائيات

 

لم يقتصر تأثير الأزمة السورية على التدهور الاقتصادي والاجتماعي، بل أدى أيضًا إلى تصاعد مستويات العنف والانتهاكات الموجهة ضد النساء والفتيات، سواء داخل الأسرة أو في سياق العمليات العسكرية والنزوح. وثّقت المنظمات الحقوقية والإنسانية حجم هذه الانتهاكات، إلى جانب ما نتج عنها من آثار عميقة مسّت حياة النساء والأطفال والأسر التي تعيلها النساء.

تكشف تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية عن واقعٍ بالغ القسوة تعيشه النساء والفتيات في سوريا، إذ يمثلن النسبة الأكبر من الأشخاص المحتاجين إلى خدمات الحماية المتعلقة بالعنف القائم على النوع الاجتماعي. ووفقًا لتقديرات الأمم المتحدة، يحتاج نحو 8.6 ملايين شخص في سوريا إلى خدمات الوقاية والاستجابة لهذا النوع من العنف، فيما تشكل النساء والفتيات حوالي 85% من إجمالي المحتاجين، في مؤشر واضح على حجم التأثير غير المتناسب الذي خلفته الأزمة السورية عليهن.

تسلط أحدث البيانات الصادرة عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان (SNHR)، والأمم المتحدة (UN)، ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (UNICEF)، الضوء على مجموعة من المؤشرات التي تعكس حجم هذه المعاناة، ومن أبرزها:

– النساء اللواتي قُتلن: وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل ما لا يقل عن 29064 امرأة منذ آذار/مارس 2011 على يد أطراف النزاع المختلفة، في رقم يعكس الثمن الباهظ الذي دفعته النساء خلال سنوات الحرب.

– العنف الجنسي والانتهاكات: رصدت التقارير الحقوقية ما لا يقل عن 11553 حالة عنف جنسي استهدفت النساء والفتيات خلال سنوات الأزمة، إلى جانب استمرار تعرضهن لأشكال متعددة من العنف القائم على النوع الاجتماعي، بما يشمل العنف الجسدي والنفسي والاقتصادي، والقيود المفروضة على الحركة، وارتفاع معدلات الزواج القسري وزواج القاصرات.

– الاعتقال والاختفاء القسري: لا تزال أكثر من 11200 امرأة وفتاة رهن الاعتقال أو الاختفاء القسري في سجون ومعتقلات أطراف النزاع، وهو واقع يخلّف آثارًا إنسانية واجتماعية ونفسية عميقة تمتد إلى الضحايا وأسرهن.

– الحرمان من التعليم: تؤكد بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (UNICEF) أنّ الأزمة السورية حرمت أعدادًا كبيرة من الأطفال من حقهم في التعليم، إذ يوجد نحو 2.45 مليون طفل خارج المدارس، فيما يواجه أكثر من 1.6 مليون طفل خطر التسرب نتيجة النزوح والفقر وتضرر البنية التحتية للمؤسسات التعليمية.

– الأسر التي تعيلها النساء: تشير تقارير الأمم المتحدة ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) إلى أنّ الأسر التي ترأسها نساء تُعد من أكثر الفئات هشاشة، بعدما أصبحت المرأة المعيل الرئيس لأسرتها إثر فقدان الزوج أو الأب بسبب الوفاة أو الاعتقال أو النزوح. كما تؤكّد التقارير أنّ 92% من الأسر التي تعيلها نساء في بعض مخيمات النزوح تعاني من انعدام الأمن الغذائي، وتعجز عن تأمين الحد الأدنى من احتياجاتها الأساسية.

رغم أهمية هذه الإحصائيات، فإنّها لا تعكس الحجم الحقيقي للمشكلة، إذ لا تزال أعداد كبيرة من حالات العنف خارج نطاق التوثيق، بسبب الخوف من الوصمة الاجتماعية، أو الخشية من الانتقام، أو ضعف الحماية والعدالة، أو صعوبة الوصول إلى جهات التوثيق. لذلك؛ تؤكد المنظمات الدولية أنّ الأرقام المتاحة تمثل الحد الأدنى للحالات الموثقة، بينما يُرجح أن يكون الحجم الفعلي للعنف والانتهاكات أكبر بكثير مما تكشفه الإحصاءات الرسمية.

يرتبط مستقبل التعافي في سوريا ارتباطًا وثيقًا بقدرة الدولة والمجتمع على الانتقال من النظر إلى المرأة بوصفها ضحية للنزاع، إلى الاعتراف بها بوصفها شريكًا أساسيًا وقوةً فاعلةً في بناء السلام وتحقيق التنمية المستدامة. فالمرأة السورية لم تكن مجرّد شاهدةٍ على آثار الحرب، بل كانت في كثير من الأحيان خط الدفاع الأول عن أسرتها ومجتمعها، وأسهمت بدورٍ محوري في إعادة ترميم النسيج الاجتماعي، وترسيخ قيم العدالة والمساواة والتماسك المجتمعي.

لعبت المرأة السورية أدوارًا محورية في الحفاظ على تماسك الأسر وتنظيم المبادرات المجتمعية، وتقديم الخدمات التعليمية والصحية، والمشاركة في العمل المدني والإنساني، رغم التحديات والمخاطر التي واجهتها. تؤكد هذه الأدوار أنّ المرأة السورية ليست مجرّد متلقية للمساعدة، بل فاعلة تمتلك القدرة على التأثير وصنع التغيير إذا ما أتيحت لها الفرص المتكافئة، وأزيلت العوائق البنيوية من مشاركتها.

انطلاقًا من ذلك، فإنّ تحقيق العدالة للمرأة في سوريا يتطلب تبني مقاربة نسوية شاملة تضع المساواة بين الجنسين في صميم جهود التعافي وبناء السلام، بحيث لا تقتصر على معالجة الآثار الإنسانية المباشرة للأزمة، بل تمتد إلى معالجة جذور التمييز وعدم المساواة. يشمل ذلك مراجعة التشريعات والسياسات التي تعزز التمييز، وضمان المشاركة الفاعلة للنساء في عمليات صنع القرار، والاعتراف بخبراتهن واحتياجاتهن المتنوعة، وتوفير آليات فعالة للحماية والمساءلة وجبر الضرر. كما يتطلب الأمر إعادة النظر في البنى الاجتماعية والثقافية التي كرّست التمييز لعقود، والعمل على بناء مجتمعٍ أكثر عدالة وإنصافًا، يضمن للمرأة السورية حقوقها بوصفها حقوقًا إنسانية أصيلة لا امتيازات تُمنح وفق الظروف أو المتغيرات.

مستقبل سوريا لن يُبنى بإعادة إعمار البنية التحتية وحدها، بل بإعادة بناء الإنسان والعلاقات الاجتماعية على أسس العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية. عندما تكون المرأة السورية شريكًا كامل الحقوق في صنع القرار، وفي بناء السلام والتنمية والمواطنة، يصبح التعافي أكثر شمولًا، ويغدو المستقبل أكثر استقرارًا وعدالة لجميع السوريين.