قراءة في واقع المرأة في ظلِّ الحروب والصراعات الدائرة حول العالم – هيفيدار خالد

قراءة في واقع المرأة في ظلِّ الحروب والصراعات الدائرة حول العالم

بقلم:  هيفيدار خالد

 

يتطلّب من الجميع تصعيد النضال من أجل حماية النساء بكافّة الطرق العصرية،

 وترسيخ مبدأ تأمين حياة النساء أولًا، وتطوير الآليات المناسبة التي تتناسب مع العصر،

 والحد من الانتهاكات التي تتعرض لها النساء في الحروب التي تفرض تكاليف وأعباء على المرأة “

في زمنٍ تتقاطع فيه الأزمات والتحديات مع القضايا البنيوية والمجتمعية، بات ملف الحروب وتداعياتها على حياة النساء من أكثر الملفات تعقيدًا وأهمية في الوقت ذاته، في ظلِّ ما تشهده المنطقة من حروب ودوامة صراعات تعيد إنتاج الفوضى، وتُبقيها مرشحة للاستمرار في المستقبل القريب. فقد أصبحت ظاهرة العنف الممارس ضد النساء أثناء الحروب آفةً خطيرة تهدد حياتهن، وتجعل مستقبلهن على المحك. كما أنّ تداعيات الحروب وآثارها، وتداخلها مع الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، حوّلت حياة ملايين النساء إلى كابوسٍ مرعب.

مع تزايد المؤشرات على استمرار المواجهات العسكرية بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، إلى جانب الوضع الأمني الهش، وحالة عدم الاستقرار، والصراعات الطائفية والمذهبية في كلٍّ من سوريا واليمن والسودان والعراق وليبيا وغزة، يبدو أنّ المنطقة باتت مفتوحة أمام مختلف السيناريوهات والاحتمالات، الأمر الذي يفاقم معاناة النساء اللواتي يتعرضن لشتى أشكال الانتهاكات، ولا سيّما أنّ للمرأة سجلًا طويلًا ومؤلمًا مع آلة القتل التي أفرزتها الصراعات التي خاضها الرجال عبر التاريخ.

اليوم، ومع تصاعد المواجهات في المنطقة، تتخذ النزاعات من أجساد النساء ساحةً لمعاركها، ليخرجن منها دائمًا في مقدمة الضحايا، حيث تدفع النساء الفاتورة الأبهظ، وتُنتهك حقوقهن وأجسادهن بوصفها أدوات للحرب، لتبقى المرأة الخاسر الأكبر. أي قراءة لمعاناة المرأة وواقعها في الحروب تبقى ناقصة من دون استحضار السياق التاريخي. فعبر التاريخ، صُنِّف الرجال بوصفهم المقاتلين والأبطال والفاعلين الرئيسيين في الروايات الحربية التقليدية، وكأنّ المرأة كانت غائبة عن المشهد، رغم أنّها قدّمت تضحيات لا تقل شأنًا، بل كانت في معظم الأحيان الأكثر تضررًا واضطهادًا، والأضعف في مواجهة آلة حرب لم تكن عادلة معها يومًا.

على سبيل المثال، قدمت المرأة تضحيات جسيمة في المقاومة الجزائرية، وبرزت عشرات الشخصيات النسائية القيادية التي لعبت دورًا مؤثرًا في الثورة التحررية بين عامي 1954 و1962، أمثال حسيبة بن بوعلي، ومليكة قايد، ومريم بوعتورة، وجميلة بوحيرد. على الرغم من تعرضهن لمختلف أشكال التعذيب والقمع داخل سجون “الاستعمار الفرنسي”، فإنّ تلك السجون لم تتمكن من كسر إرادتهن أو النيل من عزيمتهن.

لقد خلّفت معاناة المرأة الجزائرية من القمع والسجن آثارًا نفسية واجتماعية عميقة، ولا يمكن بأي حال من الأحوال تقدير حجم المأساة التي عاشتها. فقد تعرّضت النساء لعمليات التمشيط في القرى والمدن، الأمر الذي زرع في نفوسهن هواجس وكوابيس ظلّت آثارها ممتدة حتى يومنا هذا. كما اعتُقلت كثيرات منهن، وتعرضن للتعذيب والسجن، لترسخ تلك الذكريات الأليمة في وجدان الناجيات، وتنعكس سلبًا على حياتهن اليومية حتى بعد الاستقلال.

أمّا في الحرب الفيتنامية (1955-1975)، وفي المقاومة التي أبداها الشعب الفيتنامي في مواجهة واحدة من أقوى الجيوش في العالم، فقد سطّرت المرأة الفيتنامية اسمها في صفحات التاريخ. فقد قرأ العالم كيف حوّلت النساء أجسادهن إلى جسور بشرية مكّنت الجنود من عبور الأنهار والممرات. لم تكن جهودهن مجرد مشاركة في النضال أو دعمًا للمقاتلين، بل كانت تجسيدًا لمعنى التضحية بالذات من أجل الحرية والكرامة، في مشاهد جسّدت شجاعةً استثنائية في مواجهة الخوف والموت، رغم ما تكبّدنه من ويلاتٍ وآلام.

كما تعرّضت آلاف النساء والفتيات الفيتناميات للاغتصاب، والاعتداء الجسدي، والاستغلال الجنسي على أيدي الجنود. وواجهت النساء اللواتي أنجبن أطفالًا من جنود أجانب نبذًا اجتماعيًا قاسيًا بعد انسحاب القوات، فيما تُركت كثيرات منهن وحيدات مع أطفالهن من دون أي دعم مالي أو قانوني. كذلك تسبب الرش العشوائي للمبيدات السامة لإتلاف المحاصيل في تشوهات خُلقيّة ومضاعفات صحية مزمنة عانت منها الأمهات وأطفالهن لأجيال متعاقبة. مع ذلك، واصلت المرأة الفيتنامية نضالها دفاعًا عن قضيتها، وأسهمت في انتصار ثورتها حتى الرمق الأخير.

في تاريخ الشعب الكردي أيضًا، لعبت المرأة أدوارًا مفصليّة، وقدّمت نماذج خالدة في المقاومة، بدءًا من زريفة، مرورًا بليلى قاسم، وبسي آنوش، وساكينة جانسيز، وزكية آلكان، وصولًا إلى أرين ميركان. إلا أنّها في المقابل، تعرّضت لسلسلة طويلة من الانتهاكات، وارتُكبت بحقها مجازر، وسُلبت منها أرضها في كثير من المراحل. منذ عقود، تواجه المرأة الكردية سياسات الإنكار والإقصاء، إلى جانب حملات الإبادة، والاعتقالات التعسفية، والزج بها في السجون، فضلًا عن الإعدامات التي طالت نساءً كرديات على يد النظام الإيراني، واستهداف القيادات النسائية المقاومة بصورة ممنهجة في التاريخ الحديث.

في العصر الإسلامي، شكّلت المعارك التي خاضها “الرسول محمد” (ص)، والتي أسفرت في معظمها عن فقدان أعداد كبيرة من الصحابة لحياتهم، سببًا في ازدياد أعداد النساء اللواتي فقدن أزواجهن واليتامى داخل المجتمع. مع مشاركة الرجال في الغزوات، كانت المرأة تتحمل مسؤوليات جسيمة في رعاية الأسر، وحماية البيوت، والحفاظ على تماسك المجتمع، وهو ما ضاعف من حجم معاناتها وأعبائها.

على الرغم من التضحيات الجسام التي قدّمتها المرأة عبر التاريخ في مختلف الحروب، فإنّها ظلّت عرضةً لشتى أشكال الانتهاكات والاعتداءات، وكان لها النصيب الأكبر من القتل والتهجير والنفي. تكشف التقارير الحقوقية والوثائق التاريخية حجم الأضرار الجسيمة التي لحقت بالنساء خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية.

في نهاية الحرب العالمية الأولى، ومع انهيار الإمبراطورية العثمانية، تعرّضت المرأة الأرمنية لانتهاكاتٍ جسيمة وممنهجة على يد السلطات العثمانية، ولا سيّما إبان حقبة الإبادة الجماعية للأرمن بدءًا من عام 1915. قد شملت هذه الانتهاكات عمليات التهجير القسري، والاختطاف، والسبي، إلى جانب صنوف العنف الجسدي والنفسي التي مورست بحقهن في مسارات الموت نحو الصحاري. فقد أُجبرت النساء وأطفالهن على السير في قوافل تهجير طويلة عبر مناطق قاسية، ما أدى إلى وفاة الكثيرات منهن بسبب الجوع والعطش والمرض، كما تعرّضت آلاف النساء والفتيات للاختطاف والسبي والبيع في أسواق النخاسة، وإجبارهن على الزواج القسري وتغيير ديانتهن. فقدت العديد من النساء أزواجهن وعائلاتهن، مما جعلهن عرضة للضياع والتشرّد في ظروفٍ قاسية، ولجأت بعض الناجيات إلى رسم وشومٍ على أجسادهن كعلامات تعريفية بعد تعرضهن للانتهاكات، في مشهد يندى له جبين الإنسانية.

في 7 آذار/مارس 2015، أكدت المؤرخة الألمانية ميريام غيرهارد، في مقابلة مع تلفزيون “دويتشه فيله” الألماني، أنّ جنودًا بريطانيين وأميركيين وفرنسيين قاموا بمئات الآلاف من عمليات الاغتصاب لنساء ألمانيات بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. كما تطرّقت في حديثها إلى أنّه لم يكن هناك فرق بين الجنود الأميركيين والجيش الأحمر من حيث التورّط في عمليات الاغتصاب، وسلّطت ميريام غيرهارد الضوء في كتابها “عندما أتى الجنود”، على حالات اغتصاب وثّقها قساوسة كاثوليك في إقليم بافاريا الألماني. اعتمدت كذلك على دراسة حالات “أطفال الحروب” الذين ولدوا لأمهات ألمانيات وجنود من قوات التحالف، وقدرت أنّ كل حالة ولادة كانت تمثل حدوث 100 عملية اغتصاب، وأنّ جنودًا أميركيين فقط نفذوا أكثر من 190 ألف عملية اغتصاب. إنّها واقعة صعبة للغاية تجسّد المسيرة القاسية والشاقة للمرأة في مواجهة آلة العنف والسلطة الذكورية التي ترى في جسد المرأة غنيمة من غنائم الحرب التي لا بدَّ أن يستولي عليها.

بحسب وثائق تاريخية رسمية، عملت المئات من النساء السوفيتيات خلال الحرب العالمية الثانية كممرضات وطبيبات وقناصات وسائقات دبابات وراميات رشاشات، وقدّمن بطولات أسطورية، إلا أنّهن لم يحظين بالدور الذي يليق بنضالهن في المجتمع بعد انتهاء الحرب.

لكن في حروب العصر الحديث، وعلى الرغم من وجود آليات مراقبة ومتابعة ومرجعيات خاصة، وأعداد كبيرة من المنظمات الحقوقية والإنسانية والنسوية والأممية التي تجرم الانتهاكات بحق النساء في الحروب، إلا أنّ هذه الانتهاكات بلغت ذروتها في الوقت الحالي. فقد رأينا جميعًا المآسي التي عاشتها وما زالت تعيشها المرأة في غزة نتيجة الحرب الدائرة بين حماس وإسرائيل منذ عام 2023، وكيف حُرمت المرأة من التعليم ومن حقوقها الصحية والاجتماعية، وشكّل ذلك صدمةً نفسية كبيرة لها من الصعب التخلّص منها بسهولة. في سوريا أيضًا، تعرّضت النساء العلويات لأبشع المجازر في آذار/مارس عام 2025، وتحديدًا في الساحل السوري، إلى جانب الإهانة وعمليات الاعتداء الجسدي. كما أقدمت عناصر تابعة لقوات الحكومة في العام ذاته، وتحديدًا في منتصف تموز/يوليو، على قتل النساء الدرزيّات وارتكاب المجازر بحقهن وتنفيذ عمليات عنف جنسي وجندري، ضمن حملة ممنهجة شملت الاختطاف والقتل والنهب والسلب، ما خلق حالة من اليأس وعدم الشعور بالأمان في المجتمع الدرزي.

أمّا بالنسبة للمرأة الكردية، التي ذاع صيت مقاومتها في وجه الإرهاب العالمي، فقد أقدمت مرتزقة تابعة للحكومة السورية المؤقتة على رمي جثة مقاتلة من الأسايش في حي شيخ مقصود بحلب في بداية كانون الثاني من العام الجاري، من أحد الأبنية السكنية، وسط تكبيرات وهتافات طائفية أطلقها رفاقه، ولم يكتفوا بذلك فأطلقوا الرصاص عليها. كما أقدم مرتزق يدعى “رامي الدهش” من الرقة السورية، ولم ينل نصيبه من الإنسانية، على قص ضفيرة شعر إحدى المقاتلات الكرد اللواتي استشهدن في مقاومة الدفاع عن روج آفا، والتباهي بفعله أمام الكاميرات.

في السودان، أدّت الحرب بين أطراف الصراع إلى انتشار العنف بأشكاله كافة، وتعرض النساء للإصابة بالأمراض الجنسية، وغياب الرعاية الصحية، خاصة أثناء الحمل والولادة، ولتنظيم الأسرة، ونقص الرعاية الطبية عند حدوث مضاعفات الولادة، وأمراض سوء التغذية والأنيميا ونقص وزن الجنين، إضافة إلى المعاناة التي تتعرض لها النساء نتيجة فقد الزوج أو الابن أو سجنها أو تعرضهن لإصابات خطيرة تجعلهن يعانين من آثارها طوال حياتهن.

من المعروف أنّ الآثار النفسية للحروب عديدة وغير منظورة، فهي تؤدي إلى أمراض وسلوكيات جسيمة، كالخوف الدائم والصدمات العنيفة والإحباط والقلق المستمر والاضطرابات المختلفة. إضافة إلى تعرّض المرأة في بعض الأحيان إلى استجوابها كوسيلة ضغط لانتزاع الاعترافات، وتعرّضها للسجن والتعذيب، وكذلك استخدام الأسلحة الفتّاكة، ما ولّد حالات من التشوّهات لدى النساء، إلى جانب تفاقم الأمراض النفسية وعلى رأسها الهستيريا. وتزداد مسؤولية المرأة لتشمل العمل وتأمين العيش نتيجة غياب الرجال.

فاقمت الحرب الإيرانية الأمريكية من آلام النساء في الداخل الإيراني، إذ أدّت إلى خلق أزمة اقتصادية خانقة وتصعيد عمليات الإعدام بتُهمٍ واهية تتعلق بالعمالة للخارج، بالإضافة إلى فرض قوانين صارمة في الوقت الذي تعاني فيه المرأة من تحديات نتيجة السياسات التي تُمارَس وتُطبق بحقّها منذ سنوات. لا يمكننا أن ننسى الآثار النفسية التي خلّفتها الحرب بين البوسنة والهرسك 1992-1995 على حياة النساء، لأنّها تعد من أبشع الحروب التي استخدمت جسد النساء في التاريخ.

على ضوء كل هذه المعطيات التاريخية والمرحلية، يتطلّب من الجميع العمل من أجل حماية النساء، وضرورة تصعيد النضال من أجل حمايتهن بكافة الطرق العصرية، وترسيخ مبدأ تأمين حياة النساء أولًا، وتطوير الآليات المناسبة التي تتناسب مع العصر، والحد من الانتهاكات التي تتعرض لها النساء في الحروب التي تفرض تكاليف وأعباء على المرأة.