ليلى قاسم.. زهرة كردستان التي واجهت المشنقة بابتسامة

ليلى قاسم.. زهرة كردستان التي واجهت المشنقة بابتسامة

 

رحلت ليلى قاسم جسدًا وهي في ريعان الشباب، لكنّ ذكراها بقيت حيّة في ذاكرة شعبها،

لتُجسّد معنى التضحية والثبات على المبدأ، ولتبقى واحدةً من أكثر الشخصيات النسائية تأثيرًا

في تاريخ الحركة الوطنية الكردية المعاصرة، لأنّها قدّمت أغلى ما تملك دفاعًا عن كرامة شعبها

وحقّه في الحرية والعدالة”

من أبرز المناضلات الكرديات في القرن العشرين، ورمزٌ للنضال القومي الكردي، إنّها السياسية الكردية المناضلة ليلى قاسم المعروفة بـ عروس كردستان التي واجهت المشنقة بابتسامة. وُلدت ليلى قاسم في السابع والعشرين من كانون الأول عام 1952 في قرية بانميل التابعة لمدينة خانقين، التي عُرفت بتاريخها العريق وموقعها المهم في شرق العراق، وهي مدينة ذات أغلبية كردية عُرفت بتاريخها النضالي الطويل. نشأت ليلى في أسرة كردية وطنية غرست في أبنائها قيم الكرامة والاعتزاز بالهوية، وكان لذلك أثرٌ بالغٌ في تكوين شخصيتها منذ سنواتها الأولى.

عاشت ليلى طفولتها في مرحلة كانت القضية الكردية تحتل مكانة مركزية في حياة المجتمع الكردي، حيث كانت أخبار الثورات والانتفاضات والمطالبات بالحقوق القومية تتردد باستمرار في البيوت والمدارس والمنتديات الاجتماعية. أسهم هذا المناخ في تشكيل وعيها السياسي المبكر، فكبرت وهي تدرك أنّ لشعبها قضية تستحق الدفاع عنها، وأنّ المستقبل لا يمكن أن يُبنى دون العدالة والاعتراف بحقوق جميع المكونات. مع مرور السنوات، أصبح شعورها بالمسؤولية يكبر معها حتى غدا جزءًا أصيلًا من شخصيتها.

عُرفت منذ صغرها بتفوقها الدراسي، وحبها للقراءة، واهتمامها بالأدب والثقافة. كانت معروفة بين زميلاتها بشخصيتها الهادئة وإصرارها الكبير على متابعة التعليم رغم الظروف السياسية الصعبة التي كانت تعيشها البلاد، لأنّها ترى في العلم وسيلة لبناء الإنسان، وتؤمن بأنّ المعرفة تمنح أصحابها القدرة على الدفاع عن حقوقهم بالوعي.

على الرغم من الظروف الاقتصادية الصعبة التي دفعت عائلتها إلى الانتقال إلى بغداد عام 1958، فإنّ ليلى لم تسمح لتلك التحديات بأن تعيق مسيرتها التعليمية. مع مرور السنوات، ازدادت شخصيتها نضجًا واتّسع أفقها الفكري، فأصبحت تتابع باهتمام التطورات السياسية التي تمرُّ بها البلاد. كانت تلاحظ حجم المعاناة التي يعيشها أبناء شعبها، الأمر الذي رسّخ لديها الشعور بالمسؤولية الوطنية، وجعلها أكثر تمسّكًا بقيم الحرية والكرامة والعدالة.

شهد العراق مطلع سبعينيات القرن الماضي مرحلة سياسية مهمة بعد إعلان اتفاقية الحكم الذاتي بين الحكومة العراقية والكرد في جنوب كردستان عام 1970، والتي استقبلها الكرد بتفاؤل كبير، أملًا في أن تكون بداية لحلٍّ عادلٍ للقضية الكردية. غير أنّ الخلافات بين الحكومة العراقية والكرد في جنوب كردستان سرعان ما عادت إلى الواجهة، فتبددت الآمال تدريجيًا، وعاد التوتر ليخيم على المشهد السياسي من جديد.

بعد إكمال دراستها الثانوية، التحقت ليلى بكلية الآداب في جامعة بغداد عام 1971، لتبدأ فصلًا جديدًا من حياتها الفكرية والسياسية. لم تكن الجامعة بالنسبة إلى ليلى مكانًا للتحصيل العلمي فحسب، بل كانت فضاءً رحبًا لتبادل الأفكار والثقافات. فقد أسهم احتكاكها بطلبة من مختلف المحافظات والانتماءات في توسيع مداركها، ورسّخ لديها قناعةً بأنّ الحوار والوعي يشكلان أساس أي مجتمع يسعى إلى التقدم. هناك برزت شخصيتها بين زملائها بهدوئها وثقافتها العالية واحترامها للجميع إلى جانب قدرتها على الحوار والإقناع.

لم يقتصر اهتمامها على التحصيل العلمي، بل شاركت في الفعاليات الثقافية التي هدفت إلى التعريف بالثقافة الكردية وإبراز تاريخها وتراثها. كانت تؤمن بأنّ الحفاظ على اللغة والثقافة جزء لا يتجزأ من الحفاظ على هوية الشعوب، ولذلك حرصت على المشاركة في الندوات واللقاءات التي تناقش قضايا المجتمع الكردي ومستقبله.

مع ازدياد نشاطها، أصبحت أكثر قربًا من الأوساط الطلابية الوطنية، وشاركت في نشر الوعي بين الشباب، داعية إلى أهمية التعليم والتكاتف والعمل السلمي من أجل نيل الحقوق المشروعة. كما أولت اهتمامًا خاصًا بقضايا المرأة، ورأت أنّ تقدم المجتمع يبدأ بتمكين المرأة وإتاحة الفرصة لها للمشاركة في مختلف ميادين الحياة. شكّلت نموذجًا للمرأة الكردية الشابة التي تجمع بين الوعي الوطني والطموح العلمي.

مع تصاعد الخلافات بين الحكومة العراقية والكرد في جنوب كردستان، بدأت سلطات نظام البعث تراقب الناشطين الكرد بشكل أكثر تشددًا، وفي تلك الفترة تعرّض العديد من الطلبة والمثقفين الكرد للملاحقة والاعتقال بسبب آرائهم السياسية أو نشاطهم القومي. واصلت ليلى نشاطها رغم المخاطر المتزايدة، وكانت تؤمن بأنّ الدفاع عن الحقوق القومية يستحق التضحية، وأنّ الخوف لا يصنع مستقبلًا أفضل. عُرفت بين رفاقها بشجاعتها الكبيرة وقدرتها على مواجهة الضغوط دون تردد. في عام 1974 دخلت الأزمة بين الحكومة والكرد مرحلة أكثر تعقيدًا، وبدأت مخابرات نظام بغداد بأمرٍ من صدام حسين وأزلامه حملة اعتقالات واسعة شملت عددًا من الناشطين الكرد، وكان من بينهم ليلى قاسم وعدد من رفاقها، ووجهت إليهم اتهامات تتعلق بأمن الدولة، لتبدأ بذلك أصعب مراحل حياتها.

لم يكن الاعتقال بالنسبة إلى ليلى نهاية طريقها، بل كان امتحانًا حقيقيًا لقوة إيمانها بمبادئها. فقد واجهت جلسات التحقيق بثبات لافت، ولم تسمح للضغوط النفسية والجسدية بأن تزعزع قناعاتها. كانت تدرك أنّ كثيرًا من المناضلين سبقوها إلى هذا الطريق، وأنّ الدفاع عن الحقوق كثيرًا ما يتطلب الصبر والتضحية. لذلك بقيت متمسكة بموقفها، رافضة التخلي عن هويتها أو إنكار إيمانها بقضية شعبها، الأمر الذي جعلها تحظى باحترام كل من عرفها أو تابع قضيتها. أثار اعتقالها اهتمامًا واسعًا في الأوساط الكردية والطلابية، وظهرت مطالبات محلية ودولية بإعادة النظر في قضيتها إلا أنّ المحكمة أصدرت حكمًا بالإعدام بحقها وبحق عدد من رفاقها.

قبل تنفيذ الحكم، طلبت ليلى أن ترتدي الزي الكردي التقليدي، في رسالة حملت دلالة عميقة على تمسكها بهويتها حتى آخر لحظة من حياتها. في فجر الثاني عشر من أيار عام 1974 نُفذ حكم الإعدام بها وهي في الثانية والعشرين من عمرها، إلى جانب أربعة من رفاقها بعدما واجهوا الموت بثبات وإيمان، وأنشدوا النشيد الكردي – أي رقيب – قبل صعودهم إلى المشنقة.

تحوّلت تلك اللحظات إلى واحدة من أكثر المشاهد حضورًا في الذاكرة الكردية، فقد صعدت ليلى إلى منصة الإعدام مرفوعة الرأس، مبتسمة، في صورة أصبحت رمزًا للشجاعة والصمود. لم تكن ابتسامتها تعبيرًا عن الاستسلام، بل كانت إعلانًا بأنّ المبادئ تبقى أقوى من الخوف، وأنّ الإنسان يستطيع أن ينتصر لقيمه حتى في أصعب اللحظات.

كما حملت حياتها جانبًا إنسانيًا مؤثرًا، إذ ارتبطت بخطيبها جواد هموندي الذي أُعدِم معها في اليوم نفسه، لتنتهي قصة حب جمعتهما قبل أن تبدأ حياتهما المشتركة. أضفت هذه القصة بعدًا إنسانيًا على سيرتها، وجعلتها أكثر قربًا من وجدان الناس الذين رأوا فيها فتاة جمعت بين الحب والوطن في قلب واحد.

بعد تنفيذ حكم الإعدام سُلّم جثمانها الطاهر إلى ذويها، حيث لُف بعلم كردستان، وأُقيمت لها مراسم وداع تليق بمكانتها وتضحيتها. دُفنت في مقبرة وادي السلام بمدينة النجف الأشرف، بعيدًا عن مدينتها خانقين التي شهدت طفولتها الأولى وبعيدة عن أهلها وذكرياتها وأحلامها التي لم يكتب لها أن تكتمل. إلا أنّ البعد الجغرافي لم يمنع أبناء شعبها من اعتبارها ابنة كردستان التي بقيت حاضرة في وجدانهم وذاكرتهم الجماعية. أثار إعدامها موجة واسعة من الحزن والاستنكار والغضب، وتحوّلت بسرعة إلى رمز للنضال الكردي ولا سيّما أنّها كانت من أوائل النساء الكرديات اللواتي أُعدمن بسبب نشاطهن السياسي في تاريخ منطقة الشرق الأوسط والبلدان العربية.

منذ ذلك الوقت، أصبحت سيرتها تُروى بوصفها مثالًا على الشجاعة والإخلاص، وتناقلتها الأجيال باعتبارها صفحة مشرقة من صفحات التاريخ الكردي. من خلال تضحيتها حتى الموت، أثبتت ليلى قاسم أنّها نموذج استثنائي للمرأة الكردستانية المناضلة، التي واجهت القمع والإرهاب بإرادة لا تلين، وقدّمت أغلى ما تملك دفاعًا عن كرامة شعبها وحقّه في الحرية والعدالة.

لم يتوقّف أثر ليلى قاسم عند حدود تلك المرحلة بل امتد إلى العقود اللاحقة، حيث سُميت الشوارع والحدائق والمؤسسات  باسمها، وكُتبت عنها القصائد والأغاني والدراسات وأُلفت عنها الكتب، لتبقى رمزًا حاضرًا في الثقافة الكردية. ناهيك عن أنّ قصتها أصبحت تروى في المناسبات الوطنية والثقافية، بوصفها مثالًا على قدرة الإنسان على التمسك بمبادئه مهما بلغت التحديات. كما أصبحت قصتها مصدر إلهام للعديد من النساء اللواتي شاركن لاحقًا في العمل السياسي والاجتماعي والثقافي، إذ أثبتت أنّ المرأة تستطيع أن تؤدي دورًا محوريًا في الدفاع عن وطنها ومجتمعها، وأنّ حضورها في ميادين النضال لا يقل أهمية عن حضور الرجل.

اليوم، وبعد مرور عقودٍ على رحيلها، لا يزال اسم ليلى قاسم حاضرًا في الوجدان الكردي، وتُستذكر في كلِّ عام تقديرًا لما قدّمته من تضحيات. لا تزال صورتها وهي تواجه المشنقة بابتسامة تُجسد قوة الإرادة والثبات على المبدأ، وتُذكِّر الأجيال بأنّ الحرية كثيرًا ما تكون ثمرة لتضحيات كبيرة قدّمها رجال ونساء آمنوا بقضاياهم حتى النهاية. تبقى ليلى قاسم شخصية استثنائية في التاريخ الكردي المعاصر ورمزًا يتجاوز حدود الزمان والمكان، لأنّها جسّدت بقصتها معاني الشجاعة والوفاء والانتماء. رغم أنّ حياتها كانت قصيرة، إلا أنّ أثرها كان عميقًا ومستمرًا، لتظل سيرتها شاهدًا على قدرة الإنسان على الدفاع عن مبادئه بإيمان لا يتزعزع.

سلام على ليلى في ذكراها الخالدة، وسلام على خانقين التي أنجبتها وربّت فيها روح المقاومة، وسلام على كل امرأة تناضل من أجل الحرية والعدالة والكرامة. ستبقى ذكرى ليلى قاسم شعلة متقدة في الضمائر، تنير دروب الأحرار، حتى تتحقق تطلعات الشعب الكردي في الحرية والسلام، وترتاح روحها في تراب كردستان الذي أحبته وناضلت من أجله.

قد ترحل الأجساد، لكن المبادئ التي تُروى بالدم تبقى خالدة في ذاكرة الشعوب. بهذه الكلمات يمكن تلخيص سيرة المناضلة الكردية ليلى قاسم، التي تحوّلت من شابة جامعية تحمل أحلام المستقبل إلى واحدة من أبرز الرموز النسائية في تاريخ الحركة الوطنية الكردية.