الأيديولوجية … والمرأة المتحررة

 

الأيديولوجية … والمرأة المتحررة

“أيديولوجية تحرير المرأة،

هي تحرير المجتمع من الذهنية العبودية”

هدية شمو

 

ماذا تعني كلمة المرأة؟ إذا أمعنا النظر فيها، باعتبارها تتألف من عدة أحرف، تحمل الكثير من المعاني، التي تحمل في ثناياها المرأة – الأم والأخت والزوجة والابنة، والتي تكون هي محور تقدم أي مجتمع، وبها برزت الحضارات في التاريخ وحملت لواء حماية الوطن والأرض وكانت هي الإلهة.

فالأم؛ تعني الحب والحنان التي لا تبخل بهما على أبنائها، وحتى ولو باتت مجبرة على دفع حياتها لأجل ذلك، والأخت هي السند في العائلة تقف إلى جانب الأب والأخ، والزوجة هي التي تعيش مع زوجها في ظروف الحياة المختلفة وتبني معه الأسرة.

لذا كانت للمرأة مكانة عظيمة على مر التاريخ وفي كافة العصور، وبين الحضارات المتعاقبة، ولدى الأديان، حتى أن الكثير من العشائر والقبائل كانت تسمى بأسامي النساء، وحتى أنها استلمت زمام الأمور في كثير من الحضارات وكانت ملكة فيها، وعرفت بالصبر والقوة في أصعب الظروف.

المرأة والطبيعة

ومنذ بداية تكوين البشرية، كانت المرأة على علاقة قوية مع الطبيعة من حولها، وأحييت منها الحياة لمجتمعها، واستفادت من الطبيعة في العديد من المجالات، فالمجموعات البشرية الصغيرة “الكلان”، كانت تجتمع حول المرأة وتعتبرها إلهة لها (الإلهة – الأم)، التي كانت تهدف إلى زرع المحبة والمساواة والعدل، ونشر الصفات الحسنة بين المجموعة من حولها.

كما كانت تعرف بالمدافعة عن مجتمعها، وتدفع الغالي في سبيل حمايته وفي غياب الرجل كانت تتولى مهام القتال، وأثبت تاريخ الحضارات هذا الأمر، واللقى الأثرية والنصوص التي تناقلت عبر التاريخ إلى أن وصلت لأيدي الإنسان، ذكرت العديد عن النساء التي قاتلن  وقمن بمهام الحماية.

كما ركزت هذه اللقى بشكل كبير على دور الأم، باعتبارها واهبة الحياة، وهي من تلد الإنسان، كما لا يمكن نسيان جهود المرأة في الاكتشافات المادية العظيمة كالزراعة وصناعة الخبز، وبناء البيوت وتطوير الأدوات، ووضع القوانين والأنظمة بدءاً من المنزل والأسرة، ليتم فيما بعد تعميمه بين المجتمع، الأمر الذي يوحي بامتلاك (الإلهة – الأم) القوة المجتمعية، ولدى جمع كل هذه الحيثيات فيما يتعلق بالمرأة، تتشكل الأرضية التي استندت عليها علم المرأة وأيديولوجيتها.

الذهنية الذكورية

 عبر السياق التاريخي وما أحرزته المرأة من إنجازات عظيمة أفادت البشرية إلى يومنا هذا، إلا أن كل ذلك ترافق بمحاربة السلطة الأبوية (البطرياركية) لها، الذي أودعها في خانة العبودية، وترسيخ مفاهيم التعصب الجنسوي حيالها، ووضع المرأة في خانة الأداة التي تسير أمور المنزل وتربي الأطفال وسلب منها دورها الريادي والمهم في المجتمع.

ورغم ظهور حركات نسائية منظمة وشخصيات نسوية طليعية، لكن ما تزال الذهنية الذكورية المستبدة قائمة بشكل موسع، ويستدعي ذلك استراتيجية وحل جذري للقضاء عليها، ونشر فكرة أن المرأة والرجل هما أساس تماسك المجتمعات.

هذه التنظيمات عالجت بشكل كبير بعض قضايا المرأة العالقة عبر العصور، منها حقيقة العلاقة بين الجنسين وتشابكهما، والضغط الممارس على المرأة كي تفقدها الحس الانتمائي للأرض والمجتمع.

ومع دراسة القضايا والمشاكل العالقة والتي ما تزال تعاش ليومنا هذا، يتم التوصل إلى أن الحلول الموضوعة لبعض المواضيع؛ هي من صنع الرجل نفسه وتقدم للحركات النسائية، وبذلك ترسم الحدود لحرية المرأة.

المرأة في الشرق الأوسط

لعبت منطقة الشرق الأوسط دوراً في ولادة الحضارات الإنسانية. وهنا؛ يعود الفضل الكبير إلى المرأة في هذه الجغرافية، حيث الغنى المادي من المواد الطبيعية، والظروف المناخية الملائمة لتأمين حياة مستقرة، وخاصة في منطقة الهلال الخصيب (ميزبوتاميا)، كل هذه الخاصيات مهدت لبروز شخصية (الإلهة) المبدعات للحياة في كل الحضارات. إن سعي الهيمنة الذكورية في المراحل التاريخية، والمرتكزة على أسس فرض ديماغوجية السلطة، قلب تاريخ المرأة رأساً على عقب، لتطعن تاريخها بقصص الخيانة والخداع وانكار التاريخ الطويل لها. أرض الشرق الأوسط الخصبة أدى لظهور شخصيات نسائية عظيمة. مثل: (سميراميس) التي امتازت بجسارتها في الحرب، وحثت على بناء حدائق بابل المعلقة، وكذلك امرأة الصحراء (زنوبيا) رمز حب الوطن والشعب، وتركت بصماتها على صفحات التاريخ.

خلال فترة ما بين (القرنين الثاني والثامن عشر)، تراجعت قضية المرأة بشكل كبير في الشرق الأوسط؛ بسبب ذهنية الأديان وابتعادها عن مرونتها، وأثرت هذه الذهنية على حياة المرأة والشعب بشكل كبير. كذلك بروز بعض العادات والتقاليد البالية قيدت من حرية المرأة بشكل كبير، وأبقتها في حالة من الجهل في واقعها، بسبب الأحكام التي فرضت عليها.

وفي أواخر القرن العشرين، لم تصل النساء إلى المستوى المطلوب من الوعي والمعرفة  لأيديولوجية تعنى بشؤون المرأة، وبقين محصورات بين العجز عن فهم ذهنية التحرر الجنسوية، وبعيدات عن الانتماء الوطني.

كانت هناك مجموعات من النساء يجتهدن لإخراج النساء من الواقع الذي هن فيه، رغم العوائق والصعوبات سواء من الأنظمة الحاكمة أو المجتمع نفسه، وعجزت بعض الشيء عن تحقيق انفتاح أيديولوجي بين الجماهير النسائية.

 المرأة المقاومة

 الشعب الكردي شعب عريق في الشرق الأوسط، وتعرض لسياسات الإنكار والإبادة على مر تاريخه؛ بسبب الموقع الجيوستراتيجي لموطنهم، وامتلاكهم لثقافة أصيلة أغنت الحضارات وساهمت في بناءها. كان للنساء الكرديات دورهن في التاريخ، ولعبت دوراً مهماً في الدفاع عن موطنها وخلقت لديها شخصية قوية. إلا أنها لم تنجو من محاولات الذهنية الذكورية، وخاصةً في مرحلة الدين الإسلامي، نتيجة لاستغلال تلك الذهنية هذه المرحلة (الدين الإسلامي) التي أدت إلى اغتراب النساء عن المجتمع، وعاشت المرأة الكردية تحت تأثير ذلك، وحرمت من الكثير من الحقوق، لدرجة أنها عملت  معاملة البيع في الزواج.

وعند تأسيس الإمارات الكردية في القرن السادس إلى القرن السابع عشر، تمكنت المرأة من خلق تنظيم خاص بها “جمعية النساء الوطنيات”، لكنها لم تدم لفترة طويلة. في بداية القرن السابع عشر، ظهرت بعض القياديات والرياديات أمثال: خان زاد أميرة صوران؛ حيث كانت تقود 12 ألف جندي تحارب بهم الفرس في همدان. (فاطمة رش)، حيث سميت بلبوة كردستان، حاربت روسيا في أعوام 1854 ونشر اسمها في الصحف العالمية. (ليلى قاسم) ناضلت في عهد النظام البعثي الشوفيني في العراق وأصبحت خالدة في ذاكرة النساء الكرديات ومثالاً للمقاومة. وفي روجآفاي كردستان توضحت الفوارق التي تأثرت بها المرأة والمجتمع جراء سياسة التعريب، وسعت تلك السياسة الى إبعاد المرأة بشكل خاص عن القيمة الوطنية وصهرها في بوتقة التعريب.

أمام هذا المشهد، ظهرت حركة التحرر الكردستانية بقيادة القائد عبد الله أوجلان، ومنحى المرأة حيزاً واسعاً من أفكاره، ولأول مرة في تاريخ كردستان، قدم تحليلات موسعة وعميقة حول قضية المرأة، ونمط العلاقات والحياة وثورة الحرية كنشاط فلسفي وركيزة هامة. وركز بشكل كبير على الحياة الحرة، وكيفية الحياة مع المرأة، وضرورة أن تحصل المرأة على حقوقها باعتبارها المحفز الرئيسي للحياة الحرة.

ولأن المرأة الحرة تعني الحياة الحرة والمجتمع الحر؛ حلل حزب العمال الكردستاني حقيقة تعرض المرأة للاستعمار والاستغلال، ووضع الأهداف التي على المرأة أن تضعها نصب عينها وتناضل من أجلها والقضاء على الظواهر السلبية التي أثرت بشكل كبير على حياتها ودورها التاريخي.

كما وأكد على كيفية خلق الأجواء المساعدة على تحرير المرأة، واعتبر مفهوم التحرر الجنسوي مبدأً أولياً للتحرر الاجتماعي، ومنح المرأة مكانة كبيرة في صفوف النضال. وعلى أساس ذلك حملت الآلاف من النساء المناضلات هذه المهمة على عاتقها، وناضلن في سبيل إعلاء شأن المرأة وإرجاع دورها الريادي في المجتمع، ولم يبقى الأمر محصوراً في المجتمع الكردي، بل يناضل الحزب وفق أفكار وفلسفة القائد عبد الله أوجلان، على مبدأ أن تكون جميع النساء متحررات وفي تنظيم موحد قادر على مجابهة الذهنية السلطوية.

اعتماداً على مبدأ هذه الفلسفة؛ تأسست الكثير من الاتحادات والتنظيمات النسائية في أجزاء كردستان، وبهذا أصبحت المرأة شعلة المقاومة، ومارست حقها بشكل ملحوظ في الانضمام كماً ونوعاً إلى التجييش، وأبدت أروع آيات النجاح والبطولة في مقارعة الأعداء، وقدمت نفسها شهيدة بشجاعة نادرة.

لقد برز بكل وضوح أن لا شيء يمكن أن يقف عقبة في وجهها، ما دامت ترغب في الاتحاد مع النضال والحرية، وتوسعت فعاليات المرأة من النضال والوطنية، حتى ثورة  19 تموز في روجآفا التي حملت اسم ثورة المرأة. وحققت من خلالها المرأة الكثير من المكتسبات على كافة الأصعدة منها: السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدبلوماسية وخاصة العسكرية، وبرزت بشكل كبير في مواجهة الهجمات، تحولت شخصيتها الضعيفة التي لا تملك الإرادة الحرة إلى شخصية تاريخية وجوهرية لها القدرة على التغيير وإنشاء مجتمع منظم.

اكتسبت المرأة تجارب ساعدتها في تمتين هيكليتها التنظيمية، المتمثلة في بنية اتحاد المرأة الحرة وترسيخ تنظيم الطاقات لتجسيد السلام الاجتماعي. ويمكن القول؛ أن وضع المرأة في سوريا بشكل عام، تأثر بثورة روجآفا، وخاصة بعد الانجازات الكبيرة التي حققتها، ووقوف مقاتلات وحدات حماية المرأة أمام الإرهاب بكافة صنوفه، وبروز صفة المقاتلات اللواتي لا تهابن القتال في الصحف العالمية. لذا ومع انطلاق الاحتجاجات في المدن السورية وخاصة (السويداء)، كان نجاحات المرأة حاضراً ويظهر عليه التأثر بشكل كبير بتجربة المرأة في روجآفا وشمال وشرق سوريا.

أيديولوجية تحرير المرأة

ومع ذلك بقيت بعض المشاكل تواجه قضية المرأة، لكنها تواجهها وفق أيديولوجية المرأة الحرة، ونستطيع القول أن المرأة التي ناضلت وتمرّدت على الذهنية الإقصائية والمستبدة على مر أكثر من 5000 عام، ولا تزال تقاوم وتنتفض من أجل كتابة تاريخها بنفسها. ويمكن التأكيد أن بطولاتها وأبحاثها؛ هي السبيل للوصول إلى حياة حرة، والوقوف أمام كافة الصعاب، وحل القضايا المختلفة التي تهم المرأة ككيان وتنظيم يسعى للوصول إلى حقوق مشروعة ومسلوبة على مر التاريخ.

كما هو معروف مصدر كل القضايا العالقة هي قضية المرأة. يمكن للحياة أن تدمر، بالاعتداء على المرأة، ولن تنجح الأيديولوجيات التي لا تجعل المرأة الأرضية التي تستند لها، وحتى لو حاولت المرأة إيجاد حلول دائمة لكافة القضايا العالقة، إلا أنها لم تتمكن من ذلك. هناك حاجة ماسة إلى أيديولوجية خاصة بالمرأة لتحقيق ذلك، لذا تم إنشاء أيديولوجية تحرير المرأة.

إن أيديولوجية تحرير المرأة ليست فقط لأجل تحرير جنس واحد، ولا ينبغي أن يُفهم على هذا النحو. كيف يمكن أن يُفهم ويطبق ذلك على كلا الجنسين في المجتمع؟ إن هذا السؤال لهو ساري المعنى، حتى وإن مرّت الكثير من الأزمنة، ولكنها تبحث عن الأجوبة الصائبة. حين نقول أيديولوجية تحرير المرأة؛ فإننا على قناعة بأن هذه الأيديولوجية هي: أيديولوجية تحرير الحياة، تحريرها من الظلم واللاعدالة في الأنظمة العالمية، تحريرها من الذهنية العبودية التي تخضع المجتمع تحت رحمة ذلة الإرادة، تحريرها من تلك المؤثرات التي حوّلت المرأة والحياة والمجتمع إلى جحيم. أقصد بالكلام أننا بالفعل نحتاج إلى هذه الأيديولوجية، كي يتم حل هذه القضية الأساسية العالقة. أيديولوجية تحرير المرأة هي التي تفتح الآفاق الواسعة نحو مفاهيم الحرية، بين الجنسين وأيضاً بين المرأة والطبيعة، المرأة والمجتمع، المرأة وثقافة الأم الأصيلة.