أيديولوجية تحرير المرأة وفلسفة المرأة، الحياة، الحرية
أيديولوجية تحرير المرأة وفلسفة المرأة، الحياة، الحرية

“جذور فلسفة المرأة، الحياة، الحرية،
هي ثورة انبثاق أيديولوجية تحرير المرأة”
شيرا أوسي
الحديث عن ثورة نسائية في الوقت الحالي؛ يستثير معظم الأوساط السياسية والاجتماعية والعالمية أيضاً، لأن الحوار على قضية المرأة وما يتعلق بالحياة، يذكرنا بتلك المسالك والمنهجيات والمُثل العليا، التي آثرت على أن تجافي الحياة والحقيقة وتنسحب بفعل فاعل وتتخذ خطوة في التقرب إلى اللاوجود والعدم، ويقوم على شؤون أشبه بالشؤون الإنكارية من قبيل الانتحار.
إنما عنيتُ بها أن الحياة والنشاط ومختلف الأنشطة الإنسانية من منظور اجتماعي، تاريخي ينبغي أنّ تتثورن (ثورة) بمعنى أن تكون في حركة دائمة ابدية، عندئذ لن تغدو الثورة مكوناً عضوياً اشبه بالمكونات العضوية في الإنسان، كلا بل ستغدو بعداً من الأبعاد، تعني أفقاً للعمل والإنتاج ويمكن تشبيهها بالهواء الذي نتنفسه ونحيا به، ننخر في عبابه، طبعاً في معظم أوضاعنا لا نشعر به ولا نشعر بتأثيره علينا، إلا أنه يستحيل أن ننشط وأن نمارس النشاطات في ظل غياب هذا الهواء وهذه الثورة.
لكن كي نكون أكثر وضوحاً يجب أن نحدد ماذا نعني بالثورة؛ ثم بعد ذلك نحدد ماذا نعني بالثورة النسائية التي تخص المجتمع عامة والنساء خاصة. فالثورة قبل أن تكون جغرافية، فهي ذهنية.
مفهوم الثورة
الثورة بالمفهوم المجتمعي هي التي تحدد الغايات الأبعد. وفي ظل تحديد هذه الغاية يعاد تحديد جميع النشاطات والممارسات الظاهرية والباطنية، الفردية منها والجماعية. فما هي هذه الغاية؟ هذه الغاية بالرغم من بساطتها إلا أنها غير واضحة. باختصار؛ المجتمع المسالم غاية الغايات. فالمجتمع يُعرف على أنه طبيعة ثانية بعد الطبيعة الأولى (الكون)، وهو إبداعٌ إنساني بامتياز، فحوّل التطور التدريجي للإنسان إلى مرحلته المجتمعية. وقدح منه جميع المثل الكونية (الحرية، المساواة، العدالة، الحوار، الأمان) بمعنى آخر تحقق فيه إنسانية الإنسان، فهو المبدئ والمنهي.
ولكن من المهم التساؤل؛ هل هذه الغاية في الوقت الحالي تلهم الإنسان شيئاً ويجعله أفضل وجدير بأن يجعل الحياة أكثر إصلاحاً وأعمّ معنى بالتأكيد لا. ما يفرض عليّ الإجابة على التساؤل الثاني؛ حين أكدنا في مقالنا أننا بحاجة إلى ثورة نسائية، ولفهم هذه الجزئية التي ستكون بمثابة الضوء للنظر في فهم مُرادنا، نحكي الحكاية من البداية.
المجتمع الأول كان مجتمعاً أمومياً، المرأة هي التي أبدعته خاصة عقب اكتشافها الزراعة وحققت حياة الاستقرار حولها، ويمكن التأكيد أن معظم التقدم الذي أصاب الحياة في المجتمع الأول كان يعزى للمرأة أكثر مما يعزى للرجل. والمجتمع الأمومي؛ هو الذي كان يتحدد النسل به عن طريق الأم، وتتوارث به الممتلكات والألقاب عن طريقها. فالمجتمع الذي كانت تديره المرأة – الأم كان مجتمعاً حراً، ديمقراطياً، متعاوناً. لأن المرأة حين تعمل وتنشط، فإنها لا تعمل في عرض الحياة (العين بالعين والسن بالسن)، من خلال الرؤية الكونية التطورية بل تعمل طيلة الحياة. وظهر مصطلح الإلهة – الأم تكريماً لها على إبداعاتها حتى كانت هناك قرابة عشرة ألاف (إلهة)، تشمل كل ما يتعلق بالحياة (إلهة الحب، إلهة البركة، إلهة الخصوبة، إلهة العطاء والزراعة … الخ.
لذلك أن أية خطوة تخطوها المرأة هي ثورة عظيمة بحد ذاتها. بدأت من ثورة الاكتشافات وحتى وصلت إلى الثورة الذهنية والتحررية والمجتمعية. لا تنفك علاقة المرأة بالحياة بل تتكامل وتتعاضد ويمكن تشبيه هذه العلاقة بعلاقة الطفل مع أمه، كلما كانت هذه العلاقة قوية وحقيقية كان الطفل أكثر حيوية، والعكس هو الصحيح كلما كانت العلاقة فاترة باردة كان الطفل يحمل عقدة النقص.
الحضارات
من المحزن القول؛ أن المجتمع الأمومي لم يستمر فمنذ قرابة خمسة آلاف عام، حلّ مكانه المفهوم الذكوري الأبوي، الذي يكون فيه الرجل مسيطراً على الأسرة والقرية والعشيرة والقبيلة وكافة المجالات. ولا نخطئ إذا أطلقنا على هذا المجتمع تسمية المجتمع (المشوه)، لأنه شوه حقيقة الحياة وسخّر الأرض ومَنّ عليها خدمة لمصالح الذهنية الذكورية، المهيمن القوي ورغباته التي لا تنتهي إلا بفناء الأحياء جميعها. وفي هذا المجتمع أُنزلت المرأة من عرش الألوهية وأضحت سلعة تباع وتشترى وبالأمثلة يتوضح المعنى، في بابل كان يحق للرجل طلاق زوجته بكلمة، أما إذا أرادت الزوجة الطلاق يحكم عليها بالغرق. والرجل في الحضارة الصينية كان يحق له بيع زوجته حتى يسدد ديونه. فجميع الحضارات كانت تعتبر المرأة مواطنة من درجة ثانية، بينما تتشابه المرأة مع الحياة في المعتقدات القديمة حتى أن كلمة المرأة كانت تسمى الحياة.
بناءً عليه ولكل هذه الأسباب المذكورة أعلاه، ولأجل حياة بهية نقية، تعاد مشروعية سؤالنا لماذا الثورة النسائية؟. لأجل القضاء على هذه الذهنية والتي تحتاج للنضال والكفاح الفكري العميق، حيث طرح المفكر والفيلسوف عبد الله أوجلان فلسفة الوصول الى حقيقة المرأة، الحياة، الحرية، وقال:
“فلسفة المرأة، الحياة، الحرية طرحتها لأضع الحلول الجذرية لقضية الذهنية السلطوية الذكورية. وأربط تحرير المجتمع ورقيه بمستوى تحرير المرأة، بمعنى سيبقى المجتمع مقهوراً أعرجاً إن لم تعاد للمرأة دورها ومكانتها الصحيحة، ولن يتم ذلك إلا بالعودة إلى الحقائق التاريخية لمعرفة مكمن الخلل. ومكمن الخلل بطبيعة الحال عندما أجبروها (الأم – المرأة) عن التخلي لـ إدارة المجتمع، والتي بعدها تم الابتعاد عن الأمان المجتمعي والسلام النفسي والحضاري. ومنذ ذاك الحين تم نشأة الطبقتين؛ الطبقة الفوقية (الرجل – الأب – الراهب – الحاكم – رب الأسرة – رئيس العشيرة – شيخ القبيلة – المدير – الزعيم)، والطبقة المضطهدة (المسكينة – الضعيفة – لا حول لها – المجنبة)، لذلك تحتاج المرأة قبل كل شيء إلى السير نحو خطوات معرفة ماهية وحقيقة المرأة والحياة والحرية، طبعا أشير إلى ذلك كفلسفة حياتية وليست كشعار يلقى في المسيرات والمحافل.”
المرأة، الحياة، الحرية
المفكر أوجلان صك مفتاح الحرية ونفضى الغبار عن ذاكرة الإبداع والإضافة وأنشأ علم المرأة – Jineolojî، علم خلاص البشرية، وبه فك طلاسم التشوه والإنكار والنهب والسلطة ووضع اللبنة الأساسية نحو تكوين المجتمع المتحرر ذهنياً.
بذلك طرح فلسفة: المرأة، الحياة، الحرية من إطار الشعارات إلى أفق أرحب وأشمل، وأصبحت فلسفة ثورية لكل امرأة تواقة للتحرر وراغبة في كسر قضبان السجن الذكوري، وإزالة ركام خمسة آلاف سنة من العذاب والعدم.
وهنا؛ لا أتحدث عاطفياً كوني امرأة، إنما هي حقيقة واقعية محْضة يثبتها الواقع. فشعار المرأة، الحياة، الحرية الذي صاغه القائد أوجلان ترجمته آلاف النساء في شمال وشرق سوريا، تأسس اتحاد ستار عام ٢٠٠٥ المظلة الجامعة والمدافعة عن النساء، وانخرطت في الساحة العسكرية بداية ثورة ١٩ تموز، بلونها وثقافتها وأسست وحدات حماية المرأة حقيقة راسخة لنجاعة هذه الفلسفة. وفي روجهلات شرق كردستان (إيران)، أضحت هذه الفلسفة حجر الزاوية في انتفاضة الحجاب التي أشعلتها جينا أميني في وجه أعتى الامبراطوريات إنكاراً لحقوق النساء، ونظمت المرأة نفسها ضد نظام المُلا الذي سنّ مختلف القوانين التي تشرعن كافة الانتهاكات بحق النساء، بدءً من اللباس المفروض عليها وحتى الإعفاء عن كل جاني ارتكب جناية بحقها.
تحت شعار المرأة، الحياة، الحرية سرعان ما تخطت الحواجز الطبيعية منها والسياسية. أما في باكوري كردستان (تركيا) الذي يُعتبر أول من نادى بفلسفة المرأة، الحياة، الحرية وناضلت المرأة في هذا الجزء الكردستاني بخطوات شجاعة، ويعود ذلك الى حجم الشدة وبشاعة الانتهاكات التي مورست ومازالت تمارس بحقها من قبل النظام التركي، وشكلت المنظمات المدافعة عن حق المرأة كمنصة “سنوقف قتل النساء التي كشفت في تقريرٍ لها عام ٢٠٢٢ مقتل ٣٣٤ امرأة على يد الرجال فيما قُتلت ٢٤٥ امرأة في ظروف غامضة”. ويمكن وصف هذه السياسات للنظام التركي بسياسات العنف والشدة ضد فلسفة المرأة الحرة، بالمقابل لسان حال المنظمات النسوية في تركيا (كلما تحررت المرأة كلما تحرر المجتمع).
لا يختلف المشهد في باشوري كردستان عن باكور كردستان، ويمكن تسميته بالحالة المتكاملة، بمعنى آخر؛ هنا عنف وقتل دون محاسبة، وهناك عنف وقتل دون محاسبة، والأفظع من كل ذلك أن المنظمات النسائية العاملة في باشوري كردستان تدار معظمها من قبل الرجال.
وهنا؛ يجب الانتباه أن العنف ضد النساء ليس صفة لحكومة معينة، بل هي طبع وذهنية مشتركة بين مختلف الأنظمة الأبوية الذكورية، وخير مثال ما تعيشه النساء في أفغانستان، في ظل حكومة طالبان التي حولت أفغانستان إلى جحيمٍ تتقاذف فيه النساء في مختلف مجالات الحياة، ففي عام ٢٠٢٢ اعتقلت حركة طالبان ٨٠٠ امرأة وفق إدارة سجون طالبان ووفق وزارة الصحة فقدت ٥٠٠ امرأة حياتها أثناء الولادة. حتى الاتحاد الثوري للمرأة الأفغانية الذي تأسس عام ٢٠٠٥ للدفاع عن حقوق المرأة، يمارس عمله سراً نظراً لشدة المضايقات التي يتعرض لها في ظل حكم طالبان، والقوانين التعسفية التي تحكم على المرأة إن كانت الأم أو الفتاة أو العمة أو الخالة.
مقاومة المرأة في كردستان
وعليه يمكن التأكيد؛ أن مقاومة المرأة في كردستان منذ قرابة ٥٠ عاماً، وتحديداً مع بداية تأسيس حركة التحرر الوطنية الكردستانية أكثر تنظيماً مقارنة مع غيرها من الحركات والثورات السابقة. مستندة في ذلك على تحليلات وفلسفة المفكر عبد الله أوجلان: ” الثورة التي لا تستطيع تحرير المرأة لا تُعدّ ثورة “.
ويبقى الأهم بعدما أدركنا حقيقة المغالطات والسياسات العنصرية المفروضة على المرأة، في ظل الثورة النسائية المعلنة تحت شعار المرأة، الحياة، الحرية هو التعميم. فما كان سائداً قديماً يبقى مشيناً في عصر التكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعي. بمعنى أي امرأة عُرفت يجب أن تُعرّف وهكذا تتعمم الحقيقة ومتى ما تعممت الحقيقة ستصبح أمراً واقعاً يصعب تجاوزها.
الحقيقة التي لا يجب التغافل عنها قيد أنملة، أن التعميم لا يتحقق، إن لم تكن هناك همة قوية جبارة، تستطيع كسر الصخرة الملعونة الموضوعة في سبيل الحقيقة الأزلية (المجتمع الديمقراطي) الذي تحقق بقيادة المرأة.
لا يمكن أن تقوى همتُك إلا إذا أدركت كل الإدراك لماذا تقدم فروض الطاعة للرجل المخادع، الذي يقود المجتمع الذي أسسته المرأة – الأم. ومن المؤكد أن النضال والكفاح لا تقوى في ليلة وضحاها، فالذهنية المتسلطة ما زالت لم تنتهي، لكن حين تكون هناك عزيمة في التغيير الذهني وتكون هذه العزيمة صادقة، عندئذ يتعزز النضال، خاصة إذا بدأت كل امرأة من نفسها واستثمرت في ذاتها وتبنت ثقافة العزيمة ثم العمل، فبدلاً من أن يديرها الرجل، عليها هي أن تدير المجتمع، حين ذاك ستجني المجتمعات ثمارها، فلا ثمار طيبة لذيذة من دون عمل، وأقصد بالعمل أي النضال والمقاومة في سبيل حياة جميلة بهية قائمة على المساواة والحرية، فعلاقة العمل بالثمار علاقة نضال وحياة.
ولتحقيق كل ذلك على كل امرأة أن تستيقظ من أوهامها، وأن لا ترضى بالذل والإهانة المفروضة عليها، وأن لا تقبل كل ذلك تحت مسميات مختلفة إن كانت دينية، جنسانية، ولا تحدث شرخاً ما بين ذاتها وحقيقتها المسالمة النقية كنقاوة ماء الغدير، وبين دورها المحتوم عليها في تأسيس مجتمع متساوٍ ومتعادل يعطي كل ذي حق حقه. لأن المرأة بطاقتها الحياتية وقوتها الإيجابية تستطيع تجاوز كل الذهنيات. وهنا؛ لا أتحدث إنشائياً إنما أعول على التاريخ، فتاريخ المرأة ملئ بالإيجابيات والإبداعات بدءاً من تربية أطفالها وصولا إلى وضعها اللبنة الأساسية لعلم الفلك والطب.
تأسيسا عليه؛ على كل النساء أن تعدن وتروّين بذرة الحياة كما كانت تروّينها حين كانت سيدة مجتمعها، وتطالب بمجتمع حر أخلاقي لا لأجلها فقط، بل لأجل البشرية جمعاء. وأن تحارب كل فكرة تحد من طموحها ومقاومتها التي تعرضت وتتعرض وستعترض من كل بد لصعوبات وإخفاقات.
عندئذ ستتحول النظرة من الشك والارتياب إلى نظرة واضحة جلية، ويستحيل الضعف والكسل حتى الخنوع إلى قوة ونشاط يقتحم ميدان الحياة بعاطفة جياشة، وسلوك يزيل من على الحياة غشاوة الظلم والطغيان التي كرّستها الذهنية الأبوية. وتحل مكان كل هذا العهر ثقافة نسوية قديمة حديثة تقود الحياة الجديدة إلى الفردوس الموعود تحت فلسفة المرأة، الحياة، الحرية .
