تاريخ مسيرة المرأة في صفوف حزب العمال الكردستاني
تاريخ مسيرة المرأة في صفوف حزب العمال الكردستاني

“أيديولوجية تحرير المرأة
ليست مقتصرة على كونها أيديولوجية جنسية فقط،
بل هي أيديولوجية التحرر الاجتماعي”
هيفيدار خالد
درسنا الكثير من القضايا الاجتماعية ضمن الأبحاث والعديد من الكتب، بالطبع نبحث عن تاريخنا بمعنى (تاريخ المرأة)، الذي تم كتابته بيد المرأة وبفكر المرأة وطبيعة المرأة، ولكننا لم نجده! فقط رأينا أن تاريخ عبودية المرأة كتب ولكن ليس بقلم وفكر المرأة. هنا؛ المغزى المهم في بحثنا أننا نحتاج إلى كتابة ومعرفة تاريخ هذا البحث، من جديد.
حزب العمال الكردستاني هو أول حزب أحرز التطورات على صعيد النضال التحرري المعاصر في كردستان، ولقائد كونفدرالية الشعوب الديمقراطية عبد الله أوجلان دور بارز في عملية تصعيد هذه الحركة. حيث تطورت التناقضات الاجتماعية الأولى لدى القيادة نتيجة ردود فعله المتطورة تجاه الحالة المنحطة للمرأة ونظام العلاقات الكردية، وبإصرار كبير أظهر القائد رفضه وتمرده. ولم تستطع القيادة الإعجاب بقيم مجتمع الدولة الأبوية، بل تقّرب منها بالشكوك والقلق الدائم. وبنى نظامه الاجتماعي بتأثيرات حقيقة ثقافة المرأة – الأم، وبذل جهوده لإحياء هذه الثقافة العريقة. وأثبت حقيقة ألا وهي؛ أن تحليل المشكلة الكردية بخطوطها العريضة لا تكفي لإيجاد الحلول المناسبة لها. ولهذا؛ هدف من خلال بناء حزب العمال الكردستاني إلى خلق المرأة والرجل المتحررين، وهذا يشير إلى مساعيه في خلق وتطوير مجتمع عصري. وديناميكية الحزب القابلة للتجدد الدائم ألقت تأثيراتها على كافة الفئات الموجودة في المجتمع بشكل قوي. وأحدثت ثورة وتحولاً في الساحة الاجتماعية.
YJWK أول تنظيم للمرأة (أتحاد النساء الوطنيات الكردستانيات)
عندما بدأت المرأة الكردية بتنظيم ذاتها ضمن صفوف حزب العمال الكردستاني، تشكل أول تنظيم للمرأة في عام 1987 وأطلق عليه اسم اتحاد النساء الوطنيات الكردستانيات YJWK ، الذي اعتبر أول تنظيم نسائي عبّر عن القوة المنظمة للمرأة داخل الحزب، ومثّل أول تنظيم للمرأة الكردية عامة. سيّر YJWK نشاطاته بالأكثر في ساحة أوربا تحت كنف “جبهة التحرير الوطنية الكردستانية”. ولعدم تجاوز المرأة فيه لخصائصها الاجتماعية الرجعية، لم تتمكن من المساهمة عملياً بما يوازي هذا التنظيم ومتطلباته.
ورغم استهداف تنظيم YJWK لذاته في كافة ساحات كردستان، إلا أنه ظل محصوراً عملياً بساحة أوروبا فقط. ولعدم تحلي YJWK بالمستوى المطلوب من الحاكمية والتأثير، بقي ناقصاً لدرجة ملحوظة في تغيير وتنظيم وتطوير الانضمام المتزايد للمرأة إلى صفوف النضال، على أساس التدريب الأيديولوجي العميق. تعود أسباب العديد من النواقص المعاشة في هذه الفترة إلى ضعف التجربة، والاغتراب عن الذات والانضمام غير المحترف ( الهاوي)، والذي ينبع بدوره من ترك المرأة خارج الإطار التنظيمي على مر آلاف السنين.
لكن وبفضل توجيهات وتحليلات القيادة في تلك الفترة قطعت أشواط هامة من حيث جذب المرأة إلى صفوف الثورة، تعريفها على الوعي الوطني، وتوثيق أواصرها بمقدسات الوطن والشعب، تنبيهها إلى العبودية التي تعاني منها وتهيئة الأجواء لمطالبتها بالحرية. وأسفر عن ظهور تطور هام في العديد من المواضيع الهامة من قبيل الحفاظ على الارتباط بالوطن والقيم الوطنية، وتطويرها، والإحساس بالحاجة لحب المرأة لجنسها وتنظيم ذاتها.
انعكست تأثيرات التحليلات البارزة بصدد المرأة والعائلة فيما بعد عام 1987، على الجماهير الشعبية بسرعة البرق. وباستشهاد الرفيقة ( بنفش أگال – بيريفان جزيرة) في عام 1987، والتي التحقت بالثورة لتشبثها العظيم بالحرية على أساس هذه التحليلات؛ حثت الجماهير على البدء بمرحلة الانتفاضة .لأول مرة تنتفض الجماهير الشعبية بهذه الشمولية بنسائها ورجالها، مشيرة بذلك إلى التحامها بالحزب واحتضانها إياه.
إن الرفيقة بيريفان(والتي كانت فتاة إيزيدية)، أصبحت رمز المرأة المتحررة من هيمنة الذهنية الذكورية، سواء كان أخاً أو زوجاً، لتصبح ملكاً للشعب والوطن والتاريخ ولبنات جنسها، ورمزاً للرد على كل محاولات سلب الإرادة وامتصاص القوة واستصغار الشخصية التي كانت تتعرض لها المرأة الكردية؛ وذلك من خلال خلق مستوى تحرري رفيع. إنها رمز إزالة الاغتراب الحاصل بين (المرأة ـ الحياة الحرة ـ المجتمع)، منذ فجر التاريخ رغم أنها ثنائيات مقدسة ومبجلة، وتحقيق التحام المرأة والشعوب على أساس الحرية لاتحاد مصيرهما معاً منذ بدايات التاريخ.
مع حلول أعوام التسعينات اكتسبت المرأة مستوى ملحوظاً من الوعي التحرري والخبرة النضالية والتنظيمية والنضال في خنادق الحرية الحصينة. إن الأنشطة التنظيمية التي مارستها المرأة حتى التسعينات، حققت انفتاحات ملحوظة فيما بعد عام 1990 من خلال الانتفاضات الجماهيرية والتصاعد الملحوظ في الانضمام الهائل كماً ونوعاً.
هذا الانضمام النسائي المترافق مع الوعي الوطني، عبّرت عن مواقفها داخل التنظيم عن ظهور قاعدة قوية واسعة، أثرت على تطور الحزب. هذا بالإضافة إلى أن قوة المرأة قد تجلت بوضوح، نتيجة انضمامها الفعال إلى الحرب من جهة، وإبدائها أروع آيات البطولة والمقاومة والتضحية، أو نيلها الشهادة بشجاعة نادرة في صفوف الجيش من جهة أخرى.
وعملية الرفيقة ذكية آلگان في نوروز عام 1990 في ديار بكر (آمد)، وعملية ( رهشان ديميريل) في نوروز أزمير في عام 1992، سوى تعبير ملموس عن قمة الوعي والمشاعر الوطنية للمرأة. كما أبرزت بكل جلاء أن لا شيء يمكن أن يقف عقبة في وجه المرأة ما دامت ترغب في الاتحاد بنضال الحرية. إلى جانب ذلك عبرت هذه العمليات على نحو ملفت للنظر عن تعاظم تطلع المرأة في المجتمع إلى الحرية، ,وأبرزت القوة الموجودة لدى المرأة في مدى تطلعها إلى الحرية، ومدى نقمتها ونفورها العميق من العبودية التي طالما فرضت عليها لآلاف السنين.
مقاومة الرفيقة بريتان (گلناز كره تاش)
بينما كانت مقاومة الرفيقة ( گلناز قره تاش – بيريتان) بمثابة الضربة القاضية للخيانة والعمالة، ورداً حاسماً على الهجمات الحاصلة؛ فقد برهنت بالمقابل على عزم المرأة في التحرر وتشبثها بذلك، إلى جانب تحديها اللامتناهي لكل العقبات والعراقيل التي تعترض طريق تحررها. إن المقاومة الباسلة التي أبدتها الرفيقة گلناز قره تاش – بيريتان مؤشر على مدى التزايد الكمي الجاري في الجيش من جهة، وعلى بلوغ المرأة المستوى الذي تتمكن فيه من إبراز قدرتها القيادية وتجييشها من جهة أخرى، بالتالي فالمقاومات والعمليات البطولية البارزة على هذا الأساس قد هزت مجتمع المرأة من الصميم، مما أدى إلى تزايد انضمام المرأة كماً ونوعاً لصفوف النضال، وظهور المقاومات الشجاعة لها بين صفوف الگريلا في الوقت نفسه.
وبحلول عام 1993 برهنت المرأة على قوتها القتالية كمحاربة في الجيش واتخاذ مكانتها فيه ـ رغم كل الجوانب الناقصة فيها ـ ضمن شروط صعبة ومتفاوتة نسبةً للرجل، ورغم كل التقرّبات السطحية التي أبداها الرجل في هذه الساحة آنذاك.
تجييش المرأة
تجييش المرأة الذي يعتبر إنجازاً هاماً لتكريس حرية المرأة، والخطوة الأولى من نوعها في التاريخ العالمي من حيث لا غنى عن تنظيم وتمأسس تجييش المرأة على كافة الأصعدة، لأجل تكريس الحرية والمساواة. إذا كانت ترغب اكتساب ذاتها مرة أخرى، وتود سمو شقيقاتها من بنات جنسها، فعليها الإدراك تماماً بأنها محتاجة ـ حتى أكثر من الرجل ـ لتنظيم ذاتها، وأن عليها النجاح في التنظيم والتجييش ضمن حاكميتها هي، من خلال إبداء الرغبة الجامحة لذلك، بل وحتى الشغف الكبير والروح العالية من المسؤولية أيضاً. فتجييش المرأة أمر مبدئي.
وقد تطورت فعاليات تجييش المرأة في عام 1992 كثمرة لهذا التقرب المبدئي، وكأول تجربة متحققة أسفرت عن تجارب وخبرات هامة للغاية بالنسبة لتاريخ المرأة. يتحتم النظر إلى تجييش المرأة على أنه ضرورة قيمة وأساسية لسيادة المساواة. هذه هي الحقيقة العامة التي ارتكز إليها تجييش المرأة الناشئ في أوساط حزب العمال الكردستاني، الذي ارتأى الحل الواقعي الصائب في إسناد الحياة الحرة المستقبلية إلى دعائم تجييش المرأة.
وهكذا عرف الحل المرتقب لقضية المرأة؛ إذ ترسخت القناعة بالإيمان بأن بلوغ المرأة حريتها سيكون عبر مساهمتها الفعالة في النضال، وإبداء مواقفها المعتمدة على قوتها الذاتية والسمو بذاتها إلى مستوى التجييش كوسيلة مؤثرة في الحرب وتحقيق ثورة شاملة بمقتضى ذلك؛ ومنحها مكانتها في صفوفه على هذا الأساس. هكذا خطت المرأة خطوة هامة في مسيرة التحرر، بانتقالها من مجرد حركة نسائية عامة ضمن النضال إلى جيش نسائي، أي تنظيم خاص بالمرأة.
تشكيل وحدات المرأة المستقلة
في عام 1993 عاشت المرأة العديد من البدايات، حيث انتظمت على ذرى الجبال على شكل وحدات مستقلة، وعاشت مستقلة في نشاطاتها التدريبية، التمركز، تنظيم الحياة، عقد الاجتماعات، وحتى الانفصال نوعاً ما في العمليات العسكرية في الساحات والأماكن المناسبة، واحترافها فيها بشكل أفضل. إنها المرحلة التي تعرفت فيها على هويتها وجنسها بكل قوة والتقت بهما ودنت منهما، وبالتالي كونت كيانها الاجتماعي والروحي من جديد كامرأة. لقد تملصت حينها من وجهة النظر الذكورية المهيمنة بشأن ذاتها.
كما إنها انتبهت لعدم وجودها في الحياة بقوتها, إرادتها ورغبتها هي، وعدم المشاركة فيها بموجب ذلك. بالتالي بدأت بمحاسبة ذاتها وتعبئتها والتعمق في أمرها، وبذلت جهوداً حثيثة في هذا المضمار.
هيئات المساواة والحرية
تأسست هيئات المساواة والحرية في مرحلة تجييش المرأة بغرض أخذ المرأة مكانها في الإدارات، أي في آليات القرار والإدارة، على أسس متساوية. كان انضمامها متكافئاً من حيث العدد أيضاً، وشاركت في اتخاذ القرارات اللازمة بإرادتها. يعتبر توجيه المرأة لإبراز قوتها من كافة النواحي شرطاً أولياً لاستقلاليتها. بالتالي تم الاستمرار في تجييش المرأة وتوسيعه وتجذيره كنشاط هام يتضمن تطبيق هذا الشرط على جميع الأصعدة. الذي شكل ادخاراً لا يستهان به من التجارب فيما بين عامي 1993 ـ 1995 من حيث تعرف المرأة على نقاط ضعفها وموقف الرجل منها. فقيادة PKK صعدت من مستوى تحليلاتها بشأن قضية المرأة حتى عام 1995 وعمقت بذلك النشاطات الأيديولوجية المعنية بها.
المؤتمر الأول الوطني الكردستاني للمرأة
تم تقييم هذه الأرضية الموجودة في آذار 1995 بانعقاد المؤتمر الأول الوطني الكردستاني للمرأة، وتأسيس (الاتحاد النسائي الكردستاني YAJK )، إن YAJK هو انعكاس لتوسيع نطاق تنظيم المرأة الكردية المسمى من قبل بـ اتحاد النساء الوطنيات الكردستانيات YJWK بالتالي خرجت حركة المرأة المنظمة في ظل YAJKمن كونها جناح تابع لـ جبهة التحرير الوطنية الكردستانية ERNK بنشاطها بالارتباط مباشرة بقيادة حزب العمال الكردستاني، وبناءً عليه نظمت فعاليات المرأة على نحو تتمركز فيه في كافة ساحات النضال.
بالتالي ولأول مرة تصل قوة المرأة إلى مستوى تؤسس فيه تنظيمها المركزي الخاص بها، وتوجد آلياتها المركزية وحتى قوتها الإدارية المركزية أيضاً. أي أنها كونت مبادرتها في الفعاليات النضالية التحررية في المقرات المركزية، وأسست تمثيلياتها المركزية في كل ساحة، بينما نظمت قوتها داخل الجيش على شكل سريات وفصائل لتظهر الاحتراف والمهارة الحاكمية لديها على مستوى أرقى. إن YAJK يمثل القوة الأيديولوجية لتحرر المرأة. بوصول المرأة إلى صفاء ملموس مجسد في أيديولوجية تحرير المرأة؛ ارتقت إلى مطاف تمثل نهجاً سياسياً وقوة تنظيمية أرقى.
وظائف YAJK الأساسية
تكوين القوة الإدارية في السياسة والمجتمع والعائلة وفي العلاقات بين الجنسين، وتحديد مقاييس المرأة الحرة والمجتمع الحر بموجب ذلك، تطوير تطلعاتها وبحوثها عن الحياة، وتوجيه الانتقادات الحادة للرجل أيضاً ضمن إطار هذه المقاييس لحثه على التحول والتغيير، حث الجنسين على رفض خصائصها الرجعية بحدة.
مبادئ YAJK (أتحاد حرية المرأة الكردستانية)
هناك أربعة مبادئ يتبناها YAJK باعتبارها شروطاً لا غنى عنها بالنسبة للمرأة والرجل على حد سواء، لما تتميز به من قيمة حيوية ومصيرية.
1 – YAJK: يعني الارتباط اللامحدود بمبدأ الوطنية. هذه حقيقة المبدأ؛ قد يتراجع الكل عن الوطن والحرب الوطنية، لكن YAJK لا يتراجع قط.
2 – YAJK: عنصر لا غنى عنه في حقيقة الحرب. إذ ثمة حرب تحررية وطنية هنا. إن أول ما قالته المرأة في ظاهرة حزب العمال الكردستاني هو: ( أريد أن أتواجد في الحرب)، أي أن YAJK هو بالأصل حقيقة كفاح فكري، وإن كانت على مستوى العواطف والمشاعر، ذلك أنه يدرك تماماً أنه لا يتضمن معنى آخر سوى هذا الكفاح.
فالصراع بمعنى محاربة الميزات الكلاسيكية، تعد من إحدى أهم مبادئ YAJK سواء في المشاعر أو الفكر. وبتعبير آخر، إن YAJK هو سلاح انتقام من كل الخصائص الرجعية، وكافة أنواع الانحطاط والسفالة، وانتقام من كل الخصائص الخطيرة المتواجدة في ذهنية الرجل، وقبل أي شيء آخر YAJK ؛ هو أداة الجمال التي تكتسب معناها الجمالي الباهي بمحاربتها لكافة خصائص المرأة المنحطة والذليلة والسيئة. YAJK هو: أداة وقوة الحرب لأجل الوطنية والحرية والمكوث على الأرض – الأم، وعدم الانفصال عن الشعب بسهولة.
3 – YAJK: هو قوة الحرب. أي يجب تقييمه كقوة تنظيمية بأعلى المستويات، إذ يستلزم تشبثها بمبادئ الحزب أكثر من الجميع، لأن المرأة لا تتواجد إلا بالتنظيم .بدون وجود التنظيم، يستحيل تواجد أي امرأة حرة. من هنا؛ فإن YAJK هو دافع على الارتباط بالمبادئ التنظيمية للحزب وتبنيها بأعلى المستويات.
وما YAJK سوى تنظيم تأسس وتطور كتدبير شامل النطاق تجاه تقربات قد تهدد المرأة في كل ميادين الحياة نتيجة التفاوت في القوة.
تواجد YAJK لإعاقة الرجل من اللجوء إلى قوته الفظة والعنف والبطش لتحطيم عزم المرأة المبتدي في قولها ( سأذهب إلى الوطن، سأحيى حرة، سأصعد الجبال، سأحارب بحرية). ويعتبر تنظيم المرأة، هذا التنظيم المكافح بلا هوادة ضد هذه الحقيقة المرة والفجة للرجل، أساساً لبناء الرجل الحر. أساس هذه التقييمات أكملت التجهيزات لعقد الكونفرانس الوطني الأول للمرأة، وطبعاً في ظل هذه الظروف قامت الرفيقة زيلان بعملية فدائية جواباً للمفاهيم والمبادئ الخارجة عن نهج الحزب والتنظيم.
عملية الرفيقة زيلان
في 30 حزيران 1996 أعطت الرفيقة زيلان من خلال عمليتها التي قامت بها في ديرسم، جواباً شاملاً وقاطعاً للمرأة التي لا تهب ذاتها لنضال الحرية. لقد أفصحت عملية الرفيقة زيلان الفدائية عن قوة المرأة الحقيقة في الحرب والجيش والتنظيم والحياة. وبرهنت على أنها ضمان النصر والنجاح الأكيد وهي مصرة على نشر فلسفة القائد عبد الله أوجلان.
طبع YAJK طابعه على الفترة بين 1995 ـ 1999 من حيث المستجدات والتغيرات العظيمة المنبثقة عنه بالنسبة للمرأة. رغم كل النواقص والأخطاء كان القوة المسيرة لنضال حرية المرأة في هذه الفترة. فالمرأة التي بلغت قوة التجييش لأول مرة في التاريخ، تعلّمت ضمن تنظيمها YAJK كيف تثق بذاتها وتحب جنسها وتبرز قوتها للوجود. تمخض ذلك عن تطورات أصبح معها التراجع نحو الوراء مرة أخرى، أمراً مستحيلاً في تاريخ المرأة.
الأيديولوجية التحررية المتمحورة حول المرأة
مع حلول عام 1998 تم إعلان أيديولوجية تحرر المرأة المختزلة على شكل خمسة مبادئ أساسية، من قبل قيادة حزب العمال الكردستاني في 8 آذار؛ لم يكن سوى جواب معطى للضرورة العاجلة. تعزم أيديولوجية تحرر المرأة، التي أفصحت عنها قيادة الحزب ضمن إطار خمسة مبادئ رئيسية، على إيجاد الحلول المرتقبة للقضايا الإنسانية العالقة بأسرها مع حلول مطلع القرن الحادي والعشرين.
إن أيديولوجية تحرير المرأة ليست مقتصرة على كونها أيديولوجية جنسية فقط، بل هي أيديولوجية التحرر الاجتماعي، وأيديولوجية تحرر الإنسانية وبالتالي الرجل أيضاً. من طرف آخر، وبما أن المرأة هي القطاع الأكثر تعرضاً للسحق والاضطهاد، فالتحرر والخلاص يجب أن يبدأ منها، ويتحتم القبول في نهاية المطاف؛ بأنه لا يمكن تأسيس نظام ديمقراطي مرتكز إلى الحرية والمساواة، دون تبني أيديولوجية شاملة كهذه.
على هذا الأساس حدد القائد خمس مبادئ أساسية للأيديولوجية التحررية المتمحورة حول المرأة والتي غدت للأسرة الإنسانية كثمرة للدراسات والبحوث التاريخية والأيديولوجية العميقة. تتطابق هذه المبادئ مضموناً مع مبادئ الأساسية المنصوص عليها لأجل YAJK، لكنها تتميز بنظام أيديولوجي أمتن وأحصن.
مبادئ أيديولوجية تحرير المرأة
بناء عليه، تقبل أيديولوجية تحرير المرأة بالوطنية كأول مبدأ لها. أي أن التشبث بالأراضي التي نشأت فيها، هو أول مبدأ لأيديولوجية تحرير المرأة. ذلك أن أي فكر أو نظام أيديولوجي منقطع عن جذوره لا يمكنه حماية وجوده بتاتاً.
تطوير الإرادة الحرة والفكر الحر هو المبدأ الثاني في أيديولوجية تحرير المرأة، ذلك أن إرادة كل من المرأة والرجل على السواء قد تحطمت مع نشوء المجتمع الطبقي، وتحول الناس إلى كائنات محدودة التفكير وبعيدة عن قوة الفكر في كنف النظام القائم.
المبدأ الثالث هو؛ بلوغ المرأة لتنظيم معتمد على الفكر والإرادة الحرة، بعد أن حرمت من ذلك بأشد الأشكال. لقد زج بالمرأة والشعوب تحت حاكمية الهيمنة الأيديولوجية قبل كل شيء في المراحل التاريخية السابقة. والهدف من المبدأ الثالث لأيديولوجية تحرير المرأة في إيقاف هذه الخسائر، وإعادة بناء مستوى تنظيمي قوي في المجتمع وممثل في شخصية المرأة تماماً مثلما كانت عليه الحال في بدايات التاريخ.
المبدأ الرابع؛ هو تطوير النضال على أساس الإرادة الحرة والمشاركة في الحياة بالتساوي. يفيد هذا المبدأ بأن إحياء المبادئ الثلاثة الأولى وبناء المجتمع الحر والمرأة الحرة، يمر عبر خوض نضال دؤوب وعنيد، وأن المشاركة أيضاً يمكن أن تنفذ في محور هذا النضال.
يستهدف المبدأ الخامس إعادة البناء على أساس مفاهيم ومقاييس وأنماط جديدة لتطوير المستجدات الناجمة للوسط وتصعيدها وزيادة بهائها. بمعنى آخر فهو يعبر عن إنشاء الجديد على أساس الجمال في الفرد والمجتمع وكافة ميادين الحياة، بدلاً من القديم البالي المدمر. على المرأة التي تود العيش حقاً ألا تهمل الاهتمام بالفن والأستتيك والثقافة بتاتاً، بل ترتبط بمبدأ مصوغ بشكل جلي حسب الأستتيك، بدءاً من جسدها وحتى جمال فكرها، ومن خطابتها إلى تنورها الفكري.
نظرية الانفصال
هناك الجانب الآخر الهام في أيديولوجية تحرير المرأة هو؛ نظرية الانفصال والتي دخلت النقاش في عام 1998. نظرية الانفصال هي محاسبة واقع الجنسين عن جوهر الإنسان وعن القيم الإنسانية النبيلة عن طريق منطق الملكية الخاصة للنظام الذكوري والأبوي المهيمن، ومحاسبة ما ينجم من تأثيرات متمخضة عنه طيلة أربع آلاف سنة. إنها الدرب المؤدية إلى بناء العلاقة الحرة من خلال محاكمة علاقة السيد ـ العبد القائمة بين الجنسين، والقضاء عليها. كذلك هي أسلوب التوجه قدماً نحو الحياة الحرة، بالتنبه لواقع العبودية الذي يتخبط في كلا الجنسين منذ 2000ق. م . تستهدف نظرية الانفصال المطروحة بريادة قيادة حزبنا إلى بناء أرضية المرأة الحرة والرجل الحر، أي الحياة التي سيعيش فيها الإنسان الحر. وهو ليس انفصالاً فامينياً، بل أسلوب نضالي يسعى لفصل كلا الجنسين عن واقع النظام والمتسلط لتحقيق استقلاليتها.
عملية الرفيقة سما يوجه
ويأتي في هذه المرحلة أهمية عملية الرفيقة سما يوجه قبل كل شيء، عملية الرفيقة سما التي اغتسلت بالنار وأحرقت مع بدنها كل الخصائص الرجعية للمرأة التقليدية في 21 آذار 1998؛ كانت مؤشراً على مستوى العزم والقرار الحاسم لدى المرأة لإحياء مشروع الحياة المتمحورة حول المرأة على أرض الواقع في أقرب فرصة.
من هنا؛ فالرفيقة سما هي حقيقة محاكمة الذات بأرفع المستويات. أما وجهتها الأساسية؛ فهي بلوغ القمة في موضوع التحول الحزبي، والتحلي بمستوى صارم ومتقدم للغاية في العزم على الالتحام بالأيديولوجية.
مرحلة التحول الحزبي
رغم المسافات الهامة المقطوعة في نضال حرية المرأة حتى عام 1999، إلا أنه ثمة خصوصيات بقيت ناقصة. من المهم بمكان تقييم ما تم اكتسابه حتى اليوم من عواطف عميقة وقوة فكرية واسعة وتجربة تنظيمية وحياتية مهمة، والذي حوّل المرأة من مجرد مادة شكلية إلى ذات جوهرية , وأمدّها بالوعي وقوة الإرادة والهوية الذاتية. وما التحول الحزبي سوى خطوة مُثلى لذلك، تنادي من خلال ترسيخ التنظيم إلى تعبئة المرأة بالوعي الحر والإرادة الحرة العائدة لها، والعيش سوية في مجتمع سليم صحي، وتعيين المرأة مكانها ومكانتها في إعادة تشكيل البُنيتين الفوقية والتحتية؛ كبديل لعالم المجتمع الذكوري المهيمن منذ آلاف السنين. وتحقيق المرأة لذاتها من جديد من خلال صياغة برنامجها وتنظيمها وحياتها، وإضفاء المبدئية العظمى السامية على مسيرتها.
التحول الحزبي هو دعوة للمرأة كي تكون امرأة تناضل للشعب والحب والجمال بدلاً من أن تكون ملكاً لرجل واحد حتى قبل أن ترى عيناها النور. بمعنى آخر، هو نشاط يهدف إلى تطوير المقدسات السامية العائدة للمرأة والرقي بها لتمتلك القوة في التوجه قدماً نحو الحرية ـ لا العبودية والخنوع ـ بكل جمالياتها بما يوازي ميزة القرن الحادي والعشرين في رجحان كفة السلام والديمقراطية. التحول الحزبي للمرأة يعني تنظيم جوهر المرأة التي أبدتها في أجواء الحرب الساخنة، بكل تضحية وجسارة وشجاعة، وعكسها على كافة مجالات الحياة في القرن الجديد.
تأسيس الحزب
تأسس حزب المرأة المعالج حسب الإطار الأيديولوجي، في المؤتمر الوطني الثاني للمرأة، المنعقد في شهر آذار عام 1999، وأطلق عليه اسم حزب المرأة العاملة الكردستانية PJKK وأوضح أهدافه وأسسه التنظيمية من خلال برنامجه ونظامه الداخلي، وباشر بحياته النضالية الجديدة ارتكازاً إلى الميراث الغني المتمخض عن المسيرة النضالية الطويلة السابقة له. هكذا انتقل نضال حرية المرأة إلى مرحلة جديدة وهي التحول الحزبي PJKK . هو أول حزب للمرأة امتلك التطبيق في الواقع العملي طيلة تاريخها المديد.
بتأسيس حزب المرأة العاملة الكردستانية وحزب المرأة الحرة PJKK و PJA تم الوصول إلى مستوى التحزب. ولأجل توحيد الحركة مع الساحة الاجتماعية، اتخذ قرار تأسيس حزب حرية المرأة الكردستانية (PAJK ) وبهدف تنظيم المرأة في ساحة الدفاع المشروع لمجابهة ومحاربة ظاهرة قتل المرأة، قرراً القيام ببناء وحدات المرأة الحرة ـ ستار ( YJA STAR ) لأجل تطوير حق الدفاع الذاتي.
وفي الساحة الاجتماعية والسياسية؛ تم البدء بالتحضيرات اللازمة لتأسيس وحدة المرأة الحرة ( YJA) التي تهدف إلى خلق أرضية واسعة تعتمد على تنظيم القاعدة وإدارة نفسها بنفسها، وتتضمن وحدة و تضمان كافة الفئات النسائية. لقد أظهرت حركة تحرير المرأة مستوى عال من التطور الذي يساوي قيمة ثورة اجتماعية عظيمة. والتقت الإقطاعية بالانهيار والانحلال وجها لوجه. وللمرأة دور بارز في تغيير المجتمع الكردي اجتماعياً وذهنياً. والنجاح في عملية تجاوز البنية الاجتماعية المشتتة وتطوير مرحلة التحول الديمقراطي مرتبط عن قرب بالمستوى المكتسب من حرية المرأة. والتطورات التي حلت بالساحة الاجتماعية كانت تتغذى من تطور نضال حركة تحرير المرأة.
سرايا المرأة الحرة YJA Star
يلعب هذا التنظيم دوراً فعالاً ويحافظ على وجوده الأيديولوجي والسياسي، وعلى هذا الأساس قد نظم تجمع النساء الساميات في هذه الساحة وتحت ظل وحدات المرأة الحرة ستار. ومن جانب آخر الدور الذي يقع على عاتق وحدات المرأة الحرة؛ هو فتح السبيل أمام الكفاح الديمقراطي في حال انسداده وتعرضه لبعض المآزق والظروف الصعبة والحرجة، والمعنى من الواجبات الأساسية لهذه الوحدات، رفع الحصار والضغط الذي تواجه المرأة في المجتمع، وتجابه القتل الذي يطبق بحق المرأة، وتضييق الخناق على شدة وتحكم ذهنية المجتمع الأبوي، عن طريق تنظيم قوتها على الأرضية الاجتماعية تحت اسم قوات الدفاع الذاتي أو الجوهري.
حيث أن الساحة التي تطبق فيها خط الدفاع المشروع؛ هي من أكثر الساحات التي تجابه ضد النظام الأبوي، وهي الساحة العملية بالنسبة للمرأة ومفهومها النضالي. وهنا؛ نجد بأن وحدات المرأة الحرة تهدف إلى تجاوز وإنهاء أسس المجتمع الجنسي في محور هذا الخط، ولأجل تحقيق هذا الهدف، يجب مداخلة النقاط المسدودة في سبيل كفاح التحول الديمقراطي ضمن إطار الدفاع المشروع بشكل قوي وبعزم كبير.
يؤكد القائد عبد الله أوجلان مدى أهمية السير على خط الدفاع المشروع، ويعتبره كمبدأ أساسي بالنسبة لحياته ولحماية قيم كفاحنا التحرري. وباعتبار أن ساحة الجيش هي من أقدم ساحاتنا النضالية، فقد بدأ تنظيم المرأة في هذه الساحة، وقد تجذّر وتعمّق بشكل قوي، ولأجل أن تستعمل المرأة حقها في الدفاع المشروع بشكل مؤثر وفعال، نظمت نفسها على شكل قوات الدفاع الذاتي على جغرافية كردستان.
