المرأة السّورية.. من الإقصاء إلى صناعة المستقبل – منى يوسف

 

 

المرأة السّورية.. من الإقصاء إلى صناعة المستقبل

 

“يُمثّل مجلسُ المرأة السّورية النموذج الأكثر تطوّرًا للوعي النسوي

 الثوري في المشهد السّوري،

فهو لم يعُد يُطالب بمساحتهِ بل يصنعها،

 ولم يعُدْ ينتظر دوره بل يرسمُ مساره السياسي بثبات،

 ويؤكّد عمليًّا أنّ تحررَ المرأةِ ليس نتيجةً تكميليةً لتغيّر الوطن،

 بل هو الشّرط الجوهري لنهضتهِ الحقيقية”

منى يوسف

لم يولد مجلس المرأة السّورية من فراغٍ، بل كان وليدًا لضرورةٍ فرضتها ظروفٌ قاسية مع انطلاق الشرارة الأولى للثورة السورية في عام 2011. ففي تلك المرحلة العاصفة وجدتْ المرأة السّورية نفسها في قلب المشهد، حيث كانت الضحية الأولى للقصف والاعتقال والتعذيب، وكانت الحامية للبيت والأسرة في ظلِّ غياب المعيل، ناهيك عن أنّها تحمّلت أعباء النزوح والفقر وخاصّةً في المخيمات وما رافقها من مجازر وانتهاكات ارتكبتها الجماعات المسلّحة بحقها، مع غياب حكومةٍ عادلة وحقيقية تدافع عنها.

ففي خضمِّ الفوضى والدّمار برزت الحاجة لتطوير مجلسٍ نسوي ليكون إطارًا تنظيميًّا قادرًا على توحيد صوت النساء السوريات من جميع المكونات والشرائح. هكذا في خريف عام 2017، عُقد المؤتمر التأسيسي في مدينة منبج بحضور أكثر من 200 امرأة من جميع المحافظات السورية. حيث أصبح سقفًا جامعًا يُنظّم تنظيمات وحركات وجمعيّات نسويّة ومثقّفات, سياسيات, ناشطات, ممثّلات أحزاب سياسية من مختلف الخلفيّات، متحدياتٍ بذلك ليس الأنظمة السلطوية الحاكمة فقط – التي أقصت المرأة من مواطن صنع القرار- بل أيضًا التقاليد الذكوريّة التي حاولت حصرها في أدوار تقليدية. لم يكن المسار خطًّا سهلًا بل كان متعرّجًا مليئًا بالتحدّيات في ظلِّ الأزمة المعقّدة في سوريا، والذهنية المجتمعيّة والتدخلات الخارجية. بالمقابل كان للمجلس إنجازاتٌ عظيمةٌ شملت جميع النساء في سوريا من مختلف المكونات والطوائف والمعتقدات.

ركّز المجلس منذ تأسيسه على بناء تحالفاتٍ مع منظّماتٍ وحركاتٍ نسويّة – من مختلف الجغرافية السورية – تؤمن وتدافع عن حقوق المرأة، فطوّر المجلس أهدافه ورؤيته بما يتناسب مع الوضع السوري المعقّد، وحدد مطالب المرأة السورية بوضوح كضمان تمثيل عادل يليق بنضال المرأة ومكانتها في المجتمع، وإلغاء جميع القوانين التمييزية ضدّها، ورفع كل أشكال العنف الممارس بحقّها، وبناء مجتمعٍ ديمقراطي إيكولوجي يتمتّع فيه الجميع بالحريّة والعدالة والمساواة في دولةٍ سوريةٍ مدنيّة ديمقراطية لا مركزية. كما حرص المجلس على أنّ أيَّ عملٍ سياسي يجب أن يؤدّي إلى إقامة دولة تقوم على مبدأ المواطنة الكاملة، وتكون فيها السيادة للقانون وحده.

يرى المجلس أنّ تحرر المرأة لا يكتمل إلا في ظلِّ دولةٍ مدنيةٍ تحظر استخدام الدين والطائفية والعرف كأدواتٍ للسيطرة والتمييز، وطالب بتطبيق العدالة الانتقالية، ومحاسبة القائمين على الجرائم وخاصّةً الموجهة ضدَّ النساء، وعمل على ترسيخ وجود المرأة في مراكز صنع القرار ومفاوضات السلام.

لهذا؛ طوّر المجلس منظومة توعوية للنساء السوريات من خلال دوراتٍ في القيادة السياسية ومهاراتِ التفاوض، وقدّم مجموعةً من الفعاليّات التي ركّزت بشكلٍ أساسي على أهمية مشاركة المرأة في الدستور والتمثيل السياسي. تشمل هذه الفعاليّات تنظيم ورش عمل ومحاضرات تثقيفية حول حقوقها القانونية، ومحاضرات عن نبذ خطاب الكراهية والعيش المشترك، وعن العنف وأسبابه وتداعياته، وتقديم الحلول للقضاء على العنف والمعاهدات والاتفاقيات والقرارات التي تخصُّ المرأة، وعن مفهوم العدالة الانتقالية وأهمية تطبيقها في السياق السوري. ناهيك عن أنّ المجلس ركّز في فعالياته على توعية نساء الأرياف، لذا قام بإعطاء مئات المحاضرات بهدف رفع مستوى الوعي لديهن.

كما قدّم الدّعم المعنوي والتدريب والتأهيل للنساء في المخيمات، لدمج النساء النازحات في المخيمات ومراكز الإيواء مع المجتمع، وجمع البيانات والإحصاءات لهنَّ بهدف تقديمها للجهات القانونية، كما قامَ المجلس بأنشطةٍ لبناء قدرات النساء وخاصةً الفئة الشابّة. أيضًا عمل المجلس على إقامة جلساتٍ حوارية وتشاركيّة في جميع المحافظات السورية وخصوصًا في دمشق، ذلك لبناء شبكات دعم وتبادل الخبرات. في إطار تطوير سياسة المجلس شرّع مجلس المرأة السورية لإعداد عقدٍ اجتماعي يستهدف جميع النساء السوريات، وقد تمَّ الانتهاء من صياغة مسودة أوليّة تعالج القضايا الأساسية المتعلّقة بحقوق المرأة ودورها في المجتمع.

يواصلُ المجلسُ العمل على تطوير هذه المسودة بالتشاور مع مختلف الفئات النسائيّة لضمان شموليتها، وتمثيلها الحقيقي لتطلّعات النساء. كما يسعى لعقد مؤتمر الحوار الوطني النسوي السوري الجامع لطرح أولويات المرأة في سوريا بعد سقوط النظام البعثي البائد.

إلى ذلك؛ واجهت المرأة السورية في عام 2025 مشهدًا معقّدًا يجمع بين بوادر التقدّم وتعمّق التحديات. ففي المناطق التي تُسيطر عليها الحكومة المؤقّتة ما تزال المرأة تعيش واقعًا سياسيًا يقيّد حضورها ويُضعف تأثيرها، إذ بقي تمثيلها في المجلس التشريعي محدودًا. نسبة نتائج الانتخابات في مجلس الشعب جاءت صادمة وغير منسجمة مع مكانة المرأة أو حجم نضالها منذ اندلاع الثورة، حيث لم تفز سوى ست نساء من أصل 119 مقعدًا منتخبًا، بنسبة لا تتجاوز 4%، وهو رقم لا يليق بتضحياتها ولا بدورها الريادي. حتى داخل مؤسسات الحكومة نفسها، ما تزال المناصب الممنوحة للنساء ذات طابع شكلي، لا يعبّر حقيقةً عن إرادة المرأة ولا عن قدرتها الفعليّة على صنع القرار.

كما واجهت المرأة واقعًا اقتصاديًا شديد القسوة، إذ يعيش أكثر من 90% من السوريين تحت خط الفقر، وتتحمّل النساء الحصّة الأكبر من هذا العبء بوصفهن معيلات لأسرٍ فقدت معيلها. هذا الفقر المتفاقم أسهم في ارتفاع معدّلات العنف القائم على النوع الاجتماعي، وتزايد حالات زواج القاصرات وعمالة الأطفال، إلى جانب اتساع نطاق الانتهاكات التي تطال النساء.

على المستوى المجتمعي ما تزال المعايير التقليدية الصّارمة تضغط على حياة المرأة وتحدّ من حريتها، فيما تستمر الانتهاكات الخطيرة داخل المناطق الخاضعة للحكومة الانتقالية. فقد قُتلت أكثر من 635 امرأة خلال النصف الأول من عام 2025، إضافةً إلى تزايد حالات الاختطاف القسري في المناطق التي شهدت مجازر مثل اللاذقية والسويداء والشيخ مقصود والأشرفية. ناهيك عن القوانين المقيّدة لحرية النساء، مثل فرض أنماط محددة من اللباس الشرعي، إلى جانب الخطاب الحكومي الذي يربط دور المرأة بتفسيرات متشددة للشرعية الدينية، ويقصرها على الدور النمطي داخل الأسرة فقط.

أمّا في مناطق شمال وشرق سوريا استطاعت المرأة أن تخطو خطوات إيجابية ملموسة، مع استمرار النموذج الناجح وتعزيز مكتسبات المرأة وحمايتها، ومواصلة النضال لتعميم هذه التجربة على جميع المناطق السورية، عن طريق حملات التوعية التي يقودها مجلس المرأة السورية وخطواته الإيجابية الملموسة على الساحة السورية نحو مجتمعٍ أكثر عدالة ومساواة.

رغم الضغوط الشديدة والعزلة السياسية التي تحاول الحكومة المؤقّتة فرضها على مناطق شمال وشرق سوريا، أثبتت المرأة أنّ الحرية ليست هبةً تمنحها الحكومات، بل هي حقٌ تكافح من أجله وتناضل من أجل تحقيقه. قد تتباطأ الخطوات أحيانًا تحت ثقل التحدّيات، إلا أنّ المسيرة لا تتوقف، فالمرأة في شمال وشرق سوريا والتي حملت السلاح دفاعًا عن أرضها، تحمل اليوم مسؤولية بناء سوريا الجديدة، وتبرهن كلَّ يوم أنّ قوّة الإرادة قادرةٌ على أن تبني مجتمعًا أخلاقيًا، سياسيًا، ديمقراطيًا، يضمن لجميع أبنائه العدالة والمساواة.

في الختام يُمثّل مجلس المرأة السورية النموذج الأكثر تطوّرًا للوعي النسوي الثوري في المشهد السوري، فهو لم يعد يطالب بمساحته بل يصنعها، ولم يعد ينتظر دوره بل يرسم مساره السياسي بثباتٍ ووضوح، ويؤكّد عمليًّا أنّ تحرر المرأة ليس نتيجةً تكميليّة لتغيّر الوطن، بل هو الشرط الجوهري لنهضته الحقيقية. إن هذا التحول لم يأت من فراغ، بل هو حصيلة تراكم طويل من النضال والمعرفة والتجربة، حيث استطاعت المرأة السورية أن تعيد تعريف دورها بعيدًا عن القوالب التقليدية، وأن تفرض حضورها كقوة فكرية وسياسية واجتماعية قادرة على التأثير وصنع القرار.

إنّ مستقبل سوريا الذي يتشكّل الآن بين أنقاض الحرب والصراعات السياسية لن يكون آمنًا ولا مزدهرًا إلا إذا حمل في دستوره، وقوانينه، وسياسته روح المرأة السورية. تلك المرأة التي رفضت أن تُختزل في دور الضحيّة، واختارت أن تكون قوةً فاعلةً تصنع مسارها بوعيٍ وإرادة. فالمرأة السورية لم تقبل أن تبقى رقمًا هامشيًا في معادلة الصراع، بل ابتكرت معادلةً جديدةً تجعلها شريكًا في بناء الوطن وصون مستقبله.

من هنا، فإن الدور الذي تؤديه المرأة السورية اليوم يتجاوز حدود المطالب الحقوقية ليصل إلى إعادة صياغة البنية المجتمعية نفسها، عبر نشر ثقافة المساواة، وتعزيز قيم الحوار، وبناء جسور الثقة بين مكونات المجتمع المختلفة. إنها لا تسعى فقط إلى تغيير واقعها، بل إلى إحداث تحول عميق في الوعي الجمعي، يرسخ مفاهيم الحرية والديمقراطية والعدالة كقيم أساسية لا يمكن التنازل عنها.