المرأة ودورها في التحوّل السّياسي والاجتماعي في سوريا – حورية شمدين
المرأة ودورها في التحوّل السّياسي والاجتماعي في سوريا

“إنّ مستقبل المجتمع مرتبطٌ بشكلٍ وثيقٍ بقدرة المرأة
على التحرر من القيود التي فُرضت عليها عبر التاريخ،
فكلُّ خطوةٍ تتقدّم فيها المرأةُ نحو الحريّة
تفتحُ آفاقًا أوسع لمجتمعٍ ديمقراطيٍّ متوازنٍ وعادل”
حورية شمدين
المشهد السياسي والأوضاع الأمنيّة المتسارعة في المنطقة تبقى مرهونةً بصورةٍ مباشرةٍ بواقع المرأة ودورها داخل المجتمع، فكلُّ خطوةٍ يتّخذها المجتمع نحو الانفتاح السياسي والثقافي تفتح الباب أمام إمكانيّة التخلّص من الذهنيّة الذكوريّة القمعيّة التي طالما قيّدت حريّة المرأة، رغم أنّ هذه الحرية تشكّل الأساس الحقيقي لحرية المجتمع ككل. في الوقت ذاته، كلّما تعاظم هذا الانفتاح زاد الضغط على المرأة في مسار نضالها لإثبات حضورها وتقوية إرادتها، والوقوف في وجه التحدّيات المتجذّرة في العادات والتقاليد، والثقافة الموروثة من عقليةٍ ذكوريةٍ سلطوية ما زالت تتحكم ببنى المجتمع، وتعيد إنتاج ذاتها بأشكالٍ مختلفة.
يُعدُّ تغيير عقلية الرجل والعائلة أحدَ أكبر التحدّيات، باعتبارهما نواة المجتمع الأساسية، فإعادة بناء الوعي المجتمعي لا تقتصر على تحرير المرأة وحدها، بل تستهدف تفكيك منظومةٍ فكريةٍ كاملةٍ أنتجت التمييز والتهميش. من هنا؛ يفتح هذا التحوّل الطريق أمام ظهور امرأة جديدةٍ ورجلٍ جديد وعائلةٍ جديدة، ما يتيح إمكانيّة تأسيس قاعدة متينة لمجتمعٍ ديمقراطي حر وقوي قائم على الشراكة والمسؤولية الجماعية.
منذ انطلاق ثورة روج آفا، والتي باتت تُعرف عالميًّا باسم “ثورة المرأة”، برز الدور المحوري للمرأة في السياسة والاقتصاد والمجال العسكري. فقد أثبتت النساء قدرتهن على القيادة من خلال مشروع الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة، ونظام الرئاسة المشتركة. هذا ما منح وجود المرأة بُعدًا جديدًا تجاوز الأُطر الشكليّة نحو المشاركة الفعليّة في صنع القرار، وأعاد تعريف مفهوم السلطة من منظورٍ ديمقراطي تشاركي.
كما نظّمت المرأة نفسها عسكريًا للدفاع عن مجتمعها، وأظهرت شجاعةً وانضباطًا لافتين، مؤكدةً أنّ الدفاع الذاتي ليس فعلًا عسكريًا فحسب، بل وعي سياسي وأخلاقي مرتبط بحماية المجتمع. إلا أنّ هذا الظهور القوي ترافق مع حملات استهدافٍ ممنهجة عبر التهديد والتشهير، وغالبًا بدعمٍ من الذهنيّة العشائرية والتقاليد الاجتماعية التي ما زالت تسعى إلى كسر وقمع إرادة المرأة وإعادتها إلى الأدوار النمطيّة. على نحوٍ موازٍ، لم تتمكن بعض النساء من التحرر الكامل من العادات المكتسبة من العقلية الذكورية السلطوية، والتي تُمارس أحيانًا على نساءٍ أخريات، ما يعكس عمق التأثير على البنى الاجتماعية المتوارثة.
جذور الهيمنة الذكوريّة.. قراءةٌ في التاريخ
المرأة لم تكن يومًا طرفًا ثانويًا في تاريخ البشرية، بل كانت منبع الحياة واستمراريتها، وحولها تشكّل المجتمع الأول. جسّدت الآلهة الأنثى خصبها وعطاءها وتنظيمها، وأسست المرأة البيت وربّتْ الأطفال وأمّنت الاحتياجات الأساسية، وكان المجتمع كلُّه يدور حولها. بينما كان الرجل صيادًا في الخارج، استحوز لاحقًا على منجزاتها ونسب ابتكاراتها لنفسه، رغم أنّها وضعت أسس الزراعة والإنتاج والتواصل، وأدارت شؤون الجماعة لآلاف السنين، حتى وصلت إلى مكانة القداسة في تاريخ البشرية.
إنّ الأيديولوجيا المرتبطة بتحرر المرأة لم تكن يومًا مسألةً بسيطة، فلنيلها مكانتها الحقيقية احتاجت إلى نضالٍ طويل وإرادةٍ صلبة. يُعدُ اضطهاد المرأة بداية حلقات عبودية الإنسان، ومن هذا الاضطهاد ولِد النظام الذكوري الذي رسّخ هيمنته في البُنى الاجتماعية والسياسية والدينية، ويُعدُّ هذا النظام أحد أقدم وأكثر أشكال الظلم في التاريخ، حيث تطوّر منذ الحضارات الأولى في ميزوبوتاميا وسومر، مرورًا بعصور السلاطين والملوك، وصولًا إلى الدولة الحديثة التي أعادت إنتاج الهيمنة بأدواتٍ قانونية واقتصادية وإعلاميّة.
مع صعود النظام الرأسمالي تعمّق استغلال المرأة أكثر، إذ تحوّل جسدها ووجودها إلى سلعةٍ في السوق، وأصبحت من أكثر الفئات تعرّضًا للانتهاك والاستغلال الممنهج. من هنا، لا يُمكن لأيِّ مجتمعٍ أن ينشد الحرية والعدالة والديمقراطية ما لم تتحرر المرأة من القوالب الذكورية التقليدية، فالمساواة بين الرجل والمرأة ليست مطلبًا ثانويًا، بل إنّها شرط أساسي لتحقيق السلم المجتمعي واستقرار العلاقات الإنسانية.
تأتي أهمية تنظيم المرأة لنفسها ونضالها باعتبارها ضرورة تاريخية لتفكيك جذور الهيمنة الذكورية، وبناء نظامٍ اجتماعي جديد يُتيح للمرأة دورًا قياديًا وفعّالًا. فالمرأة ليست نصف المجتمع فحسب، بل قوة تغيير مستقبلية في السياسة والاقتصاد والثقافة، ومشاركتها عنصر لا غنى عنه في بناء مجتمعٍ عادل ومتوازن.
واقع المرأة في الداخل السوري.. استمرار المعاناة وتفاقم الانتهاكات
ما زال وضع المرأة في الداخل السوري مرتبطًا بتاريخٍ طويلٍ من الانكسارات التي فرضتها الذهنية الذكورية السلطوية والرأسمالية، فما زالت المرأة تُستخدم كوسيلةٍ للضغط خلال الحروب والصراعات، وتُستهدف بشكلٍ مباشر لكسر إرادة المجتمع. فالمرأة – أمًا وأختًا وزوجة وابنة – تواجه محاولاتٍ متواصلة لطمس هوية المجتمعات عبر التعدّي عليها جسديًا ونفسيًا واجتماعيًا.
رغم مرور أكثر من عامٍ على سقوط حزب البعث البائد، لم يطرأ أيّ تغيير جوهري يحفظ حقوق المرأة، ولم تُسنْ قوانين عادلة تحميها ضمن دستورٍ منصف، بل على العكس، شهد عام 2025 موجةً واسعةً من الانتهاكات على يد الحكومة الانتقالية، وكان أبرزها ما تعرّضت له النساء العلويات والدرزيات والكرديات من قتلٍ وتشريدٍ وتهجيرٍ قسري، إضافةً إلى قتل أطفالهن أمام أعينهن، في ممارساتٍ تهدف إلى تجريد المرأة من إنسانيتها وكسر دورها المجتمعي. كما أنّ استمرار غياب العدالة والمساءلة يعمّق معاناة النّساء، ويكرّس دائرة العنف والتمييز، ويؤخّر أيّ أملٍ حقيقي بالتغيير.
شمال وشرق سوريا.. نموذجٌ جديدٌ للتحرر التنظيمي
رغم الصعوبات، استطاعت النساء في شمال وشرق سوريا تحقيق مستوى متقدّم من الإرادة والتنظيم، ما أسهم في بلورة مفهومٍ جديدٍ لتحرّر المرأة على المستويين المحلي والعالمي. فقد نالت المرأة مكانتها في الأحزاب السياسية والمؤسسات المجتمعية، وشاركت في صياغة القوانين والمطالبة بحقوقها ضمن إطارٍ دستوري وقانوني منسجم مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
كان لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) ومجلس المرأة ضمن الحزب دور رائد في هذا المسار، إذ نظّمت المرأة نفسها سياسيًا وأيديولوجيًا وفكريًا، وعززت هويتها السياسية عبر برامج توعية وتدريب شملت لغات ومكونات متعددة، إضافةً إلى حملاتٍ تنظيمية تناولت الواقع السياسي ومخاطر الحرب الخاصّة وأساليب استهداف النساء.
كما كانت المرأة في طليعة مقاومة سدّ تشرين، وقدّمت شهيداتٍ رياديات – أبرزهن الشهيدة منيجة حيدر- جسّدن نموذجًا متقدّمًا للتضحية والالتزام الثوري. على صعيد العمل المجتمعي، شكّلت حملة مناهضة العنف ضدَّ المرأة إحدى أبرز الفعاليّات المنظّمة، وامتدت إلى جميع المقاطعات والبلدات والقرى، مؤكدةً أنّ النضال ضدّ العنف جزءٌ لا يتجزأ من بناء مجتمعٍ ديمقراطي سليم.
في خِضَمِّ هذا التحوّل، تبرز أهمية الثقافة والتعليم كأداتين مركزيتين في ترسيخ دور المرأة وصناعة الوعي الجمعي. فالمعركة الحقيقية لا تقتصر على ميادين السياسة أو ساحات المواجهة، بل تمتد إلى العقول والذاكرة المجتمعية التي ما زالت مثقلةً بصورٍ نمطيّة تقلل من قيمة المرأة وقدرتها. من هنا، يُشكّل الاستثمار في التعليم التحرري والإعلام المسؤول والفن الملتزم خطوةً أساسية لإعادة تعريف دور المرأة بوصفها فاعلًا تاريخيًا لا تابعًا.
إنّ قراءة واقع المرأة في المنطقة تُظهر بوضوحٍ أنّ نضالها ليس حركةً عابرة، بل مسار تاريخي طويل يستمدُّ قوّته من الوعي والتنظيم والإرادة الحرّة. رغم شدّة التحدّيات، أثبتت المرأة قدرتها على القيادة والمبادرة وتحويل المعاناة إلى قوّة تغيير. إنّ مستقبل المجتمع مرتبطٌ بشكلٍ وثيق بقدرة المرأة على التحرر من القيود التاريخية، فكلُّ خطوةٍ تتقدم فيها المرأة نحو الحرية، تفتح آفاقًا أوسع لمجتمعٍ ديمقراطي متوازنٍ وعادل، قائم على المساواة والحرية والوعي الإنساني المشترك.
المرأة السّورية بين الاستهداف والصّمود في ظلِّ التّحوّلات الرّاهنة
يشهد الواقع السّوري تحوّلاتٍ عميقة ومضطربة انعكست بشكلٍ مباشرٍ على مختلف فئات المجتمع، وكانت المرأة من أكثر الفئات تأثّرًا بهذه التحوّلات. لم تعد قضيّة المرأة مسألةً اجتماعيّة أو حقوقيّة فحسب، بل أصبحت جزءًا من صلب الصّراع السّياسي والعسكري، حيث تتقاطع فيها مظاهر الانتهاك مع أشكال المقاومة والصّمود.
تعرضت النّساء السّوريات خلال الفترة الأخيرة إلى مستوياتٍ متعددةٍ من الاستهداف شملت القتل والأسر، إضافةً إلى أشكالٍ غير موثّقة من العنف، ما يعكس حجم المعاناة التي غالبًا ما تبقى خارج دائرة الضّوء. هذا الواقع لا يمكن فصله عن طبيعة القوى المتصارعة، والتي تعكس في بنيتها ذهنيات تقليدية وسلطوية تُقصي المرأة وتحدُّ من دورها، سواء في المجال العام أو في مراكز اتّخاذ القرار.
في المقابل؛ برزت نماذج مقاومة نسائيّة تؤكّد حضور المرأة كقوةٍ فاعلةٍ، وليس كضحيّةٍ فقط. تعدُّ تجربة المقاومة في بعض المناطق مثالًا واضحًا على ذلك، حيث لعبت النساء دورًا بارزًا في الدّفاع والصّمود، وقدّمن تضحياتٍ كبيرة في سبيل الحفاظ على المجتمع. هذه النّماذج تعكس تحوّلًا مهمًّا في وعي المرأة بذاتها ودورها، رغم محاولات القمع والتّهميش المستمرة.
في المناطق التي تخضع لسلطة الحكومة المؤقّتة أو القوى المرتبطة بها يظهر تراجعٌ واضحٌ في تمثيل المرأة، حيث تسود أنماط حكمٍ تقليدية يغلب عليها الطابع الذكوري، ويتمُّ تهميش النّساء بشكلٍ منهجي، سواء عبر إقصائهن من الحياة السياسية أو حصر أدوارهنَّ ضمن قوالب اجتماعية ضيقة. كما يسهم انتشار الفكر المتشدد في تعزيز هذا التّهميش، من خلال فرض قيودٍ إضافية على حرية المرأة ومشاركتها في المجتمع.
يعكس موقف الحكومة المؤقّتة من قضايا المرأة – وخاصّةً عدمُ الاعترافِ بدورها في المجالات السّياسية والعسكرية – استمرارَ الذهنية الإقصائية التي تنظر إلى المرأة كعنصرٍ ثانوي رغم ما أثبتته من قدرةٍ على التّنظيم والتّأثير. هذا التّناقض بين الواقع الميداني والخطاب الرسمي يكشف عن فجوةٍ عميقةٍ في بنية النّظام الاجتماعي والسّياسي.
كما أنّ غياب الاحتفال باليوم العالمي للمرأة في بعض المناطق السّورية عام 2025 يعكس طبيعة المرحلة، حيث طغت أولويات الصّراع والأمن على القضايا الاجتماعية، وفي مقدّمتها قضيّة المرأة. إضافةً إلى ذلك، ساهمت التوجّهات الاقتصادية والسّياسية الجديدة في تراجع الاهتمام بتمكين النساء، ما أدى إلى مزيدٍ من التّهميش.
في المحصلة؛ يقف واقع المرأة السّورية اليوم عند مفترق طرقٍ بين مسارين متناقضين، الأول مسارٌ يسعى إلى ترسيخ دورها كشريكٍ أساسي في المجتمع، والآخر يعيد إنتاج الإقصاء والتّهميش. رغم التّحديات والانتهاكات لا تزال المرأة السّورية تُمثّل عنصرًا فاعلًا في معادلة التغيير، وقادرةً على لعب دورٍ محوريٍّ في بناء مستقبلٍ أكثر عدالة.
إنّ تحقيق تحوّلٍ حقيقيٍّ في سوريا يظلُّ مرتبطًا بمدى إنصاف المرأة وتمكينها، ليس فقط على المستوى القانوني، بل أيضًا على المستوى الاجتماعي والثقافي. فبدون مشاركةٍ حقيقيةٍ للمرأة، لن يكون بالإمكان بناء مجتمعٍ ديمقراطيٍّ مستقرٍ يعكس تطلعات جميع أفراده. يمكن أيضًا التّأكيد على أنّ تعزيز دور المرأة في هذه المرحلة يتطلّب دعمًا حقيقيًا من المؤسسات والمجتمع، بما يضمن مشاركتها الفاعلة في صنع القرار، ويعزز حضورها كعنصرٍ أساسيٍّ في إعادة بناء سوريا مستقبلًا.
