المرأة في شمال وشرق سوريا من الهامش إلى إعادة تشكيل المجتمع – روناهي حسن
المرأة في شمال وشرق سوريا من الهامش إلى إعادة تشكيل المجتمع

“تجربةُ المرأة في شمال وشرق سوريا تُمثّل واحدةً من أهمِّ
التّجارب الاجتماعيّة والسّياسيّة في المنطقة خلال
السّنوات الأخيرة، حيثُ لم تقتصر على تمكين المرأة
بالمعنى التّقليدي،
بل سعتْ إلى إعادة تشكيلِ المجتمع نفسه من خلال
تعزيز المشاركة والمساواة والدّيمقراطيّة المجتمعيّة“
روناهي حسن
خلال السّنوات الأخيرة، برزت منطقة شمال وشرق سوريا بوصفها واحدةً من أكثر المناطق التي شهدت تحوّلاتٍ اجتماعية وسياسية عميقة في سياق الصّراع السّوري، حيث لم تكن هذه التحوّلات سطحيّة أو مؤقّتة، بل جاءت نتيجة تراكماتٍ من التغيّرات البنيويّة التي مسّت مختلف جوانب الحياة. لم تقتصر هذه التحوّلات على البنية السياسية أو العسكرية، بل امتدّت لتشمل إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية وبنية المجتمع نفسه، بما في ذلك أنماط التّفكير، والأدوار الاجتماعية، والعلاقات بين الأفراد. في قلب هذه التحوّلات برزت قضيّة المرأة كأحد أهمِّ محاور التغيير الاجتماعي، حيث تحوّلت المرأة من موقع الهامش الذي لطالما وُضعت فيه إلى موقع الفاعل الأساسي في إعادة بناء المجتمع ومؤسساته.
إنّ تجربة المرأة في شمال وشرق سوريا لا يمكن فهمها فقط ضمن إطار تمكين المرأة بالمعنى التقليدي، أي زيادة مشاركتها في العمل أو السّياسة أو منحها بعض الحقوق الشّكليّة، بل يجب النظر إليها بوصفها مشروعًا اجتماعيًا وسياسيًا متكاملًا يسعى إلى إعادة تعريف مفاهيم السّلطة والمجتمع والدّيمقراطيّة. هذا المشروع يقوم على الرّبط بين تحرر المرأة وتحرر المجتمع ككل، بحيث لا يمكن تحقيق أحدهما دون الآخر. بهذا المعنى؛ لم تعد قضيّة المرأة قضيّة فئةٍ اجتماعيةٍ محددةٍ أو مطلبًا حقوقيًا محدودًا، بل أصبحت مدخلًا لإعادة بناء المجتمع على أسسٍ جديدة أكثر عدالةً وتوازنًا، حيث يتمُّ النّظر إلى المرأة بوصفها شريكًا كاملًا في صياغة المستقبل.
أحد أهمِّ عناصر هذه التجربة يتمثّل في تطوّر التّنظيم النّسوي المؤسسي، حيث لم تقتصر الحركة النسويّة في شمال وشرق سوريا على النشاط الاجتماعي أو الحقوقي التقليدي، بل اتجهت نحو بناء مؤسساتٍ وتنظيماتٍ نسائيّة مستقلّة تعمل في مجالات متعددة، مثل التعليم والعمل المجتمعي والسياسة والاقتصاد وحلِّ النزاعات. هذه التنظيمات لم تكن مجرّد هياكل شكليّة، بل لعبت دورًا فعليًّا في خلق مساحةٍ اجتماعية وسياسية جديدة للنساء، مكّنتهن من المشاركة الفعليّة في إدارة المجتمع وصنع القرار، وساهمت في تعزيز ثقة النساء بأنفسهن وقدرتهن على التأثير.
كما لعبت هذه التنظيمات دورًا مهمًّا في رفع الوعي المجتمعي حول قضايا المرأة، ليس فقط بين النساء، بل أيضًا داخل المجتمع بشكلٍ عام من خلال الندوات والدورات التدريبية والبرامج التثقيفية المختلفة. ساعد ذلك في إحداث تحوّلٍ تدريجي في النظرة التقليدية لدور المرأة، خاصّةً في المجتمعات التي كانت تقوم على بنى اجتماعية محافظة، حيث بدأت تتغير المفاهيم المرتبطة بدور المرأة ومكانتها، وأصبح من الممكن تقبّلُ مشاركتها في مجالاتٍ كانت سابقًا حكرًا على الرجال.
من أبرز التّجارب التّنظيميّة في شمال وشرق سوريا اعتماد مبدأ “الرئاسة المشتركة”، الذي يقوم على تقاسم مواقع القيادة بين رجل وامرأة في مختلف المؤسسات. هذا المبدأ لا يمثّل مجرّد خطوة رمزيّة لتمثيل النّساء، بل يُشكّل آليةً عمليّةً لإعادة توزيع السّلطة ومنع احتكارها. كما يضمن مشاركة النساء في اتخاذ القرار بشكلٍ فعلي وليس شكلي. وقد ساهم هذا النموذج في تغيير طبيعة العمل المؤسساتي، حيث أصبح اتخاذ القرار يتمُّ بشكلٍ تشاركيٍّ أكثر، كما عزز ثقافة العمل الجماعي بدلًا من القيادة الفردية، وهو ما انعكس إيجابًا على أداء المؤسسات واستقرارها.
يمكن اعتبار هذا النموذج أحد أبرز التجارب الإدارية التي سعت إلى ربط الديمقراطية بالمساواة الجندرية بشكلٍ عملي داخل المؤسسات. حيث لم يعد الحديث عن المساواة مجرّد شعار، بل أصبح ممارسةً يوميّةً داخل بنية النظام الإداري. وقد ساعد ذلك في خلق توازنٍ داخل مراكز القرار، ومنح النساء فرصةً حقيقيةً للتأثير في السياسات العامّة، بدلًا من أن يكنّ مجرّد مشاركاتٍ هامشيّات.
تعتمد تجربة المرأة في شمال وشرق سوريا على إطارٍ فكري يرى أنّ اضطهاد المرأة هو أحد أقدم أشكال الهيمنة في التاريخ، وأنّ المجتمع لا يمكن أن يكون حرًّا أو ديمقراطيًّا ما دامت المرأة غير حرة. من هذا المنطلق يُطرح مفهوم “تحرير المرأة” ليس كهدفٍ اجتماعي منفصل، بل كشرطٍ أساسي لتحرير المجتمع بأسره. هذا الفهم العميق للعلاقة بين حرية المرأة وحرية المجتمع ساهم في إعادة صياغة الخطاب الاجتماعي والسياسي بطريقةٍ أكثر شمولًا.
في هذا السّياق ظهرت مقارباتٌ فكريّةٌ جديدة، مثل مفهوم “علم المرأة” الذي يسعى إلى إعادة قراءة التّاريخ والمعرفة من منظورٍ نسوي، في محاولةٍ لتصحيح السّرديات التّاريخية التي همّشت دور المرأة أو اختزلته في أدوارٍ ثانوية. هذا التوجّه لم يبقَ في إطار النظريّات، بل انعكس على المناهج التعليميّة والبرامج الثقافيّة التي تهدف إلى بناء وعي اجتماعي جديد قائم على المساواة والشّراكة، حيث يتمُّ تقديم المرأة كعنصرٍ فاعلٍ في التاريخ والمجتمع.
من الجوانب التي لفتت انتباه العالم في تجربة شمال وشرق سوريا مشاركة النساء في المجال العسكري. حيث شكّلت الوحدات النسائيّة العسكرية تحوّلًا كبيرًا في الصّورة النمطيّة للمرأة في مجتمعات الشّرق الأوسط. لم يكن هذا الدور عسكريًا فقط، بل كان له بُعدٌ رمزي وثقافي كبير، إذ ساهم في إعادة تعريف مفهوم القوّة ودور المرأة في المجتمع، وأظهر أنّ المرأة قادرةٌ على تحمل المسؤوليات في أصعب الظروف.
إلى جانب الدور العسكري لعبت النساء دورًا مهمًّا في الإدارة المحليّة، العمل المدني، الوساطة المجتمعية، حلِّ النزاعات المحليّة، وتعزيز السّلم الأهلي. هذه المشاركة أظهرت أنّ وجود المرأة في مواقع صنع القرار يساهم في تعزيز الاستقرار الاجتماعي، وتقليل النزاعات خاصّة على المستوى المحلّي، حيث تكون المرأة أكثر قربًا من تفاصيل الحياة اليومية للمجتمع وأكثر قدرة على فهم احتياجاته.
على المستوى القانوني شهدت مناطق شمال وشرق سوريا تطوراتٍ مهمّة فيما يتعلّق بحقوق المرأة، حيث تمَّ سنّ قوانين تهدف إلى الحدِّ من الممارسات التي تضرُّ بالنساء مثل الزواج القسري وزواج القاصرات وتعدد الزوجات. كما تمَّ إنشاء مؤسساتٍ مختصّة بقضايا المرأة والعنف الأسري، لتقديم الدّعم القانوني والاجتماعي والنفسي للنساء، والعمل على حمايتهن من الانتهاكات المختلفة.
لا يمكن النظر إلى هذه القوانين فقط بوصفها إصلاحاتٍ قانونيّة، بل هي جزءٌ من عمليةٍ أوسع تهدف إلى تغيير القيم الاجتماعية نفسها، وبناء مجتمعٍ يقوم على المساواة والعدالة الاجتماعية. رافقت هذه القوانين حملات توعية وبرامج تعليمية تهدف إلى تغيير الذهنيات الاجتماعية التقليدية تجاه دور المرأة، وهو ما ساهم في تعزيز قبول المجتمع لهذه التغيّرات بشكلٍ تدريجي.
التحدّيات التي تواجه التجربة
رغم التطوّرات التي تحققت لا تزال تجربة المرأة في شمال وشرق سوريا تواجه العديد من التحدّيات. أهم هذه التحديات هي العادات والتقاليد الاجتماعية التي لا تزال في بعض المناطق تعيق مشاركة المرأة بشكلٍ كاملٍ في الحياة العامّة، خاصّةً في المناطق الريفية أو المحافظة، حيث لا تزال بعض المفاهيم التقليدية تفرض قيودًا على دور المرأة. كما أنّ استمرار الصّراع في سوريا يشكّل تحديًا كبيرًا أمام استقرار المؤسسات واستمرار مشاريع التنمية الاجتماعية، حيث تؤثّر الأوضاع الأمنية والسياسية على قدرة هذه المؤسسات على العمل والتوسّع.
إضافةً إلى ذلك؛ تواجه هذه التجربة تحدياتٍ اقتصادية تتعلّق بضعف الموارد وفرص العمل، وهو ما يحدّ من قدرة النساء على تحقيق استقلالهن الاقتصادي بشكلٍ كامل. فضلًا عن ذلك؛ هناك تحدياتٌ سياسية مرتبطة بغياب الاعتراف الدولي الكامل بالإدارة الذاتية، مما يحدّ من إمكانيات تطوير المؤسسات وتوسيع التجربة، ويؤثّر على فرص التعاون الدولي والدعم الخارجي. كلُّ هذه العوامل تجعل من تجربة المرأة في شمال وشرق سوريا تجربةً معقّدةً تتداخل فيها النجاحات مع التحديات.
بناءً عليه يمكن القول بأنّ تجربة المرأة في شمال وشرق سوريا تمثل واحدةً من أهمِّ التجارب الاجتماعية والسياسية في المنطقة خلال السّنوات الأخيرة. حيث لم تقتصر على تمكين المرأة بالمعنى التقليدي، بل سعت إلى إعادة تشكيل المجتمع نفسه من خلال تعزيز المشاركة والمساواة والديمقراطيّة المجتمعيّة.
لقد أظهرت هذه التّجربة أنّ تمكين المرأة يمكن أن يكون مدخلًا لإعادة بناء المجتمع على أسسٍ أكثر عدالة وتوازنًا. رغم التّحديات السّياسية والاقتصادية والاجتماعية فإنّ هذه التّجربة تقدّم نموذجًا مهمًّا يمكن دراسته في سياق المجتمعات التي تمرُّ بمرحلة صراعٍ أو تحوّلٍ سياسي، حيث تلعب المرأة دورًا ليس فقط في المطالبة بالحقوق، بل في إعادة بناء المجتمع والدّولة والمؤسسات. كما تعكس هذه التّجربة إمكانيّة إحداث تغييرٍ عميقٍ في بنية المجتمع عندما يتمُّ الاستثمار في طاقات النساء وإشراكهن بشكلٍ فعلي.
من هذا المنظور؛ يمكن النّظر إلى تجربة المرأة في شمال وشرق سوريا بوصفها تجربة في إعادة تعريف العلاقة بين المرأة والمجتمع والسلطة، وفي البحث عن نموذجٍ اجتماعيٍّ أكثرَ عدالة وإنسانيّة يقوم على الشّراكة الحقيقية بين جميع مكونات المجتمع دون تمييز، ويؤسس لمستقبلٍ أكثر استقرارًا وتوازنًا.
