وضع المرأة في سوريا بين الماضي والحاضر – مركز أبحاث جنولوجي

 وضع المرأة في سوريا بين الماضي والحاضر

“إنّ المرأة السّورية رسمتْ خريطة التّغيير في بداية عام 2011،

 لتُحرّك عجلة التّاريخ،

 فأعلنتْ ثورة المرأة في شمال وشرق سوريا،

 لأنّها أدركتْ الخطرَ الكامنَ القادم عليها

من الأنظمة المهيمنة التي تتسم بأيديولوجية التّعصب الجّنسوي”

 

مركز أبحاث جنولوجي

المرأة عنصرٌ مهمٌّ في نهضة المجتمعات، إذ تسهم بجهودها وإرادتها في مختلف جوانب الحياة. وقد برهنت على قدرتها في تحقيق النّجاح رغم التّحديات، مما يعكس مكانتها وأهميتها في بناء مستقبلٍ أفضل. كما أنّ حضورها لا يقتصر على جانبٍ واحدٍ، بل يمتدُّ ليشمل الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، الأمر الذي يجعلها ركيزةً أساسيةً في أيِّ عملية تغييرٍ أو تطوّرٍ حقيقي داخل المجتمعات.

 المرأة عبر التّاريخ وحضارات ما قبل الميلاد كان لها دورٌ رياديٌّ في تطوّر المجتمع، ولكن مع ظهور الأيديولوجيات بذهنية القوة والعنف “الذهنية الأبوية السّلطوية” تحدد دور المرأة، فكانت أوضاع النساء في معظم الحضارات الهرمية محدودة نسبيًا. إذ لم يعد يُنظر إلى المرأة بوصفها شريكًا متكاملًا، بل جرى حصرها ضمن أدوار محددة تخدم البنية السّلطوية للمجتمع.

ففي أغلب الإمبراطوريات، وفي مجتمعات الشّرق، كان دور المرأة غالبًا يقتصر على رعاية الأسرة والاهتمام بالمنزل، ولم يكن يُسمح لها بالمشاركة الواسعة في السياسة، إلا في حالاتٍ نادرة جدًا، وكانت السّلطة بيد الرجال في الغالب. مع ذلك، لا يمكن إغفال أنّ هذا التقييد لم يلغِ قدرة المرأة على التأثير، بل دفعها أحيانًا إلى إيجاد طرقٍ غير مباشرة للحضور والتأثير داخل المجتمع.

لكن هناك الكثير من النساء كسروا هذه القاعدة ومن ضمنهم زنوبيا، وهي واحدةٌ من أشهر ملكات التاريخ القديم. حكمت مدينة تدمر في القرن الثالث الميلادي، واشتهرت بقوّتها وطموحها السياسي. زنوبيا امرأةٌ سورية مثل الكثير من النّساء اللواتي تمَّ تهميشهنَّ وإخفاء قدراتهن، لكنّها استطاعت أن تثبت أنّ المرأة قادرةٌ على تجاوز القيود المفروضة عليها.

سُطِّر اسمها في صفحات التاريخ. ثارت ضد أقوى إمبراطورية عرفها العالم، وحكمت إمبراطورية تدمر (في سوريا الحالية) في القرن الثالث الميلادي. كانت قائدةً عسكرية فذّة، ومثقفة تتقن لغاتٍ عدّة منها العربية واليونانية والمصرية. أنجزت الكثير، حيث وسّعت حدود مملكتها بشكلٍ كبير، فسيطرت على مناطق واسعة من الشّرق، بما في ذلك مصر وأجزاء من آسيا الصغرى، وهو ما يعكس قدرتها القيادية والاستراتيجية.

أسست ما يعرف بـ”الإمبراطورية التدمرية”، ثمَّ أصبحت هذه الملكة التدمرية تجسّد المرأة الشّجاعة، وتضيف إليها قدرًا كبيرًا من صفات الذكاء والإقدام والقدرة على تولي مقاليد الحكم. خُلّد اسمها في الأدب والتاريخ باعتبارها قائدة تحدّت واحدة من أعظم الإمبراطوريات في العالم. إنّ قصّتها ليست مجرّد حدثٍ تاريخي، بل هي مكانة وجود لقيادة المرأة، ودليل على أنّ المرأة كانت ولا تزال قادرة على لعب أدوار محورية في التاريخ.

غير أنّ تكرار هذه التجربة القيادية في التاريخ تقلّص مع تعمّق الذهنية الذكورية في مراحل تطوّر الحضارات، وتولّد ذلك بشكلٍ واضحٍ في العهد العثماني في الشّرق الأوسط عامّةً وسوريا خاصّةً، حيث ترسّخت أنماطٌ اجتماعيةٌ تقليديةٌ أعادت المرأة إلى أدوار أكثر محدودية.

كان للمرأة السّورية دورٌ جامدٌ، فقد عاشت في ظلِّ نظامٍ اجتماعيٍّ تقليدي تحكمه العادات والتقاليد، إلى جانب القوانين المستمدّة من الشّريعة الإسلامية والتنظيمات العثمانية. كانت فرص التعليم محدودة جدًّا للنساء مقارنةً بالرجال، مما انعكس بشكلٍ مباشرٍ على قدرتها في المشاركة العامّة.

اقتصر تعليم معظمهنَّ على الأمور الدينية أو لم يتوفر أساسًا، ونتيجةً لذلك كان الزواج المبكّر وتعدد الزّوجات شائعين، مما أثّر سلبًا على دور المرأة. كانت العصمة بيد الرجل، الأمر الذي كرّس تبعيتها داخل الأسرة والمجتمع، وحدَّ من استقلاليتها وقدرتها على اتّخاذ القرار. لكن هذا الدّور العثماني بدأ بالتلاشي مع ظهور أمواج الثقافة الغربية في الشّرق الأوسط، وتحديدًا في سوريا، حيث استطاعت المرأة أن تتنفس الصعداء، وتسهم في الحياة التعليمية والاقتصادية والاجتماعية بطرق متعددة، سواء من خلال إدارة شؤون المنزل، أو المشاركة في بعض الأنشطة الحرفية والتجارية، أو حتى في مجالات العمل الخيري، وهو ما شكّل بداية تحوّلٍ تدريجي في نظرة المجتمع لدور المرأة.

من هنا يبرز الحديث عن وضع المرأة في تلك الفترة بوصفه نافذةً لفهم طبيعة المجتمع السّوري وتطوّره خلال الحكم العثماني والفرنسي. فكانت مرحلة ما بعد الاستقلال على الانتداب الفرنسي والانقلابات العسكرية التي مرّت بها سوريا محطةً مفصليّة، حيث لعبت المرأة دورًا فاعلًا في مصير هويتها.

بدأ الانقلاب على حسني الزعيم عام 1949، حيث حصلت المرأة على حقّ الانتخاب والترشّح، مما شجّع ناشطاتٍ مثل ثريا الحافظ على المطالبة بالمزيد من الحقوق. أمّا انقلاب سامي الحناوي في 14 آب 1949، فقد شهد مشاركةً أوسع للنساء، وأسهم في تعزيز الحقوق النّسوية ونشر الوعي السّياسي. في فترة أديب الشيشكلي عام 1951، واجهت النساء قيودًا أكبر، لكنهنّ واصلن العمل الثقافي، مثل ألفت الأدلبي التي عبّرت عن قضايا المجتمع، وكان للأدب دورٌ مهمٌّ في نقل صوت المرأة ومعاناتها وتطلّعاتها.

إنّ بروز النّساء خلال هذه الفترة يعود إلى الاحتكاك بالاستعمار الفرنسي، والمدارس التي استلمتها المؤسسات الفرنسية، والبعثات الدينية التي ساعدت على تعليم الفتيات، إلى جانب مشاركة المرأة في مظاهرات واعتصامات ضدَّ الانتداب الفرنسي، حيث تعلّمت من خلالها أساليب العمل الجماعي والمشاركة المجتمعية. كما برز دور النشاط الوطني ونشاط الأحزاب السّياسية في الخمسينات، مثل القومية والشيوعية والحزب الوطني الاشتراكي. إضافةً إلى دور المرأة المثقّفة التي كانت داعمة لتعليم البنات، مثل عائلة الأطرش والحافظ، مما ساهم في نشر الوعي بأهمية تعليم المرأة ودورها في المجتمع.

نلاحظ أنّ المرأة السّورية لم تكن مجرّد متفرّج على الأحداث، بل كانت عنصرًا فاعلًا ساهم في تشكيل الوعي الوطني والاجتماعي والثقافي، مما جعلها جزءًا مهمًّا من تطوّر المجتمع خلال فترة الانقلابات، وكانت تأمل بثورة إصلاحية شاملة تحقق العدالة والمساواة. استمرّ هذا الطموح حتى زمن حزب البعث العربي الاشتراكي، وعلى الرغم من ثورة الثامن من آذار والحركة التصحيحية، إلا أنّ دور المرأة أصبح شكليًّا في نظام الدولة الجديدة، حيث اقتصر حضورها في الاتحاد النسائي والتوظيف الجامعي والتعليم، ومشاركتها بنسبة قليلة جدًّا في الانتخابات ومجلس الشعب.

كما كانت يدُ الأمن حاكمةً في كلِّ المجالات، كالسياسة والصحافة والقضاء والاقتصاد، مما حدَّ من قدرة المرأة على التأثير الحقيقي، وجعل مشاركتها محصورةً ضمن أطر محددة لا تعكس طموحاتها الفعليّة. لذلك؛ كانت الحاجة إلى التغيير الشّامل في سوريا ضرورة ملحّة، فشاركت المرأة في الثورة على مدار 14 عامًا، وعزز هذا الدور بشكل ملحوظ، فكانت النساء في الصفوف الأمامية للحراك المدني والإغاثي والإعلامي، وأسهمن في بناء شبكات دعم محلية ومبادرات مجتمعية ساعدت على صمود المجتمع في وجه القمع.

بعد عامٍ واحدٍ على سقوط نظام الأسد البائد، وفي ظلِّ سيطرة الحكومة المؤقتة، هناك غياب تام للمرأة ودورها. لا نبالغ إن قلنا إنّ المرأة السورية تقف في عين العاصفة، تمّ اختزالها في الشأن العام والخاص، وفُرضتْ القيود السلطوية عليها منذ نظام البعث إلى يومنا هذا. لا يمكن تقييم وضع النساء بمعزل عن الواقع الأمني، فرغم أن سقوط النظام فتح أبوابًا للحرية، إلا أنّه خلّف فراغًا استغلّته مجموعاتٌ مسلّحة مختلفة. وفي هذا السياق تبقى النساء أكثر المتضررين من انعدام الأمان.

من أخطر التحدّيات التي تواجه النّساء السّوريات ظاهرة الخطف التي باتت مشكلةً مزمنةً تجرح الضمير السّوري. إلى جانب التحرّش والاستغلال الاقتصادي والعنف الأسري الذي ازداد بفعل الضغط النفسي والاجتماعي، مما يعكس حجم المعاناة اليومية التي تعيشها النساء.

من الناحية الاقتصادية أيضًا، ومع سقوط النظام، ازدادت هشاشة النّساء نتيجة تداخل المخاطر الاقتصادية والاجتماعية والأمنية. حيث واجهن الاستغلال وغياب الضمانات في سوق العمل، إضافةً إلى التمييز الذي يحدُّ من فرصهنَّ في تحقيق الاستقلال الاقتصادي. كان الوضع أكثر قسوةً على النّساء اللواتي بقين في المخيّمات، حيث أُهملت الخدمات الأساسية، تُركتْ النساء مع أطفالهن في مواجهة مصيرٍ مجهول، محروماتٍ من أبسط مقومات العيش والحقوق الإنسانية.

لذلك؛ فإنّ تعزيز استقلاليّة النّساء الاقتصادية وضمان مشاركتهن الفاعلة في إعادة البناء الاقتصادي يتطلّب تأسيس بنى مؤسسيّة وقانونية، قادرة على حماية مكتسباتهن وتثبيت حضورهن كركيزةٍ أساسيّة من ركائز التّعافي المجتمعي.

عندما تولّى أحمد الشّرع السّلطة أثارت خلفيّته الجهادية شكوكًا بين الراغبين في نظامٍ ديمقراطي قائم على المساواة بين الجنسين. إذ تخوّف كثيرون من انعكاس هذه الخلفيّة على طبيعة السياسات المتّبعة تجاه المرأة وحقوقها، وخاصّةً في ظلِّ التّجارب السّابقة التي همّشت دور النساء في مواقع صنع القرار. مع ذلك؛ أدلى الشّرع بتصريحاتٍ شدد فيها على أهمية تولي المرأة مناصب قيادية، مؤكّدًا على ضرورة إشراكها في مختلف مؤسسات الدّولة وعدم إقصائها من الحياة السياسية والاجتماعية، في محاولةٍ لطمأنة الداخل والخارج. لقد تمثّلت إحدى الخطوات الأولى للحكومة المؤقّتة في إنشاء مكتب لشؤون المرأة، كإشارةٍ أوليّة نحو الاعتراف بدور المرأة. فعاليّة هذا المكتب تبقى مرهونةً بمدى قدرته على إحداث تغييرٍ حقيقي في السياسات العامّة، وليس الاكتفاء بدورٍ شكلي أو رمزي.

إنّ القوانين في سوريا، وخاصّةً ما يتعلّق بالميراث والزواج والطّلاق وحضانة الأطفال، تستند إلى الشّريعة الإسلامية، وهو ما يُعدّ من أكبر التّحديات التي تمنع تحقيق المساواة الكاملة، ولم تطرأ تغييرات جوهرية على الحقوق المدنية للمرأة حتى الآن.

بالاستناد إلى العرض التاريخي لمكانة المرأة في سوريا، مهد الحضارات والحاضنة الأولى للمرأة المبدعة والمكتشفة، يتّضح أنّ المرأة السّورية رسمت خريطة التغيير في بداية عام 2011، لتُحرّك عجلة التاريخ. فأعلنت ثورة المرأة في شمال وشرق سوريا، لأنّها أدركت الخطر الكامن القادم عليها من الأنظمة المهيمنة التي تتسم بأيديولوجية التعصّب الجنسوي، وما نجم عنه من ممارسات عنيفة بحق النّساء تحت مسمّيات متعددة.

سارعت المرأة إلى أخذ مكانتها بالقوّة من خلال مشاركتها في كلِّ المجالات السياسية والاقتصادية والعسكرية، بحثًا عن المكانة التشاركية والحرية الحقيقية لهويتها. بذلت الغالي والنفيس، بدءًا من الوعي والتنمية الاجتماعية، وصولًا إلى التضحية بأبنائها في سبيل هذه القضية.

في مناطق الإدارة الذّاتية الدّيمقراطيّة، عملت آلاف النّساء كعضواتٍ في الهيئات الإداريّة والبلديّات والمؤسسات، وفي مجالات التعليم والصحّة والأمن والحماية الذاتية، مما يعكس تجربة عملية متقدّمة في تمكين المرأة. أثبتت هذه التّجربة أنّ الحفاظ على المكانة التاريخية للمرأة لا يتمُّ إلا من خلال التّنظيم والانضباط والدّفاع عن النفس، إلى جانب تطوير علمٍ خاصٍّ بها “جنولوجي” يهدف إلى حماية مكتسباتها وتعزيز دورها في المجتمع.

هذه الأيديولوجية التي تسلّحت بها الحركة النّسائية في شمال سوريا وتحت شعار “الثّورة التي لا تحتضن المرأة ليست بثورة”، مهّدت الطريق للوصول إلى مجتمعٍ ديمقراطيٍّ يضمُّ جميع المكونات، ويضمنُ مشاركة الجميع في صنع القرار. في هذا الإطار تصبح المرأة عنصرًا مؤثّرًا وحاضرًا في حفظ الحقوق الدّستورية، ومشاركةً فاعلةً في صناعة القرار والمصير بما يضمن بناء مستقبلٍ أكثر عدالة وإنصافًا واستقرارًا.