العقد الاجتماعي ثمرة نضال شعوب شمال وشرق سوريا وضمان لوحدة سوريا
العقد الاجتماعي ثمرة نضال شعوب شمال وشرق سوريا
وضمان لوحدة سوريا

“العقد الاجتماعي بمثابة سفينة نجاة
وإنقاذ لكافة السوريين والمرأة السورية بالذات،
وذلك من خلال لملمة الجراح،
ورأب التصدعات التي أفرزتها الحرب”
عدالت عمر
دخلت الأزمة السورية عامها الرابع عشر، ومازالت آلة الحرب تحصد الأرواح، وتنشر الموت والدمار، في ظل فشل التوصل إلى صيغة توافقية، وبلورة مشروع سياسي يفضي إلى مخرج من النفق المظلم الذي دخلته البلاد، على الرغم من عقد عشرات المؤتمرات والمبادرات، ولم يظهر في الأفق أي توافق لحل الأزمة، لا من قبل القوى الدولية المعنية بالملف السوري، ولا من النظام الاستبدادي المتزمت بالعقلية الرجعية، الذي حول سوريا إلى ساحات للصراعات الإقليمية والدولية، لتعزيز نفوذه، وإطالة عمر نظامه المركزي، وفضل التطبيع مع النظام التركي المحتل.
وبدلاً من الالتفاف حول الشعب السوري بكافة مكوناته وأطيافه، وإجراء التغيير الديمقراطي في بنيته، قامت بتشكيل فئات بيرقراطية بعيدة عن المصلحة العامة والوطنية. وهذا الأمر زاد من تعمق الأزمة السورية، ناهيك عن المعارضة السورية (التي تنادي بالتغيير – شكلياً)، والتي ارتهنت لأجندات دول إقليمية، والتي دعمت تركيا في احتلالها للكثير من المناطق السورية، بحيث أصبحوا مرتزقة لدى تركيا تنفذ أجنداتها التوسعية في المنطقة، وما نتج عنها من نزوح وتهجير وتشريد وتغيير ديموغرافي كما في عفرين – سري كانية – گري سبي، ومحاولة ادخال المنطقة في صراع دائم، لنسف مشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية، الذي تحقق بفضل تضحيات بنات وأبناء المنطقة.
حيث استطاع هذا المشروع الديمقراطي في إقليم شمال وشرق سوريا، أن يحقق الكثير من الإنجازات السياسية والعسكرية والإدارية والخدمية، وتمكين الشعوب من تطلعاتهم في الحرية والسلام، واختيار نظام سياسي ديمقراطي دون أي تدخل خارجي، وهذا ما يؤهلها أن تصبح نموذجاً وأملاً لكل السوريين في خضم كل الصراعات الموجودة.
العقد الاجتماعي
ولهذا ظهرت بوادر الحاجة إلى صياغة عقد اجتماعي لضمان حقوق كافة المكونات المتعايشة، وبهدف البلوغ بالنسيج السياسي للمجتمع الديمقراطي الذي يعيش ضمن إقليم شمال وشرق سوريا، إلى تطلعاته المتمثلة بالعيش المشترك وفق التعددية، وضمان حرية وحقوق المرأة والطفل والمسنين، ونبذ كل أنواع العنف، وتحقيق العدالة الاجتماعية والديمقراطية دون تمييز على أساس العرق أو الدين أو العقيدة أو الجنس، وترسيخ مبدأ العائلة الديمقراطية التشاركية الحرة.
إن الشعوب عانوا من الأنظمة اللاديمقراطية المتعاقبة في سوريا، ومن سياسات ومفاهيم المركزية الدولتية السلطوية، إلى جانب ممارسات الحداثة الرأسمالية المهيمنة على المنطقة اللاهثة دوماً وراء الربح. من هنا؛ والعقد الاجتماعي جاء حصيلة تراكم نضالي لشعوب المنطقة على مدى تاريخها، وثمرة من ثمار الثورة المجتمعية لحل الأزمات العالقة، وتجاوز كل الصعوبات والمعاناة، ولإعادة تنظيم وتماسك المجتمع واستقراره، ولترسيخ الإدارة الذاتية الديمقراطية التي تعتمد على المجتمع الديمقراطي البيئي، والاقتصاد المجتمعي، والرئاسة المشتركة، والنظام اللامركزي كنموذج لحل الأزمة السورية الحالية، وإنهاء كافة أشكال الاحتلال والعنف.
يتألف العقد الاجتماعي من مجموعة من المواد مبنية على أسس وقواعد أخلاقية، لتنظيم المجتمع بالشكل الأمثل بعيداً عن الفوضى، وتوفير حياة آمنة وعادلة للجميع، وطبيعة الواجبات تجاه أنفسهم والآخرين وتجاه البيئة التي يعيشون فيها، ويعتبر نموذج متقدم لفهم اللامركزية الديمقراطية، وتضاهي أنظمة الدول السلطوية وكذلك المدعية للديمقراطية الشكلية، ويشكل أرضية قوية للوحدة الحقيقية، وأساس لبناء “الجمهورية السورية الديمقراطية”، أي هو بمثابة دستور مجتمعي لا دولتي بروح وفلسفة الأمة الديمقراطية.

النهضة الفكرية
فتحت المرأة الطريق أمام نهضة فكرية واجتماعية، وناضلت من أجل نيل حريتها وضمان حقوقها منذ بداية الثورة، وأصبحت الركيزة الأساسية في النظام الديمقراطي، واستطاعت تغيير الكثير من المفاهيم الرجعية، والأدوار النمطية المفروضة عليها من قبل المجتمع الجنسوي، والذهنية الذكورية الحاكمة. حيث أخل الرجل بالعقد الاجتماعي المرسوم من قبل المرأة سالفاً، وعمل على تأمين ديمومة تسلطه واستعماره، عبر القوانين التي سنها هو من جانب، وحول إرادته إلى إرادة مطلقة لا تقبل الجدال، ويجبر المرأة على الدخول تحت ولاية ووصاية الأب أو الزوج عليها من جانب آخر.
كما أن النظام الرأسمالي الامبريالي حطت من شأن المرأة، لتصل بها إلى وضعية تكون فيها أكبر رأس مال وأثمن مادة، واستغلت على الدوام كآلة لتجذير النظام وتأمين صيرورته، ليغدو ذلك قاعدة لا غنى عنها، لتكون الضمان للنظام، سواء من خلال مؤسسة الأسرة المشيدة، أو عن طريق التجارة بجنس المرأة.
مكانة المرأة 50%

وإن قوانين الأحوال الشخصية -الطائفية المذهبية الجنسوية – لا تعزز من مكانة المرأة، بل تقف حجر عثرة دون تعزيز مساهمتها أو ضمان حقوقها، وعلى الرغم من توقيع كافة دول المنطقة على أغلب الاتفاقيات الدولية الخاصة بإزالة كافة أشكال التمييز ضد المرأة، إلا أنها لم تدمجها حتى الآن ضمن تشريعاتها الوطنية، فالواقع في دول المنطقة هو واقع أنظمة سياسية، أكثر منه واقع مشاركة المرأة أم لا، والأنظمة السياسية اللاديمقراطية، لن تسمح إلا بمشاركة النساء اللواتي تحظين برضا هذه الأنظمة.
هذه الحلول المزيفة دفعت المرأة إلى البحث عن سبل الخلاص الحاسم، من هنا فالحركات النسائية البارزة، وخاصة في إقليم شمال وشرق سوريا، قد أسفرت عن تطور الوعي لدرجة ملحوظة، ونمت عن ظهور مرحلة استنارة تعرف المرأة بتاريخها، وتطوير أيديولوجي وتنظيمي وإداري تجاه السلطة الذكورية، تكافح في سبيل هويتها لتستطيع بذلك إيجاد الحلول لقضيتها العالمية.
خاضت فعاليات ثورية وساهمت في بناء الثورة بنشاط، وحافظت على ميراثها، وبرهنت على صواب الحقيقة القائلة: “إن لم تتحرر المرأة، لن يتحرر المجتمع”. للإنسانية جمعاء والتاريخ بأسره.
كما احتلت مكانتها في الكيانات السياسية والمؤسسات والمجالس القائمة، واستطاعت ضمان حقوقها في العقد الاجتماعي، حيث نسبة تمثيلها 50% أي مناصفة مع الرجل، وكذلك في باب المبادئ أو الحريات والحقوق الأساسية، بالإضافة إلى تدوين عقد اجتماعي خاص بها في الأشهر المقبلة، وتأسيس مجلس خاص يمثل كافة النساء في إقليم شمال وشرق سوريا، لرسم السياسات والخطط الاستراتيجية التي تخص المرأة، وبناء نظام كونفدرالي لها، واتخاذ القرارات المعنية بشؤون المرأة.
يعتبر هذا العقد بمثابة سفينة نجاة وإنقاذ لكافة السوريين، وذلك من خلال لملمة الجراح، ورأب التصدعات التي أفرزتها الحرب الهوجاء والفوضى، ووضع حد للمعاناة ورسم عهد وميثاق جديد لكافة السوريين للأخذ بالبلاد إلى بر الأمان.
