نظام الرئاسة المشتركة أسمى ما تحقق خلال الثورة المجتمعية – أفين سويد
نظام الرئاسة المشتركة أسمى ما تحقق خلال الثورة المجتمعية

“نظام الرئاسة المشتركة
لا يعني دخول المرأة للساحة السياسية فقط،
بل يهدف إلى تفعيل إرادة المرأة في الميدان السياسي”
أفين سويد
التفكير في الثنائيات التي نُعرفها في حياتنا اليومية كـ الليل – النهار، الصيف – الشتاء، الروح – الجسد، الرجل – المرأة، يرشدنا إلى استحالة أن يبنى الكون إلا على العلاقة التكاملية بين هذه الثنائيات، واشتراك وتكامل هذه الثنائيات يكون السبب في خلق الوجود والتكوين ولا يمكن فهم واحدة من هذه الثنائيات دون الأخرى، لذا فتعريفنا لواحدة من هذه الثنائيات وإنكار الأخرى سيكون بمثابة التدخل السافر في الطبيعة الكونية وإخلال التوازن الموجود أصلاً.
إذ لا يمكن تأمين الوجود خارج إطار الثنائيات، والثنائيات بطبيعة الحال دائماً ميالة إلى النشوء المختلف كـ القطبين السالب – الموجب، فإذا تماثلت هذه الثنائيات فلن يتحقق الوجود، ولكن من غير المنطقي أن يكون الاختلاف الجنسي لوحده سبباً لأية قضية اجتماعية، ومثلما لا يتم تناول هذا الاختلاف لأي كائن حي في الكون على أنه معضلة أو مشكلة، كذلك يجب أن ينطبق الأمر على الثنائية الموجودة عند الإنسان أيضاً، ولكن على العكس نرى بأن تناول الثنائية عند الإنسان الذي يمتلك موهبة العقل والتفكير يكون مختلف تماماً، حيث إن النظر إلى المرأة كجنس بشري له فوارقه البيولوجية يتصدر إحدى العوامل الأساسية فيما يخص الواقع الاجتماعي عند البشر.
فالقضية المرتكزة على تصنيف الثنائيات المتوازنة والمتساوية والمتناغمة إلى (فاعل – مفعول) هي أصل المشكلة، وهذه العقلية هي التي تسـوق بأن كل المفعول بهم يدخلون في خدمة الفاعل في تجسيد صارخ للتسلط المطبق من قبل الفاعل، وأبعد ما يكون عن العدالة.
ومع كل الأمراض التي تكبل المرأة، والتي من أهم أسبابها هي العادات والتقاليد البالية والعقلية الرجعية والذهنية الذكورية التي همشت المرأة في مجتمعاتنا، والتي اعتبرت وجودها ضرورة فقط لإدامة النسل وخدمة الرجل وتعرضت المرأة لأبشع أشكال الاستغلال ومن كافة النواحي، واعتبرت اليد العاملة الأرخص واستغل جهدها سواء في عملها أو في منزلها.
التوازن الطبيعي
ولإعادة الحياة إلى توازنها الطبيعي كان لابد لإعادة المعنى لكلا الجنسين، بعد أن عاشا الاغتراب عن حقيقتهما الكونية، وفكر تحرر المرأة والإيمان بأن المرأة تشكل نصف المجتمع وتربي النصف الآخر، وأن تحرر أي مجتمع لابد أن يمر من تحرر المرأة، غيَر وجه الشرق الأوسط انطلاقا من ميزوبوتاميا، فكيفما كانت هذه الأرض الخيرة فيما مضى مهداً لحضارة عريقة أسستها وأنشأتها المرأة – الأم، وجمعت حولها المجتمع كله وقامت بإدارة مجتمعها في جو تسوده العدالة والمساواة والمحبة وحفظت كرامة كل أفراد مجتمعها؛ تجاهد المرأة اليوم أيضاً للعب نفس الدور الذي لعبته في الماضي، في عالم قد يكون اليوم أحوج ما يكون لبناء نظام ينقذ البشرية من الهلاك والفناء بسبب الصراعات والحروب المدمرة التي نشبت على أساس التعصب الدينوي والقوموي والجنسوي والتي تديرها الأنظمة الرأسمالية السلطوية، فآلاف القتلى والمختطفين والمغيبين قسراً والمهجرين والمجاعات التي تهدد الكثير من البلدان والتخريب الممنهج للبيئة يدعونا جميعاً للتفكير في كيفية الخروج من هذا المأزق، وكيفية إنقاذ ما يمكن إنقاذه في هذه الظروف.
وقد نكون نحن النساء المعنيات بالأكثر بهذا الموضوع لأن النظام الحالي الموجود يستهدف كدحنا ووجودنا بشكل خاص، فكيف إن كل الحروب والصراعات تؤثر بشكل مدمر على المجتمع برمته تبقى المرأة هي الهدف الأول في هذه الحروب، وما حصل في شنگال إبان هجوم مرتزقة داعش رسالة إلى كل النساء في كل بقاع العالم بأنها الهدف الأول لكل هجوم وصراع.
فكيفما بيعت النساء في عصر الجاهلية، أعاد مرتزقة داعش إحياءه عن طريق عرض النساء وبيعهن في أسواق النخاسة، إلى جانب محاولات كسر إرادة المرأة في أفغانستان على يد حركة طالبان وحرمانها من أبسط حقوقها كالتعليم والعمل، واليوم يستهدف الاحتلال التركي ومرتزقته إرادة المرأة وتتمثل هذه الهجمات بـ الإبادة الجسدية والحرب الخاصة التي تنتهج ضد النساء، كل هذه أمثلة تبرهن مدى خطورة الهجمات على جميع النساء في ظل توسع نطاق الحروب والصراعات في كافة أصقاع العالم.
ومع توسع نطاق الإرهاب والمجازر والتهجير تواجه المجتمعات عموماً والنساء خصوصاً مستويات غير مسبوقة من العدوان والهجوم والتصفية من قبل هذه الأنظمة التي تقتات على تمزيق وتفريق وقتل وتهجير شرائح المجتمع وخاصة مجتمع النساء، لذا ظهور فكر يُعري الحقائق ويتبادلها مع الشعوب وينظم الشعوب في مواجهة السحق والطحن تحت وطأة الحروب الجائرة ضرورة لابد منها.
فكان لابد من توحيد الكيانات السياسية والأمم والثقافات عن طريق الأفراد الأحرار والمجموعات الحرة لمواجهة سياسات النظام الأبوي والدولة القومية القائم على التعصب الجنسوي والقوموي، وذلك عن طريق طرح مشروع الأمة الديمقراطية، كأمة متعددة الهويات والألوان والثقافات من قبل المفكر عبد الله أوجلان.
نظام الأمة الديمقراطية

مشروع الأمة الديمقراطية يرى الاختلاف غنى، وينادي بجمع شمل جميع المكونات واحترام وقبول الآخر، والأمة الديمقراطية لا ترى في المجتمعات متعددة الأعراق تهديداً لوجودها وتقف ضد ذهنية النظام الأبوي والدولة القومية والنظام الرأسمالي القائمة على اللغة الواحدة والثقافة الواحدة والتعصب المذهبي وترفض المفاهيم التي لا تقبل التنوع، وتقبل التجمعات دون النظر إلى عددهم وقوتهم كمكونات أصلية.
الأمة الديمقراطية تعني وقف حركة تمزيق الوحدة الثقافية وتقطيعها على نمط الجزار، وتجمع شمل جميع الثقافات التاريخية في أجواء عامرة بالسلام والمساواة والحرية والديمقراطية.
وما إن بدأ ربيع الشعوب في منطقة الشرق الأوسط استلمت الشعوب زمام المبادرة وحاولت تغيير أنظمة الحكم التي أنكرت حقوق الشعوب في العيش بكرامة واستغلت خيرات البلدان وحرمت شعوبها من أبسط مقومات الحياة، ووسط هذه المتغيرات ظهر نموذج الإدارة الذاتية الديمقراطية الذي استند على فكر الأمة الديمقراطية كواحدة من التجارب الفريدة في منطقة الشرق الأوسط، فكانت تجربة أخوة الشعوب في مناطق الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا مثال لما قد ينتج عن العمل الجماعي للشعوب إن أرادت أن تعيش بكرامة وحرية، فتم بناء نظام ديمقراطي إيكولوجي تقوده المرأة وعبره وحدت شعوب ومكونات المنطقة.
أُطروحات القائد عبد الله أوجلان في هذا السياق تعتبر كثورة فكرية للمجتمعات حيث حقق تغيير كبير للعلاقات الاجتماعية بين المرأة والرجل ووصول المرأة للمشاركة الفعالة في كل مجالات الثورة وقيامها بدورها الطليعي على مستوى المنطقة والعالم والوصول إلى درجة الرئاسة المشتركة كل هذا يثبت النضال والتغير الذي خلقه القائد في المجتمع.
ولن يكون مبالغة القول إن نظام الرئاسة المشتركة من أسمى ما تحقق خلال الثورة المجتمعية التي تقودها المرأة في شمال وشرق سوريا، لأن نظام الرئاسة المشتركة يعني العدالة والمساواة والتي تشكل الركيزة الأولى والأهم للديمقراطية، ويعزز الوجود الحقيقي والفاعل للمرأة في كل الساحات ابتداءً من الساحة السياسية والاقتصادية إلى العسكرية وكافة المجالات.
كما يعمل على إعادة التوازن المفقود في العلاقة ما بين الرجل والمرأة، وبهذا يعمل على إعادة التوازن الطبيعي بين أسمى الكائنات الحية بمختلف انتماءاته القومية والعرقية والدينية، والذي بدوره سيلعب دوراً فاعلاً في التوازن ما بين الإنسان والطبيعة، وبما أن المرأة هي التي ستأخذ على عاتقها تطبيق وتطوير هذا النظام، فليس من الخطأ أن نسمي نظام الرئاسة المشتركة بنظام المرأة فهي التي تطبقه وتحميه، وهو نظام يعزز ويقوي إرادة المرأة ويساعد دمجها في مجالات الحياة على قدم المساواة، والذي يقوي المرأة هو وجودها ضمن بيئة من النساء المنظمات لأنها تستمد قوتها منهن.
الرئاسة المشتركة ومحتواها الجماعي
يجب على كل امرأة أن تعلم أن نظام الرئاسة المشتركة هو نتاج جماعي لكدح النساء بتنظيماتها المختلفة، وعليه فكل امرأة منا مطالبة أن تحمي هذا المنجز وتطوره بكل إمكاناتها، لأنه الركيزة الأساسية لبناء مجتمع ديمقراطي حر، وعليه فيجب على المرأة أن تصبح قدوة في الابتعاد عن التفرد والسلطوية.
نظام الرئاسة المشتركة لا يعني دخول المرأة للساحة السياسية فقط، فنظام الرئاسة المشتركة يهدف إلى تفعيل إرادة المرأة في ميدان السياسة، لكن دخول المرأة ضمن السياسة بيولوجياً ليس خطوة كافية لأجل التحرر الاجتماعي؛ لذا فنظام الرئاسة المشتركة هو نظام يؤمّن انضمام الجنسين (المرأة والرجل) للسياسة بإرادتهما الحرة.
يعزز نظام الرئاسة المشتركة الوعي الجوهري والإرادة الراسخة وقوة التنظيم في شخصية المرأة والمجتمع؛ فمثلما هو متعارف عليه منبع جميع الممارسات غير العادلة بين المجتمع هو اغتصاب كدح المرأة، لأن مصطلح المساواة العام لا يحقق المساواة للمرأة بشكل أكيد ومباشر. وإذا لم تتخطى التمييز الجنسي وتحقق حرية المرأة والمجتمع لا نستطيع الحديث عن المساواة الاجتماعية، ومع تطوير النظام المدني أصبحت علاقة الرجل مع المرأة على أساس تسلطي، لذلك تتحقق حرية المرأة والمجتمع مع التخلص من هذا النمط من العلاقات التي تستند على التسلط والتمييز العنصري والتفكير الأحادي الجانب.
أثناء بحثي عن موضوع الرئاسة المشتركة اصطدمت بمصطلح nîvserokatî بما معناه (شبه رئاسي – نصف رئاسة)، حيث إن مصطلح الرئاسة المشتركة (hevserokatî) مختلف تماماً عن هذا التعريف، لأن نظام الشبه الرئاسي والنصف الرئاسي لا مكانة للمرأة فيها، بل هي سلطة تشاركية فيما بين الرئيس أو رئيس الوزراء أو رئيس مجلس الشعب. الرئاسة المشتركة أبعد ما تكون عن تقسيم الرئاسة على شخصين، وإنما تعني أن كلا الشخصين يتمتعان بإرادة كاملة للريادة وكل شخص يعتبر رئيسته أو رئيسه المشترك مكملاً له في النقاشات التي تجري والقرارات التي تتخذ وتحمل المسؤولية عن تطبيق القرارات ودراسة كيفية تطوير الأعمال وحل المشكلات التي قد تؤخر أو تعيق الأعمال، وهذا لا يعتبر إنقاصاً لإرادة أي منهما بالعكس تماماً.
في شمال وشرق سوريا أبدت المرأة انضماماً مبنياً على الوعي الجوهري والإرادة القوية في الساحة السياسية وكافة ميادين الحياة؛ وسعت من خلال هذا الانضمام على تخطي ذهنية المجتمع الجنسوي، لذلك يصبح نظام الرئاسة المشتركة في شخص المرأة من أجل تحقيق حرية المجتمع ساحة نضال في غاية الأهمية، وبالتالي نستطيع القول بأنه من أجل تخطي المجتمع الجنسوي الذي تطور على أساس عقل واحد ونظام واحد يتطلب الانضمام المتساوي للمرأة والرجل في الميدان السياسي في البداية، وكذلك في جميع ميادين الحياة، وبالتالي يتحقق بناء مجتمع ديمقراطي عبر مفهوم ديمقراطي، وتتحقق دمقرطة السياسة والمجتمع بالاستناد على الإرادة الجوهرية والتنظيم الجوهري لدى الرجل والمرأة.
ونخص بالذكر هنا بأن الرئاسة المشتركة ليست نمطاً إدارياً يخص المؤسسات التابعة للإدارة الذاتية الدمقراطية فقط، بل مفهوم يراد ترسيخه في صفوف المجتمع لتحقيق إدارة مشتركة بين المرأة والرجل فكما أن فرض لغة واحدة على مجتمع متعدد اللغات يفرز المشاكل فإن فرض إرادة جنس واحد على المجتمع أيضاً يحمل مخاطر كبيرة. لأنه تاريخياً تشكلت السلطة بعد إقصاء المرأة من مكانتها الطبيعية في إدارة المجتمع، هذا التحول من الإدارة إلى السلطة، التي تحمل طابعاً ذكورياً، فتح الباب أمام نشوب الكثير من الحروب بهدف فرض الهيمنة وسبب المآسي وآلاف المجازر ومئات الملايين من الضحايا.
هكذا نصل إلى تلك القناعة بانه نظام الرئاسة المشتركة والتي طبقنا هذه التجربة الفريدة من نوعها على مستوى مناطقنا، وجدنا بانها الحل الامثل للاستمرارية في التوازن الطبيعي والمجتمعي.
