ثقافة المرأة سلاح في مواجهة الثقافة الاستهلاكية – ياسمين مصطفى مشايخ

 

ثقافة المرأة سلاح في مواجهة الثقافة الاستهلاكية

“ثقافة المرأة خندق دفاعي وخط هجومي أيضاً

 تتمكن المرأة من خلال ثقافتها حماية وجودها والدفاع عن مكتسباتها

وتعزيز قدرات الدفاع بمزيد من الفهم الصحيح

لنهج وأسلوب الحقيقة”

 

 

ياسمين مصطفى مشايخ

الحياة دون مشاركة المرأة لا يمكن الحديث عنها، كونها الطبيعة الأولى ومصدراً رئيسياً للطبيعة الثانية، بما تمثل من طاقةٍ حيويةٍ تتدفق لتعبر عن قوة المعنى الحياتي للإنسان. دون فهم حرية المرأة لا يمكن لأي إنسان ممارسة الحرية على الصعيد الفردي، أو الصعيد الاجتماعي، فالحرية هي إدراك المعنى الكامن في الخطوة الأولى نحو فهم سوسيولوجيا المرأة وسيسيولوجيا الحرية، لتعزيز القوة والإرادة لفهم جوهر علم الاجتماع، كون تاريخ المرأة مخفي ومترع بالألم، وهي حياة تمتد لأكثر من خمسة آلاف عام من المآسي والمصاعب والهيمنة من قبل النظام الذكوري الاستبدادي، والذي لم يحتكر عمل المرأة فقط، بل عقلها وروحها أيضاً. ولا نغالي إن قلنا إنَّ النظام الأبوي الذكوري قد حَرم المرأة من طموحاتها وآمالها أيضاً.

دون عملية فهم الحرية لا يمكن لأي حضارة أو ثقافة أن تتطور أو تتسع، ودون منح الثقة لوعي المرأة القادرة على صناعة الحياة وخلق الانبعاث من جديد. فالمرأة تمتلك الدور الرئيسي في صناعة الثقافة ونقلها والمحافظة عليها عبر الأجيال، وقد شكّل هذا الدور جزءاً أساسياً من مسيرة الثقافة والتاريخ، حيث حملت المرأة عبر التاريخ إرثها الثقافي، وساهمت في تشكيل بنية هويات مجتمعاتها، من خلال أدوار حياتية قيادية موغلة في القدم.

قدمت الكشوفات الأثرية والدراسات العميقة في طبيعة المجتمع القديم للبشرية معلومات مذهلة عن مكانة المرأة الثقافية والسياسية والمجتمعية والاقتصادية. فالاقتصاد المنزلي هو ما يمكن تسميته باقتصاد المرأة، وهي ثقافة مازالت مرتبطة بآليات عمل وجهود المرأة داخل المنزل وخارجه. وكانت تحليلات المفكر عبد الله أوجلان إضافة حقيقية ومقاربة ثورية نحو فهم دور المرأة وأهمية إعادة أدوار المرأة للمجتمع، وخاصة فيما يتعلق بحريات المجتمعات المرتبطة أساساً بحرية المرأة “فلا مجتمع حر مع امرأة مستعبدة”، وتعد مساهمات المفكر أوجلان بهذا الخصوص نظرية متكاملة تستند إلى الفهم الصحيح لحرية المرأة وتمكينها من العمل الثقافي والسياسي، وحق العمل والحماية والدفاع والعمل الاقتصادي، والمشاركة في كل تفصيل من تفاصيل المجتمع جنباً إلى جنب مع الرجل.

فأدوار المرأة ليست وليدة اليوم، والإنجازات التي حققتها المرأة على مستوى العالم ليست وليدة ظرف تاريخي محدد، وإنما هي استكمال لأدوارها عبر التاريخ حينما كانت المرأة تدير المجتمعات. فقد كانت هي الآلهة والمدبّرة، وكانت المنظّرة والمخططة لآليات العمل وبناء المجتمع. من هذه الأدوار التاريخية المهمة التي لعبتها المرأة كان دورها الثقافي، ويمكننا تتبع هذا الدور من خلال تحليله وإظهار علاقة المرأة بالعامل الثقافي ودورها الحضاري عبر التاريخ في ممارسة وإنتاج الثقافة ونقلها للموروث الثقافي عبر التاريخ.

يمكن الوقوف عند أبرز المعوقات التي وقفت حائلة أمام رسالتها الثقافية، والتي استطاعت الرأسمالية بأسلوبها الاحتكاري أن تحول المرأة إلى مجرد تابع أو جيش من العبيد في خدمة آليات الاقتصاد الرأسمالي، وإخضاع إرادة المرأة لقوى الرأسمال والسوق الاحتكارية، وممارسة الهيمنة على مقدرات المجتمعات من خلال الهيمنة على المرأة اقتصادياً وثقافياً، وإقصائها من الحالة المجتمعية كإنسان، وسلبها رسالتها التاريخية في بناء المجتمع وبناء الحياة. من هنا؛ نجد أنه من الضرورة دراسة دور المرأة الثقافي في المجتمع من خلال:

أولاً: دور المرأة في نقل الثقافة عبر التاريخ

تاريخياً؛ كانت المرأة هي المسؤولة عن تعليم الأجيال اللغة والتقاليد والعادات من خلال التواصل اليومي مع الأطفال والعائلة. فهي التي تحكي الحكايات الشعبية، وتعلم الأغاني، وتحافظ على طقوس الاحتفالات والمناسبات. كما نقلت المرأة، عبر هذا التفاعل المستمر القيم والأخلاق وأساليب التفكير، وبالتالي أثرت على رؤية الأجيال للعالم وهويتهم الثقافية.

تاريخ عبودية المرأة بدأ منذ لحظة ممارسة التهشيم الثقافي بكيان المرأة، والذي تسبب بوجود فارق كبير بين المرأة والرجل، ورغم ذلك فإن المرأة استطاعت الحفاظ على بعض أدوارها، ومنها دورها في الأسرة والتربية والتعليم. ساهمت الذهنية الذكورية في استفحال الإعاقات الموجودة، وفرض قيود العادات والتقاليد والمفاهيم الدينوية.  من هنا؛ تعتبر الثقافة نافذة مشرقة تستطيع المرأة من خلالها أن تلملم تبعثرها، وأن ترمم روحها للانطلاق من جديد لتمارس دورها الثقافي، وتتجاوز حدود تلك الثقافة المحددة بالتراث والفلكلور والتي يُسَّجل للمرأة الدور الأبرز في الحفاظ عليها من التلاشي والضياع. وكذلك اللغة الأم ومفردات اللغة الأصيلة.

إن الثقافة الأخلاقية وأساليب مواجهة الحياة اليومية، هي ممارسة للثقافة بشكل آخر. إضافة للحقل الاقتصادي الذي برعت فيه المرأة، خاصة بما يشكل الاقتصاد المنزلي من دور أساسي في استمرارية العائلة ضمن المجتمع كحقيقة وجود وتحدي وصراع من أجل البقاء. رغم أن الرجل سلب دورها الاقتصادي وجعل منها تابعاً له، إلا أنها تركت بصمتها التاريخية في توجهات المجتمعات، واستطاعت المرأة الحفاظ على قيم الجمال والحق والعدل والسلام. تلك المبادئ الأساسية في الثقافة الإنسانية عبر التاريخ، والتي هي بمثابة رسالة إنسانية حياتية تعمل عليها المرأة من خلال ممارسات يومية بسيطة ولهذا تبقى المرأة جسراً فعالاً يربط بين الأجيال بسلسلة ثقافية متينة لا يمكن لقوى الاستعباد والرأسمال السيطرة عليها بشكل كلي.

 

ثانياً: الثقافة في مواجهة الحداثة الرأسمالية

تشكل الثقافة الرأسمالية تحدياً كبيراً للمرأة، حيث تؤثر بشكل مباشر على أسلوب حياتها وتغيّر نظرتها لذاتها وللدور الذي تلعبه في المجتمع. ففي عصر العولمة تنتشر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي التي تحمل معها أفكاراً وقيم قد تتعارض أحياناً مع القيم الثقافية التقليدية، وتقدم نماذج مختلفة عن أدوار متفاوتة للمرأة في المجتمعات، وقد تتأثر المرأة بهذه الضغوطات، فتبتعد عن الثقافة الأصلية، وهو ما يؤدي إلى اندثار بعض عناصر الهوية الثقافية الخاصة. هذا التأثير يزيد من صعوبة الحفاظ على الثقافة وتطويرها، خاصة أن الحداثة الرأسمالية تركز غالباً على الفردية والمادية، وهي قيم تتعارض مع القيم التقليدية التي تُعتبر المرأة وصية عليها. إلى جانب الركام الهائل من التقاليد والعادات السيئة والبالية التي تقف عثرة أمام حركة نهوض المرأة.

يلعب الدين دوراً محورياً أمام تطلعات المرأة. إن الفهم الخاطئ للنصوص الدينية والتفاسير التي قدمها الرجل بخصوص النصوص المقدسة، والتي اتجهت نحو مصلحة الرجل وضد إرادة وحقوق المرأة، هذه العوامل التي تجتمع عبر الذهنية الذكورية تقف حجر عثرةً وسياجاً ضد مسيرة حرية المرأة. كما أنَّ المعوقات أمام تمكين المرأة في ممارسة العمل والسياسة، تلعب أدواراً سلبية، وتشكل تحديات قوية أمام فرصها في العيش بأسلوب يليق بكرامة وحرية وكيان المرأة.

الحرب الخاصة التي تنتهجها الرأسمالية والتي تميع دور المرأة وتصر أن تجعل منها أداة للزينة والمتعة ومجرد خادمة في البيت، ومساعي الإعلام الرأسمالي الممنهجة في صرف نظر المرأة عن القضايا الإنسانية وقضايا التحرر الفكري والاقتصادي، وإشغالها بأمور التجميل والأزياء والفن الهابط.

تقف الهجمات العسكرية كحرب عامة واضحة ضد العائلة والمجتمع، وتتعرض المرأة لأكبر جانب من الضرر في تلك الهجمات التي تحاول زعزعة الأمن والاستقرار، وإجبارها على النزوح وحرمانها من أبسط حقوقها الإنسانية.

من هنا تأتي آلية فهم الديمقراطية وضرورة إيجاد ثقافة ديمقراطية أخلاقية، قادرة على مواجهة الرأسمالية ومشاريعها وسياساتها الرامية إلى ممارسة المزيد من الظلم، وسلب حقوق المرأة بطرق ملتوية باتت معروفة للمرأة المثقفة والحرة. فثقافة المرأة خندق دفاعي وخط هجومي أيضاً، تتمكن المرأة من خلال ثقافتها حماية وجودها والدفاع عن مكتسباتها وتعزيز قدرات الدفاع بمزيد من الفهم الصحيح لنهج وأسلوب الحقيقة.

ثالثاً: دور المرأة اليوم في الحفاظ على الثقافة وحمايتها من الاندثار

حركة تحرير المرأة التي بدأت مع ظهور حركة تحرير كردستان، والتي تعززت بثورة 19 تموز عام 2011 وسميت بثورة المرأة كون المرأة كانت المشاركة وفي طليعة الثورة التي حققت من خلال نضالاتها العديد من المكتسبات الثورية. تغيرت نظرة المجتمع للمرأة وتبدلت المواقف المسبقة من خلال إثبات المرأة لجوهرها الحقيقي في عملية النهوض الثوري الصحيح، وتمكنت من تحقيق طموحاتها في تطوير وقيادة مشاريعها والتي تزداد يوماً بعد يوم. باتت المرأة ذات قوة وتنظيم ريادي قادر على قيادة ثورة ثقافية لإعادة الحقوق، ولترميم كل ما أصاب تاريخ المرأة من تصدعات وتشويه خلال القرون المنصرمة.

لتتمكن المرأة من أداء هذا الدور الفعّال، تحتاج إلى القيام بعدة خطوات، منها:

  1. التعليم والثقافة الشخصية: تعزيز المعرفة بالتراث الثقافي سواءً من خلال القراءة أو المشاركة في الأنشطة الثقافية، مما يمكّن المرأة من فهم جذور ثقافتها والتمييز بين ما هو أصيل وما هو دخيل.
  2. التمسك بالعادات والتقاليد المجتمعية الهادفة ونقلها بطرق مبتكرة: يمكن للمرأة تعليم الأجيال الأصغر سناً، وذلك عبر رواية القصص التقليدية أو أداء الأغاني الشعبية، أو من خلال تنظيم فعاليات تربط الماضي بالحاضر. من الضروري تطوير طرق حديثة لجذب الأجيال الحالية، مثل استخدام التكنولوجيا لنشر محتوى ثقافي.
  3. التأكيد على اللغة الأم: تُعد اللغة جزءاً رئيسياً من الهوية الثقافية. على المرأة أن تعزز استخدام اللغة الأم في المنزل، فالتخلي عن اللغة يعني فقدان جزء كبير من الهوية الثقافية.
  4. التعاون مع المجتمع والمؤسسات الثقافية: يمكن للمرأة أن تكون جزءاً من مؤسسات ثقافية أو مبادرات مجتمعية تهدف إلى الحفاظ على التراث الثقافي وتطويره. كما يمكنها المشاركة في الفعاليات الثقافية والتعليمية المحلية أو ممارسة السياسة التي تدعم الحفاظ على الهوية الثقافية.
  5. تعليم الأبناء التقدير للثقافة: تعليم الأبناء أهمية التمسك بالقيم الثقافية مع الانفتاح على العالم. ومن الضروري أن يتعلم الأبناء أنّ الثقافة الأصلية ليست مجرد تكرار للعادات، بل هي هوية وخصوصية يجب الحفاظ عليها وتطويرها بطرق تتماشى مع العصر.
  6. التكيف مع الحداثة الديمقراطية ضد الحداثة الرأسمالية: يمكن للمرأة أن تعيش حياة عصرية ومواكبة للتطور دون التخلي عن هويتها الثقافية. فعلى سبيل المثال، يمكنها اعتماد ملابس عصرية مع الحفاظ على لمسات تقليدية، أو طهي وصفات حديثة باستخدام مكونات تقليدية.
  7. يعتبر التمكين السياسي والثقافي والاقتصادي أبرز آليات المرأة للدفاع عن ذاتها وعن المجتمع ضد الهيمنة الرأسمالية وحداثتها.
  8. وجود قوات حماية للمرأة كقوة مُشَكّلة من النساء حصراً، قادرة على حمايتها من التدخلات السلبية ومن سطوة العقلية الذكورية ومقاربات العقل الرأسمالي.
  9. العمل إعلامياً على فضح ممارسات الحرب الخاصة الموجهة ضد حركة حرية المرأة، والابتعاد عن ألف يمينية المتطرفة، والتي لا تخدم قضايا التحرر بقدر ما تعيد المرأة إلى حواضن الانعزال والجمود العقائدي.
  10. تطوير أكاديميات المرأة والتعمق في دراسة علوم المرأة / الجنولوجيا/.
  11. الاهتمام بعلم الجمال والاستتيك والفن الهادف، وبناء ثقافة ثورية قادرة على دحر الثقافة الرأسمالية والمفاهيم الدينوية الرجعية، والتحرر من ربقة الرأسمال الأسري، الأبوي والسلطوي، وتأسيس اقتصاديات مجتمعية ضمن المجتمع الكومينالي.

 وأخيراً: إن مواجهة الحداثة الرأسمالية دور أساسي ومفصلي في حياة المرأة المثقفة، فالمرأة وعبر التاريخ ساهمت في حماية ذاتها من الانحدار الأخلاقي الذي أرادت له الرأسمالية، فكان للمرأة الدور الأساسي في نقل الثقافة وحمايتها من الاندثار، كونها الحارس الأول للتراث، والمحرك الأقوى لضمان استمرارية الثقافة عبر الأجيال. ويعتمد مشروع المرأة في هذا الأساس على تعميق وعيها بأهمية الثقافة وإبداعها في السير نحو فهم نهج الحياة الحرة وأسلوب الحقيقة، وارتياد الدرب الذي رسمه المفكر عبد الله أوجلان بفكره وفلسفته المعبرة عن حقيقة الحرية، كونها عمود الحياة الحرة في عملية فهم وتعريف علم الاجتماع. بالتالي فإنّ الثقافة الديمقراطية، وثقافة المرأة سلاحٌ قوي بإمكانه دحر الثقافة الرأسمالية ونظم الحداثة التي تحاول فرضها على الشعوب وعلى المرأة خصوصاً. بوجود المرأة المثقفة يمكن مواجهة خطر الثقافة الاستهلاكية وسد الأبواب أمام الثقافات الوافدة عبر الإعلام الرأسمالي، وبالتالي إفشال مخططات الحرب الخاصة التي تستهدف بنية المجتمعات، وتستهدف المرأة بشكل خاص. إن انتصار المرأة مرهون بثقافتها الثورية وبمعرفتها مخاطر المحيطة بها وبمجتمعاتها.