صياغةُ عقدٍ اجتماعيٍّ خاصٍ بالمرأة مفتاحٌ لحياةٍ نديّة تشاركيّة – هيئة التحرير
صياغةُ عقدٍ اجتماعيٍّ خاصٍ بالمرأة مفتاحٌ لحياةٍ نديّة تشاركيّة
هيئة التحرير
التغيير الحقيقي لا ينتظر الإذن، بل يبدأ حين نقرر نحن أن نكتب مصيرنا بأيدينا، ونُحدد المبادئ التي يجب أن تُنظّم حياتنا. ففي ظلّ التغيّرات السياسية المتسارعة التي تشهدها المنطقة تبرز الحاجة إلى إعادة رسم العلاقة بين الفرد والمجتمع، ووضع قضية المرأة كقضية أساسية لا يمكن تجاهلها.
نظريّة العقد الاجتماعي التقليدية التي تمّت صياغتها من وجهة نظر ذكوريّة عبر الحقب التاريخيّة، همّشت دور المرأة في مراكز صنع القرار، وتجاهلت خصوصياتها وتجاربها المتنوعة، كلّ ذلك أدّى إلى إعادة إنتاج التمييز والعنف بأشكال مختلفة، لذلك كان لا بد من التفكير في صياغة عقد اجتماعي جديد يُكتب من منظور نسوي. هذه الصياغة تُمثّل خطوة حقيقية نحو مجتمع ديمقراطي شامل لا يُقصي أحداً بل يرفع من قيمة الإنسان بغض النظر عن جنسه.
إنّ ما يحدث الآن من تغييب ممنهج لقضية المرأة في الأنظمة الرأسمالية والقومية والأبوية، سواء عبر تكريس قوانين تمييزية أو تجاهل واقع العنف والحرمان، ليس مجرّد تقصير بل جريمة سياسية وأخلاقية. فالمجتمع الذي يُقصي نساءه من التأسيس يعيد إنتاج أزماته باستمرار. فيما قلبت تجربة شمال وشرق سوريا كل الموازين لأنّها صاغت عام 2023 عقد اجتماعي يعزّز الآمال في أن يكون نواةً لكتابة دستور توافقي، يؤسس لإقامة سوريا المستقبل، سوريا مدنية ديمقراطية تعددية تعتمد نظام اللامركزية، وتضمن حقوق جميع المكونات وتصون حريتهم دون إقصاء، وتعطي المرأة كامل حقوقها.
العقد الاجتماعي الخاص بالمرأة والذي نطمح إليه في هذه المرحلة لن يكتفِ بالمطالبة بحقوق المرأة، بل سيُعيد تعريف مفاهيم العدالة والحرية والديمقراطية من منظور ينصف النساء، ويعترف بتجاربهن وتاريخ نضالهن، وسيؤسس لمجتمع أكثر توازناً وعدالة، كما أنّه سيتغلب على القوى الرأسمالية السلطوية في الشرق الأوسط والعالم. بالتالي هذا العقد سيكون مفتاحاً لحياة نِديّة تشاركية، لأنّه سيكون ترجمة حيّة لنضج المرأة التاريخي ورفضها أن يُعاد إنتاج واقع لا يشبهها ولا يعبّر عنها.
يتوجّب علينا نحن كنساء رفع وتيرة النضال والعمل بشكل تنظيمي أكثر، من أجل جعل المرأة قوة فاعلة على مستوى سوريا والشّرق الأوسط والعالم. بهذه الوتيرة ستكون المرأة قادرة على كتابة عقدها بوعيها وتنظيمها لأنّها الوحيدة القادرة على تحويل الألم لأمل، والضعف لقوة، والعتمة لنور، كما أنّها ستكون مؤمنة تماماً أنّ المستقبل لا يُرسم بالتمنّي بل بالفعل النسائي الجماعي، وستدرك أنّ تحررها لا ينفصل عن تحرر مجتمعها.
نأمل أن يكون هذا العدد رسالة تصل لكل امرأة مؤمنة بالتغيير، مؤمنة بأنّ زمن التهميش قد انتهى، مؤمنة بأنّ صوتها يصدح دائماً بالحقيقة، وأنّ نضالها هو بداية الطريق نحو الحريّة.
