عقدٌ اجتماعيٌّ بأناملِ المرأة.. ضامنٌ للحريات وصائنٌ للهويّات – ديلان عثمان

عقدٌ اجتماعيٌّ بأناملِ المرأة.. ضامنٌ للحريات وصائنٌ للهويّات

 

“إنّ أيّ عقدٍ يصاغُ دون مضمونٍ نسوي سيظلُّ مبتوراً،

وإنّ أيّ عقدٍ اجتماعيٍّ

سيفقدُ شرعيتهُ ما لم يضع المرأة في مراكز القرار،

وما لم تكن الشّاهدة على رسم ملامح الحياة التشاركيّة الجديدة”

 

ديلان عثمان

 

في ظلّ ما يشهده النظام العالمي من تصدّعٍ ناتجٍ عن الأزمات المتعاقبة في النظام الرأسمالي، وما نتج عنه من فجواتٍ فكرية واجتماعية وسياسية أدّت بدورها إلى تصعيد حدّة التناقضات ما بين الجنسين، وتفككٍ اجتماعي صارخ، وفوضى اقتصادية وانهيارات بيئية. فجعل الإنسان والطبيعة سلعة والتآكل الممنهج للقيم الاجتماعية والثقافية والتاريخية وضع الشعوب أمام حلٍّ محتوم وهو إعادة النظر في طراز الحياة الرأسمالية، والتعافي من الأزمات عبر تشكيل عقد اجتماعي عادل متّفق عليه يضمن حرّيتهم ويسدّ الأسوار أمام أي قوى تطمح في فرض سلطتها وتحتل أرضهم أو تنتهك قيمهم الاجتماعية أو الثقافية أو التاريخية. فأيّ عقدٍ اجتماعي يجب أن يُصاغ بمبادئ ديمقراطية تشاركية تتّخذ من الحياة الكومينالية طرازاً من جديد دون تهميش حقيقة أنّ أي عقد مصاغ دون مضمون نسوي سيظل مبتوراً، وأنّ أيّ عقدٍ اجتماعي مصاغ سيفقد شرعيته ما لم يضع المرأة في مراكز القرار، ومالم تكن الشاهدة على رسم ملامح الحياة التشاركية الجديدة.

التجربة الفريدة والأقرب إلى الحياة الاجتماعية الصحيحة ذات البعد التاريخي والثقافي والتي يُستَحقّ البحث فيها، هي كيفية نسج  بنات وأبناء شمال وشرق سوريا لعقدهم الاجتماعي البعيد عن الأنظمة التي حكمت مناطقهم قبل ثورة 19 من تموز عام 2012، حيث تمكّنت شعوب المنطقة بكردها وعربها وسريانها وآشورها وتركمانها وغيرهم من المكونات أن يصوغوا نموذجاً فريداً لعقدٍ اجتماعيٍّ قائمٍ على أسس التعددية، التشاركية، التآخي بين شعوب المنطقة، والمساواة بين الجنسين، فلم يُصغ في غرفٍ مغلقة أو خلف مكاتب الدولة العميقة، بل شارك في كتابته جميع أفراد المجتمع من القرية إلى المدينة إلى أن وصل إلى شكله النهائي، وبات الآلية التي تعمل بها الإدارة الذاتية الديمقراطية في إقليم شمال وشرق سوريا، وحقق خطواتٍ متسارعة نحو النهوض بواقع مناطقه رغم التحدّيات والهجمات من الدول الطامعة في احتلال الأراضي السورية، وقمع أي رأي سوري في تغيير مستقبل بلادهم. فما يميّز تجربة صياغة العقد الاجتماعي هو حضور المرأة القيادية ورائدة الثورة في الصياغة وإقرار المصير، وكيف أنّها منذ البداية كانت ولا تزال في قلب عمليات البناء المجتمعي والتأسيس.

كما أنّ العقد الاجتماعي الذي تبنّته الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال وشرق سوريا ليس فقط نموذجاً محليّاً ناجحاً، بل يصلح بأن يكون عقداً مستقبلياً قابلاً للتوسّع ليشمل كامل الجغرافية السورية، ويمنح السوريين خارطة طريق نحو المواطنة المتساوية والاعتراف المتبادل ويحقق المساواة دون إقصاء. إنّ هذا الطرح نابعٌ من كونه نموذجاً يؤمن بأنّ السلام يعمّ مع تمكين المرأة السورية وإشراكها في القرار السياسي، وأنّ التنوع  الثقافي لا يُدار بالقمع والسلطة بل بالاعتراف واتخاذ التشاركية ركيزة ونواةً للمشروع الديمقراطي، وأنّ المجتمعات لا تُبنى بيد السلطة وشكل الدولة المغذّية لرأس المال، بل من القاعدة الاجتماعية نحو إدارة ذاتية تُدار من قبل أبنائها وبناتها، وأن لا حياة صائبة دون التشبّث بقيم الحياة النِديّة حيث المرأة تُمثّل الجذور.

لماذا هذا العدد؟

يُمكننا الإجابة على هذا السؤال بما يلي: لابدّ أن ننظر جيداً إلى واقع بلادنا والأزمات المتراكمة والتناقضات حول شكل الدستور السوري الجديد، فإذا أردنا مستقبلاً سورياً لا تتكرر فيه مظاهر الاستبداد والقمع، ولا يتمّ إقصاء المرأة السورية كما في السابق، لا بدّ من صياغة عقدٍ اجتماعيٍّ وطنيٍّ شامل، تُنقش مضامينه بأنامل المرأة السورية التي نسجت الأمل وسط الحرب، ولم تتوقف عن رتق النسيج الوطني بخيوط الذاكرة السورية الجامعة والحاضنة لكلّ مكوناتها.

إنّ المشهد السوري اليوم وما ينجم عنه من تأثيرات لا يُعتبر نابعاً من فراغٍ إداري أو أزمةٍ سياسية أو انقلابٍ عسكريٍّ فقط، بل يُعتبر حالة من انهيار النظام القمعي القديم الذي فُرض بفعل قوّة مركزية  قوموية وشتّت الرأي السوري الوطني لعقود طوال. بعد أكثر من عقد على الأزمة السورية، وجدنا أنّ الثابت في وجه العواصف المارّة على الشرق الأوسط هي هذه المنطقة الجغرافية الصغيرة التي تبنّت عقدها الاجتماعي ودافعت عنه بعزيمة، فعند طرحنا لصياغة عقدٍ مماثل وشامل في سوريا لا نعني سدّ الفراغات السياسية، بل نعتبرُ أنّ صياغة عقدٍ اجتماعي شامل ووطني هو دواءٌ لكلّ داء، وضامنٌ لمطالب الشعب السوري في بناء غدٍ أجمل لكلّ أبنائه.

أمّا بالنسبة للمرأة السورية؛ فلا بدّ من الجلوس على طاولة موحّدة كسورياتٍ نحدد مطالبنا، ونشخّص واقعنا، ونبحث في العوامل المؤهّلة للوصول إلى اتفاقٍ يقتضي صياغة عقدٍ خاصٍّ بالمرأة السورية تستفيد منه المرأة في سوريا أينما كانت بغضّ النظر عن انتماءاتها. فالمرأة السورية هي القادرة على بناء سوريا جديدة، ليس لكونها صاحبة ثورة من أقصى شمالها وشرقها أو شاهدة على الدّمار والنزوح في جنوبها وغربها فقط، بل كانت في طليعة الفئة المقاومة في وجه تحدّيات الأزمة السورية، ورسمت الحياة حين فوجعت بالموت ودفعت الثمن في الحرب سواءً بأطفالها أو بجسدها أو بتحمّلها مشقّة الاقتصاد المهترئ بفعل الحروب أو النزوح،  لذا فإنّ كتابة عقدٍ اجتماعي شامل لا بدّ أن يكون بقيادتها، لأنّها الأقدر على خلق لغةٍ جامعة تتجاوز السياسة الذكورية، والوحيدة القادرة على صون وجودها كجنس فاعل في المجتمع السوري مستقبلاً.

المرأة في شمال وشرق سوريا وفي طليعتها المرأة الكردية لا تكتب عقدها الخاص من موقع المطالبات، بل من موقع التجربة من ثورتها، من النضال الدؤوب، من العمل المستمر في إنقاذ مستقبلها، من الخبرة السياسية وتاريخها الحافل في جدل الحياة رغم شياكتها، ولهذا فهي بمستوى وعي يجعلها في طليعة من يستطعن أن يقدنَ النساء السوريات نحو كتابة ميثاق جديد للحياة، من تجارب نسوية يومية في الساحات السياسية والاجتماعية والدبلوماسية والقانونية.

هذا العدد يُقدّم لكلّ النساء تجارب متكاملة منفتحة للإضافات، ستجد بداخل كلّ مقالة مطلباً من مطالبها المشروعة سواءً في الساحة الوطنية أو الساحة النسوية أو الفكرية القابلة لأن تُصبح ثورة اجتماعية قادمة وشاملة لسوريا المستقبل. حيث استلهمنا مع كاتبات مجلتنا شرحاً مفصلاً عن العقد الاجتماعي، على أيّ مبدأ يُكتب؟ من يجب أن يكتبه ويصيغه؟ ولماذا تحتاج المرأة إلى عقود اجتماعية؟ ما دور المرأة في صياغة العقد الاجتماعي؟ وما ضرورة صياغة عقدٍ خاص بالمرأة؟

إنّ إصدار هذا العدد تحت عنوان” المرأة والعقد الاجتماعي” جاء لتلبية حاجة المرأة السورية إلى إنارة طريقها، فحين تحمل المرأة القلم وتصوغ فهي لا تكتب عقداً فحسب بل ترسم وجهاً جديداً للحياة، ولا يُعتبر مجرّد نصٍّ قانوني، بل وثيقة روحيّة تُعيد للمرأة كامل حقوقها ودورها الطبيعي في إدارة مجتمعاتها. فقد آن الأوان أن نتّحد، نتفق ونصوغ لنعيش ونؤمن بأنّ التغيير لا يأتي من السّاسة الذكوريين، بل من القاعدة ومن مركزها “المرأة”.