العقد الاجتماعي الخاص بالمرأة.. نواة المجتمع الديمقراطي التشاركي – روكن أحمد
العقد الاجتماعي الخاص بالمرأة.. نواة المجتمع الديمقراطي التشاركي

” صياغةُ عقدٍ اجتماعي نسائي لكلّ سوريا لا يعني فرض نموذج جاهز،
بل يعني الانطلاق من المبادئ التحرريّة العامّة المتمثلة
بالحريّة والمساواة والديمقراطيّة،
وهذا يتطلّب جهداً جماعيّاً من السّوريات في كل المناطق بمختلف انتماءاتهن”
روكن أحمد
في مجتمعاتٍ تحكمها الأزمات المركّبة، يكون السؤال الجوهري هو كيف نُعيد ترتيب علاقتنا بأنفسنا وببعضنا البعض وبالسلطة التي تُدار باسمنا؟ في سوريا؛ وبعد أكثر من عقدٍ على الحرب ما زالت الإجابة غائبة في زحام السلاح والتشرذم، إلا أنّ أصوات النساء – رغم كل شيء – تخرج من تحت الركام حاملةً مشروعاً مختلفاً (مشروع عقد اجتماعي جديد تكتبه النساء وتنطلق منه ثورة حقيقية لا تُقاس بتغيير الوجوه بل بتغيير الجذور).
في شمال وشرق سوريا؛ لم تكن مشاركة المرأة شكليّة أو ظرفيّة، بل أساسية في بناء النموذج السياسي والاجتماعي الذي ظهر من قلب الأزمة السورية. هذا النموذج الذي كُرّس ضمن فلسفة “الأمة الديمقراطية” لم يكتف بمنح النساء بعض الحقوق، بل أعاد تعريف مفهوم السلطة والمجتمع، بحيث تصبح المرأة فاعلاً مركزياً في صياغة الحياة المشتركة لا تابعاً هامشياً فيها. عندما نتحدّث عن العقد الاجتماعي فإنّنا لا نعني فقط جملة من القوانين والمبادئ التي تنظّم العلاقة بين السلطة والمجتمع، بل نتحدّث عن البنية العميقة التي تحدد طبيعة القيم، الأدوار، الحقوق والعلاقات داخل المجتمع. في هذا السياق يبرز “العقد الاجتماعي” كواحد من أعظم وأهم التحولات الفكرية والسياسية التي يمكن أن تُعيد تشكيل البنية المجتمعية من جذورها، خصوصاً في بلدٍ مثل سوريا عانى من أزماتٍ بنيويّة متراكمة وحروب وتهميش. هي إعادة إنتاج هذا العقد من منظور النساء ليس بوصفهن فئة تحتاج الحماية، بل بوصفهن قلب التغيير والمحرّك الأساسي لبناء مجتمع حر.
تأتي هذه الرؤية من موقعنا في شمال وشرق سوريا، حيث خُضنا تجربة فريدة وشجاعة في بناء نموذج اجتماعي جديد وضع حرية المرأة ومشاركتها السياسية والاجتماعية في مركز المشروع السياسي والاجتماعي، لكنّنا نؤمن اليوم وبعمق أنّ هذه التجربة لا يجب أن تبقى محصورة في نطاق جغرافي أو سياسي ضيق، بل يجب أن تتحوّل إلى مشروع عام يخاطب نساء سوريا كافة، بل ونساء المنطقة برُمّتها.
إنّ دستور الدولة السورية سواء بصيغته الدستورية أو المؤسسية أو الثقافية لم يَعتَبِر المرأة فاعلاً مستقلاً، بل تابعاً للرجل والأسرة والطائفة والدولة، فكانت النتيجة أنْ حُرمت النساء من حقوقهن الأساسية في المساواة أمام القانون، ومن الحماية من العنف، ومن الحق في المشاركة الكاملة في الحياة العامّة. في مواجهة هذا النموذج القائم على الإقصاء نسعى نحن النساء في شمال وشرق سوريا إلى صياغة عقد اجتماعي جديد خاص بالمرأة. شاركنا بفعالية بصياغة العقد الاجتماعي العام بحيث يضمن حقوق المرأة ويُدمّر الذهنية الذكورية، ويؤسس لنموذج مجتمعي مبني على العدالة الجندرية والحرية والمشاركة. هذا العقد الاجتماعي الذي وُلد من رحم الثورة والمقاومة لم يكن مجرّد وثيقة قانونية بل تعبيراً عن تحوّل جذري في الوعي الاجتماعي.
تجربتنا في شمال وشرق سوريا ليست تجربة مثالية مغلقة على ذاتها، بل هي نموذج مفتوح قائم على فلسفة “الأمة الديمقراطية” التي ترى أنّ حلّ القضية الكردية كما قضية المرأة لا يمكن أن يكون ضمن الحدود الضيّقة للدولة القومية، بل عبر تفكيك النظام المركزي وبناء نظام مجتمعي جديد يقوم على الإدارة الذاتية والعدالة الاجتماعية والاعتراف بالتنوع. في هذا السياق؛ وُضع العقد الاجتماعي لشمال وشرق سوريا، والذي يُعتبر من أكثر الوثائق تقدّماً على مستوى المنطقة من حيث تضمينه مبدأ المساواة بين الجنسين، وتأكيده على التمثيل المتساوي للنساء في المؤسسات ، ودعمه لنظام الرئاسة المشتركة. مع ذلك لم يكن هذا كافياً. لذا نرى نحن كنساء من مختلف المكونات القومية والدينية ضرورة صياغة “عقد اجتماعي خاص بالمرأة”، ليكون وثيقة مرجعية تُعبر عن رؤية المرأة لذاتها، ولمكانتها في المجتمع، ولحقوقها غير القابلة للتفاوض.
البعض قد يسأل لماذا نحتاج لعقد اجتماعي خاص بالمرأة، في حين يمكننا أن نكتفي بتعديلات على الدساتير أو القوانين العامة؟ لكنّنا نرى من واقع تجربتنا أنّ المشكلة أعمق من أن تُحل عبر تعديلات شكلية أو جزئية. الدساتير في السياقات الذكورية غالباً ما تُقصي النساء حتى حين تدّعي المساواة، لذلك نحن بحاجة إلى إعادة صياغة من الأساس، تبدأ من رؤية المرأة لنفسها لا من موقع الرجل أو السلطة. اليوم تعيش سوريا واحدة من أكثر اللحظات حرجاً في تاريخها الحديث. بين الانهيار الاقتصادي، والتفتت السياسي، والتدخلات الإقليمية والدولية، تاهت الكثير من الأصوات وتراجعت الكثير من القضايا، لكنّ قضية المرأة لا يجب أن تكون من بين هذه الضحايا بل على العكس تماماً، لأنّ صياغة عقد اجتماعي جديد للنساء هو مدخل ضروري لإعادة بناء سوريا.
إنّ ما يحدث الآن من تغييب ممنهج لقضية المرأة سواء عبر تكريس قوانين تمييزية أو تجاهل واقع العنف والحرمان، ليس مجرّد تقصير بل جريمة سياسية وأخلاقية. فالمجتمع الذي يُقصي نساءه من التأسيس يُعيد إنتاج أزماته باستمرار. من خلال مراقبتنا للواقع السوري نرى أنّ المرأة في مختلف المناطق تعيشُ أشكالاً متعددة من القهر(زواج القاصرات، العنف الجنسي، الإقصاء من العمل والتمثيل السياسي) سواء تحت سلطة النظام أو المجموعات المسلحة، أو أنظمة الأمر الواقع الأخرى، وتستهدف بشكل ممنهج في الكرامة والإرادة. لهذا؛ فإنّ مشروع العقد الاجتماعي الخاص بالمرأة لا يجب أن يبقى محصوراً في شمال وشرق سوريا بل يجب أن يتوسع ليشمل عموم النساء في سوريا.
إنّ صياغة عقد اجتماعي نسائي لكل سوريا لا يعني فرض نموذج جاهز، بل يعني الانطلاق من المبادئ التحررية العامة (الحرية، المساواة، التعدد، العدالة، الكرامة والديمقراطية)، وهذا يتطلب جهداً جماعياً من النساء السوريات في كل المناطق بمختلف انتماءاتهن، لتحديد أولوياتهن، وصياغة رؤيتهن، والانخراط في الحياة السياسية من موقع الفاعل لا التابع.
العقد الاجتماعي النسائي يجب أن يتضمّن الاعتراف بالنساء كقوة فاعلة في السياسة والمجتمع وليس فقط كضحايا أو موضوعات للحماية، إقرار مبدأ المساواة الفعليّة أمام القانون بما في ذلك قوانين الأحوال الشخصية، تجريم العنف ضد المرأة بكل أشكاله مع آليات حماية ومحاسبة فعّالة، تضمين مبدأ التمثيل المتساوي في جميع مؤسسات (الحكم والإدارة والعدالة)، الاعتراف بتنوع النساء في سوريا (الكرديات، العربيات، السريانيات، الآشوريات، التركمانيات، الأيزيديات، والعلويات، وغيرهن) كجزء من ثراء المجتمع السوري، إعادة تعريف مفاهيم الشرف والكرامة والدين والقانون من منظور تحرري نسوي.
لقد أثبتت النساء السوريات وخاصة في شمال وشرق سوريا أنهنّ قادرات ليس فقط على المقاومة، بل على التأسيس أيضاً. من الخنادق إلى المجالس إلى المحاكم والساحات الفكرية كانت المرأة في قلب كل معركة. إنّ مستقبل سوريا لن يُبنى فقط على الأنقاض، بل على إرادة الحياة، والنساء هنّ عنوان هذه الإرادة وحجر الأساس لهذا البناء، ذلك لأنّ المرأة حين تكون حرّة يكون المجتمع حرّاً، وحين تكتب النساء عقدهن بأيديهن تتغيّر كل المعادلات. من هنا؛ ندعو النساء في جميع أنحاء سوريا، والفاعلين السياسيين والاجتماعيين إلى الانخراط الجاد في نقاش واسع ومنظم وحر، لصياغة عقد اجتماعي نسائي ليس فقط لحماية النساء بل لبناء وطن جديد، حر، تعددي، ديمقراطي وعادل.
