رئيسة مكتب المرأة في مجلس سوريا الديمقراطية جيهان خضرو لـ آفاق المرأة
رئيسة مكتب المرأة في مجلس سوريا الديمقراطية جيهان خضرو لـ آفاق المرأة

” إذا كانت سوريا مُقبِلة على مرحلةِ صياغةِ دستورٍ دائم،
فإنّ العقد الاجتماعي للإدارة الذاتية يمكن أن يكون مصدرَ إلهام،
لأنّه يُقدّم نموذجًا فريداً في إعادةِ تعريفِ السّلطة كخدمة لا كهيمنة،
ويعملُ على حماية التعدد الثقافي والديني،
ويحترم خصوصيّات المرأة”
إعداد: سامية الكردي
1ـ بعد الترحيب، ما الفرق بين “الإعلان الدستوري” و”العقد الاجتماعي في ظل الإدارات الذاتية” من الناحية الإصطلاحية؟
- في قلب التحولات السياسية التي تعيشها سوريا، تبرز مفاهيم مثل “العقد الاجتماعي” و”الإعلان الدستوري” كأدوات تأسيسية لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين المواطن والدستور. غير أنّ هذه المصطلحات على ما تحمله من طابع قانوني وسياسي، لا يمكن فصلها عن الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالعدالة والمساواة وهوية المرأة ودورها، خاصة حين نتناولها من منظور نسوي نقدي.
فالإعلان الدستوري هو وثيقة انتقالية تصدرها سلطة قائمة (غالبًا في مرحلة مؤقتة أو عقب تغيير سياسي كبير) ويُحدد فيها الإطار العام لنظام الحكم، توزيع السلطات، الحقوق الأساسية للمواطنين إلى حين إقرار دستور دائم. هذه الوثيقة لا تتم غالبًا بتوافق شعبي حقيقي، بل تُفرض من الأعلى إلى الأسفل، ما يجعلها معرضة للنقد من حيث الشرعية والمحتوى.
أمّا العقد الاجتماعي فمفهومه أوسع وأعمق، فهو تصوّر سياسي وقانوني يُنظّم الحياة المشتركة في مجتمع معين، ويُبنى على التوافق الطوعي بين الأفراد أو الجماعات على أسس من العدالة والمساواة والحقوق المتبادلة. في شمال وشرق سوريا اتخذ العقد الاجتماعي بُعدًا عمليًا تجريبيًا يعكس توجهًا نحو الإدارة الذاتية التشاركية، ويضع المرأة كمكوّن أساسي في منظومة الإدارة.
المفاهيم الأساسية:
- الدولة: الدولة ليست فقط سلطةً وسلاحًا، بل هي منظومة قانونية، مؤسساتية، اجتماعية، وأخلاقية. من منظور نسوي تُسائل المرأة الدولة عن مدى تمثيلها، وآليات صناعة القرار فيها، ومن يستفيد فعليًّا من سلطتها.
- المواطنة: ليست المواطنة فقط حيازة جنسية قانونية، بل تعني المساواة في الحقوق والواجبات والفرص. وهنا نُعيد السؤال: هل تحقق الوثائق الدستورية في سوريا – الحالية أو المقترحة – مواطنة متساوية للنساء؟
- الحقوق: الحقوق لا تُمنح بل تُنتزع وتُؤسس. الحقوق السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية، والثقافية لا تكون كاملة ما لم تكن المرأة شريكًا في وضع تعريفها لا مجرّد متلقية لها.
- المساواة والنوع الاجتماعي (الجندر): المساواة تعني إزالة كل العقبات القانونية والسياسية والثقافية التي تميّز ضدّ المرأة. أمّا مفهوم الجندر، فهو يكشف عن الأدوار المفروضة اجتماعيًا والتي تقيّد حرية المرأة وتهمّش مشاركتها. من هنا يصبح العقد الاجتماعي الذي يعترف بهذه الإشكاليات أكثر تقدّمًا من إعلان دستوري لا يراها.
التحليل القانوني التقليدي للنصوص السياسية يركز على بنودها، شرعيتها، وتطبيقها. لكنّ التحليل النسوي يُضيف أبعادًا أكثر عمقًا، منها:
- من يكتب النص؟ وما خلفيته الثقافية والسياسية؟
- لمن يُكتب؟ وهل يتحدث عن المرأة بصفتها فاعلة أم موضوعًا للحماية؟
- ما الذي يُقال صراحة، وما يُسكت عنه؟ مثلاً: هل يُذكر العنف القائم على النوع الاجتماعي؟ هل تُعالج مسألة التمثيل العادل؟
- كيف تُوزع السلطة؟ وهل هناك آليات تضمن مشاركة النساء في صنع القرار؟
من هنا، لا يعود النّص مجرّد وثيقة قانونية، بل يصبح مرآةً لمنظومة السلطة والعقل السياسي والاجتماعي السائد.
2- ما هي مخاطر الدستور السوري الصادر من سلطة دمشق على المجتمع السوري بشكل عام والمرأة السورية بشكل خاص؟
- في ظلّ الفوضى الدستورية التي تعيشها سوريا، أُصدر “الإعلان الدستوري” عن السلطة الجديدة القائمة في دمشق، في محاولة لفرض رؤية انتقالية للسلطة والشرعية. جاء هذا الإعلان في سياق لا يعبّر عن توافق وطني شامل بل يعكس إرادة أحادية تريد إدارة المرحلة الانتقالية دون الانفتاح الحقيقي على الشركاء السياسيين والمجتمعيين، وعلى رأسهم المرأة.
صدر الإعلان الدستوري في لحظة حسّاسة، تتسم بتغيّرات داخلية وضغوط إقليمية ودولية. سعت السلطة من خلاله إلى تنظيم شؤون الحكم بشكل مؤقت ريثما يتم التوصل إلى صياغة دستور دائم، تثبيت شرعية انتقالية للسلطة القائمة، رسم خارطة مؤسساتية تحفظ مركزية القرار وتعيد إنتاج البنية السلطوية. غير أنّ هذه الأهداف وإن بدت قانونية في ظاهرها فقد افتقرت إلى النقاش العام، وغيّبت الشرائح الاجتماعية المختلفة بما فيها المرأة من دائرة التشاور والمشاركة.
يحمل الإعلان الدستوري جملة من المبادئ نورد أهمها: تأكيد وحدة الدولة السورية، فصل السلطات نظريًا مع إبقاء هيمنة السلطة التنفيذية، نصوص عامة حول الحريات وحقوق الإنسان بدون آليات تنفيذ واضحة، تحديد فترة انتقالية دون وضوح في أدوات الرقابة والمساءلة. لكنّ هذه المبادئ التي قد تُقرأ كضمانات شكلية تفتقر في جوهرها إلى العمق الديمقراطي، والأهم لا توفّر ضمانات فعلية لحقوق المرأة لا في النصوص ولا في السياق.
غاب دور المرأة في وثيقة الإعلان الدستوري فلا توجد أدلّة على أنّ النساء شاركن بفعالية في إعداد الإعلان، لا من منظمات نسوية ولا من الحركات السياسية المدنية. مما يعني أنّ النص كُتب من عقل سياسي ذكوري لا يحمل إرادة المرأة. كما لا يحتوي الإعلان على بنود واضحة تضمن حماية المرأة من العنف، أو تفرض تمثيلًا سياسيًا عادلاً لها، أو تعترف بتمييز تاريخي بحقها يتطلب تصحيحًا.
بالإضافة إلى ذلك فأن نص الإعلان يستخدم لغة “المواطنة” و”المساواة” بشكل عام دون أن يعترف بأنّ النساء في سوريا لا ينطلقن من نفس النقطة القانونية والاجتماعية والسياسية كالرجل. المساواة الشكلية هنا تُخفي واقعًا غير عادل، ناهيك عن أنه لا يعالج مسألة القوانين التمييزية، كقانون الأحوال الشخصية، أو القوانين المتعلقة بالجنسية والعنف الأسري، ما يكرّس خضوع المرأة لمنظومة قانونية ذكورية.
بينما يشير الإعلان إلى الالتزام بالمواثيق الدولية كالشرعية الدولية لحقوق الإنسان، فإنّه لا يوضح كيفية مواءمة القوانين المحلية مع هذه المواثيق. هذا التناقض يفتح المجال أمام استمرار القوانين التمييزية، خاصةً تلك التي تمسّ المرأة مثل: قوانين الأحوال الشخصية المستندة إلى تفسيرات دينية تقليدية، غياب قانون مدني موحّد للأسرة، انعدام الحماية القانونية من العنف القائم بكافة أشكاله.
من منظور نسوي يبدو الإعلان الدستوري محاولةً لإعادة إنتاج النظام الأبوي السلطوي، ذلك عبر تغليفه بلغة قانونية مفرغة من مضمونها التحرري. لا يحمل الإعلان وعدًا بتغيير جذري أو إصلاح حقيقي، بل يسعى إلى الحفاظ على هرمية السلطة، استبعاد الفئات المهمّشة من مواقع القرار، تمييع الحديث عن الحقوق لصالح شعارات “الوحدة” و”الاستقرار”.
بالتالي؛ الإعلان الدستوري لا يُمثّل عقدًا اجتماعيًا، بل يُشكّل إعلان نوايا من طرف واحد. هذا النص لا يمكن أن يُبنى عليه مستقبل عادل أو ديمقراطي، لأنّه ببساطة لا يرى المرأة شريكة، بل متلقية صامتة لما يُقرره الذكور في مراكز السلطة.
3ـ كيف بدأ العمل على العقد الاجتماعي في مناطق شمال وشرق سوريا ومن ساهم في ذلك؟ والدور الذي لعبته المرأة في ذلك؟
- في الوقت الذي تتبنى فيه النُخب الحاكمة في دمشق نهجًا مركزيًا تقليديًا يُقصي التعدد والتنوع المجتمعي، تمكّنت الإدارة الذاتية الديمقراطية لشمال وشرق سوريا من صياغة عقد اجتماعي يُعدّ من أجرأ التجارب الدستورية المعاصرة في المنطقة. هذه الوثيقة لا تُمثل فقط مرجعية قانونية لمناطقها، بل تُعبّر عن رؤية فلسفية عميقة للمواطنة، التشاركية، والتحول المجتمعي حيث تكون المرأة في قلب النص لا في هامشه.
شهدت تجربة شمال وشرق سوريا تطوراتٍ متسارعة منذ عام 2012، تمخّضت عن ولادة نموذج إدارة محلية ديمقراطية متعدّدة المكونات عبر ثلاث مراحل رئيسية:
ا- مرحلة الإدارة الذاتية الديمقراطية (روج آفا): حيث طُرح العقد الاجتماعي الأول عام 2014 كرّد فعل على الفوضى، وتأسيسًا لإدارة ذاتية غير تابعة للنظام المركزي.
2- مرحلة الفيدرالية الديمقراطية لشمال سوريا (2016): فيها توسّع المفهوم ليشمل العرب، السريان، والآشوريين كمكونات أصيلة ومتساوية، وتم تعديل العقد ليعكس هذا التعدد.
3- مرحلة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا (2018 – 2023): بعد تحرير مناطق الرّقة والطبقة ودير الزور من براثن تنظيم داعش الإرهابي, تم الإعلان عن الإدارة الذاتية على مستوى شمال وشرق سوريا، ومن ثمّ تم توحيد الهياكل الإدارية وتحديث العقد الاجتماعي، مع توسيع حقوق المرأة، وإعادة التأكيد على اللامركزية، العدالة الاجتماعية، والبيئة الديمقراطية.
العقد الاجتماعي الصادر عام 2023 يُعبّر عن رؤية قانونية سياسية إدارية فريدة ترتكز على المبادئ التالية: الديمقراطية التشاركية كأساس للحكم، المواطنة المتساوية دون تمييز على أساس الجنس والدين والقومية، الإدارة الذاتية المحلية بديلاً عن المركزية، فصل الدين عن الدولة مع احترام حرية المعتقد، حقوق المرأة ورفض النظام الأبوي كمبدأ دستوري صريح، التعايش المشترك بين المكونات في إطار مجتمعي لامركزي، اقتصاد اجتماعي تشاركي يرفض الاحتكار، البيئة كقيمة قانونية يجب حمايتها.
من بين جميع الوثائق الدستورية في سوريا، يُعتبر العقد الاجتماعي للإدارة الذاتية الوثيقة الوحيدة التي تقرّ بأنّ النظام الأبوي أحد أسباب القمع التاريخي، وتنصّ صراحةً على مساواة المرأة بالرجل في الحقوق والواجبات، وتضمن تمثيل المرأة بنسبة لا تقل عن 50% في كافة الهيئات والمؤسسات، كما تكرّس نظام الرئاسة المشتركة بين الرجل والمرأة في كل المستويات القيادية والإدارية، وتعترف بهياكل نسائية مستقلّة ضمن المنظومة القانونية، مثل “هيئة المرأة”، و”مجلس العدالة للمرأة”. هذا الاعتراف يتجاوز مستوى التنظير، ويُترجم إلى مؤسسات وقوانين واقعية، حيث تُشرّع المرأة لنفسها وتُدير ملفاتها بعيدًا عن وصاية الرجل والدولة المركزية.
يحتوي العقد على نصوص متقدّمة فيما يتعلق بحماية النساء من كافة أشكال العنف، منها:
ا- العنف الأسري، الزواج القسري، تعدد الزوجات، زواج القاصرات، وجرائم الشرف الممنوعة تمامًا في مناطق الإدارة الذاتية.
2- الحق في الطلاق و الحضانة و الإرث و العمل وفق قوانين مدنية منصفة.
3- تجريم التمييز المبني على الجندر في العمل والتعليم والحياة العامّة.
4- إقرار قوانين المرأة من قبل لجان نسويّة مختصّة، حيث لا يتم تشريع ما يخص النساء دون مشاركتهن الفاعلة.
العقد الاجتماعي لا يكتفي بالنص على المساواة، بل يخلق أدوات تنفيذها مثل: الكوتا النسائية الإلزامية في المجالس والهيئات والإدارات، قوانين خاصة للمرأة تُشرف عليها منظمات نسوية محلية، هيئات عدالة نسائية تعالج قضايا النساء من منظور نسوي قانوني، آليات مساءلة ومراجعة دوريّة للنصوص القانونية.
رغم قوّة النص وروحه التقدمية تواجه تجربة العقد الاجتماعي عدّة تحديات منها: عدم الاعتراف الدولي والوطني الرسمي بها، محاولات محاصرة التجربة سياسيًا وأمنيًا، نقص الإمكانيات الاقتصادية والإدارية، مقاومة المجتمع الذكوري التقليدي لبعض مخرجات التجربة. لكن ورغم كل ذلك تبقى هذه الوثيقة نقطة ضوء قانونية وسياسية في محيط عربي يغلب عليه الطابع الأبوي والمحافظ.
الخلاصة من كلامي أنّ العقد الاجتماعي للإدارة الذاتية ليس فقط إطارًا قانونيًا محليًا، بل رؤية سياسية متكاملة تعيد تعريف الدولة والمواطنة والمرأة، كما يُمثّل هذا العقد وثيقة تحرر لا تكيّف، وهو مشروع سياسي نسائي بامتياز يُشرّع للنساء لا باسمهن بل بأصواتهن وتجاربهن ونضالهن.
4- ما أبرز الفروقات بين “الإعلان الدستوري” الذي وقّعه الجولاني و”العقد الاجتماعي” للإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا؟
- تُمثّل الوثيقتان – الإعلان الدستوري في دمشق والعقد الاجتماعي في شمال وشرق سوريا – رؤيتين مختلفتين جذريًا لمستقبل الدولة والمجتمع. تكمن أهميتهما في أنّهما ليستا فقط نصوصًا قانونية، بل تعبيرات عن فلسفة حكم وتصورات متضادة حول المواطنة والسلطة ودور المرأة. هذه المقارنة ليست ترفًا أكاديميًا بل ضرورة استراتيجية لمعرفة أين يكمن المستقبل الممكن للمرأة في سوريا.
1- السيادة والمرجعية القانونية:
الإعلان الدستوري: ينطلق من مركزية الدولة، ويركّز على الحفاظ على وحدة الوطن بوصفها أولوية مطلقة مع غموض كبير في تحديد المرجعية القانونية العليا (هل هي الشرع؟ الشعب؟ النخبة الحاكمة؟)، ولا يعطي المجتمعات المحليّة سلطة تقرير المصير أو التشريع الذاتي، ما يعني إعادة إنتاج المنظومة السلطوية السابقة.
العقد الاجتماعي: يقوم على مفهوم السيادة التشاركية، ويمنح المجتمعات المحلية حق إدارة شؤونها وفقًا لمبدأ “الديمقراطية من الأسفل”، مع احترام التعدد القومي والديني. المرجعية هنا هي “إرادة الشعوب ومبدأ العقد الحر”، ويُسائل مركزية السلطة باعتبارها أداة قمع.
التحليل النسوي: بينما يُبقي الإعلان الدستوري المرأة تابعة لدولة مركزية ذكورية، يمنحها العقد الاجتماعي شراكة حقيقية في صنع القرار المحلي والوطني.
2- المواطنة والهوية:
الإعلان الدستوري: يطرح المواطنة كهوية قانونية عامة دون الاعتراف بالتمايزات القومية أو الجندرية أو الطبقية، يعتمد على صيغة “المواطن المتجرد” التي كثيرًا ما تُستخدم لتبرير تجاهل الفئات المهمّشة.
العقد الاجتماعي: يعترف بالمواطنة المركّبة حيث الهوية الوطنية لا تُقصي الهويات الثقافية أو الجندرية. المواطنة هنا ليست فقط حقًا قانونيًا، بل مشاركة فعّالة في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية بغض النظر عن الجنس أو القومية.
التحليل النسوي: العقد الاجتماعي يُقرّ بأنّ المرأة لا تعيش المواطنة كما الرجل، لذا يضع آليات تصحيحية على عكس الإعلان الذي يفترض مساواة شكلية تخفي التمييز البنيوي.
3- حقوق المرأة وتمثيلها:
الإعلان الدستوري: يفتقر إلى أي نص صريح يُعالج مسألة النوع الاجتماعي، أو يمنح المرأة حماية خاصّة من العنف أو التمييز، ولا يشير إلى التمثيل السياسي الإلزامي للمرأة، ولا يقرّ بأي شكل من أشكال التنظيم النسوي المستقل.
العقد الاجتماعي: يعترف بالتمييز التاريخي ضدّ المرأة، ويعالج ذلك عبر نصوص واضحة (الرئاسة المشتركة، تمثيل 50% في كل المؤسسات، قوانين خاصّة بالمرأة، حظر الزواج القسري، وتجريم العنف الجندري).
التحليل النسوي: الفرق هنا ليس فقط في حجم النصوص بل في طبيعة العقل السياسي المنتج لها. العقد الاجتماعي كُتب بروح نسويّة، الإعلان كُتب بعقلية ذكورية محافظة.
4- آليات صنع القرار والمشاركة الشعبية:
الإعلان الدستوري: يُبقي القرار بيد السلطة المركزية، ولا يتضمن آليات ديمقراطية مباشرة كـ (الاستفتاء، المجالس المحلية المنتخبة، المبادرات الشعبية)، والسلطة فيه عمودية، والمسؤولية محدودة.
العقد الاجتماعي: يُؤسس لهياكل تشاركية واسعة ( مجالس محلية، مؤتمرات شعبية، تنظيمات نسائية مستقلة، رقابة مجتمعية)، الحكم هنا أفقي أكثر منه هرمي ويُمارس من القاعدة إلى القمّة.
التحليل النسوي: النظام التشاركي يوفّر بيئة أكثر عدالة للمرأة للمشاركة الفعلية لا الرمزية في صنع القرار، في حين يُقصيهن النظام العمودي تلقائيًا لصالح الرجال أصحاب النفوذ.
5- العلاقة بالدين والدولة:
الإعلان الدستوري: يلتزم بعبارات عامّة عن “احترام الأديان” لكنّه لا يُفصل الدين عن الدولة، مما يترك المجال واسعًا لتغليب التفسيرات الدينية الذكورية في التشريع خصوصًا بقضايا الأحوال الشخصية.
العقد الاجتماعي: ينصّ صراحة على فصل الدين عن الدولة، ويؤسس لقوانين مدنية مستقلة عن المرجعية الدينية، ويمنع استغلال الدين لقمع المرأة أو فرض وصاية أخلاقية.
التحليل النسوي: هذا المحور مفصلي فالنساء كنّ وما زلن أولى ضحايا التداخل بين سلطة الدين وسلطة الدولة، والفصل الصريح بينهما في العقد الاجتماعي هو إنجاز نسوي حقيقي.
هنا يمكنني القول: إنّه بينما يحاول الإعلان الدستوري أن يُبقي على شكل الدولة القديم مع بعض الرتوش يُعيد العقد الاجتماعي صياغة مفهوم الدولة من جديد، ويمنح المرأة موقعًا تأسيسيًا في البناء السياسي والاجتماعي والقانوني. هنا الخيار واضح بأنّه “لا يمكن بناء سوريا عادلة بدستور يتجاهل نصف شعبها، ولا يمكن للمرأة أن تحيا مواطنة حقيقية إلا في دولة تُقرّ بها شريكة أساسية لا تابعة”.
5ـ أهمية العقد الاجتماعي بالنسبة للشعب السوري وعلى وجه الخصوص المرأة السورية وخاصّة بعد مسودة الإعلان الدستوري التي أعلنت عنها سلطة دمشق؟
- كإحدى النساء السوريات اللواتي خضن تجربة النضال السياسي والاجتماعي على مدار سنوات الحرب أرى في النقاش الدستوري قضية مصيرية ترتبط بمستقبل المرأة، وحقّها في تقرير مصيرها داخل وطن يُعيد تشكيل نفسه من رماده. من هذا المنطلق أُقدّم تقييمي للنصين – الإعلان الدستوري والعقد الاجتماعي – لا بصفتي مراقبة بل كفاعلة سياسية تعرف ثمن التهميش، ومعنى أن تكوني امرأة تُخاطب دولة لا تعترف بكِ إلا كمواطنة ناقصة.
رغم محاولاته تقديم إطار انتقالي إلا أنّ الإعلان الدستوري لا يخرج عن كونه استمرارًا لنهج السلطة الذكورية التقليدية التي تعتقد أنّ الدولة تُبنى بقرارات فوقية بعيدًا عن التعدد المجتمعي. حين نقرأ الإعلان كنصّ لا نجد فيه أي جرأة لتحدي النظام الأبوي، ولا رؤية لتفكيك البنى التي كانت سببًا مباشرًا في قمع المرأة على مدى عقود.
كنساء سياسيات لا يمكننا القبول بنص قانوني لا يحدد بوضوح ( مكان المرأة في الدولة، آليات مشاركتها في صنع القرار، ضمانات تمثيلها السياسي، حمايتها من العنف والتمييز المنهجي). هذا الغياب لا يُبرر بالمرحلة الانتقالية بل يكشف عن استمرار العقلية الذكورية التي لا ترى في المرأة سوى رموزًا للعرض أو واجهات تجميل.
يُمثّل العقد الاجتماعي في شمال وشرق سوريا صيغة متقدمة ليس فقط بسبب مضمونه الحقوقي، بل لأنّه كُتب بمشاركة حقيقية من المرأة ، ويُطبّق فعليًا بمساهمة فعّالة منها. العقد لا يعترف فقط بحقوق المرأة، بل يعتبر أنّ تحرر المرأة شرط لتحرر المجتمع كله.
كمرأة سياسية وجدت نفسي في هذا النص ( فرأيتني في الرئاسة المشتركة، رأيتني في المجالس المحلية التي تضع سياسات عادلة، رأيتني في المؤسسات النسائية المستقلة، ورأيت مستقبل بناتنا محميًّا بقانون لا يخضع للتفسيرات الذكورية للدين أو العرف).
لكن هذا لا يعني أنّ العقد مثالي أو مكتمل. التحدي الكبير أمامه هو إسقاط النموذج على مجمل سوريا، وتوفير الاعتراف القانوني والسياسي الأوسع به. كما أنّ بعض البيئات الاجتماعية ما تزال تقاوم هذا النموذج ما يتطلب عملًا توعويًا وتربويًا طويل الأمد.
- 1. في دمشق: تمت الصياغة في الغرف المغلقة دون مشاركة حقيقية للمجتمع المدني أو المرأة أو ضحايا الحرب. النخبة ذاتها التي حكمت لسنوات تحاول إعادة إنتاج أدوات حكمها باسم “الشرعية الدستورية”.
- 2. في الإدارة الذاتية: جاءت الصياغة نتيجة نقاشات شعبية موسعة، ومؤتمرات محلية، وتفاعلات حقيقية بين مكونات المجتمع، حيث كانت النساء حاضرات كمؤسِسات لا كزينة.
- النتيجة: لا مستقبل لدستور يُصاغ من فوق ولا يُؤسس على توازن قوى مجتمعي حقيقي، والنص الذي لا ينبض بنبض الشارع وبهموم نسائه لا يمكنه أن يحقق العدالة.
لأنّه ببساطة لا يضع المرأة في صلب رؤية الدولة، ولا يُخاطب التمييز الجندري كقضية سياسية، ولا يُقدّم آليات تنفيذ للعدالة الجندرية، ولا يعترف بالنساء كقوة تغيير بل كأتباع. في غيابه عن قضايا المرأة يفتقد الإعلان الدستوري إلى الشرعية الأخلاقية مهما حاول أن يستند إلى شرعية قانونية.
إذا كانت سوريا مقبلة على مرحلة صياغة دستور دائم، فإنّ العقد الاجتماعي للإدارة الذاتية يمكن أن يكون مصدر إلهام لا فقط مادة للمقارنة. لماذا؟ لأنّه يُقدّم نموذجًا فريداً في إعادة تعريف السلطة كخدمة لا هيمنة، وبناء مؤسسات شاملة وتشاركية، كما يعمل على حماية التعدد الثقافي والديني، ويحترم خصوصيات المرأة وحمايتها القانونية والسياسية.
كسياسية لا أريد دستورًا يضمن فقط حرية التعبير، بل يُجبر السلطة على الاستماع لنا. أريد دستورًا لا يُجمل وجه الدولة، بل يغيّر ملامحها من جذورها. هنا أستنتج بصفتي امرأة سياسية سورية أقولها بوضوح إنّ الإعلان الدستوري يعيدنا إلى الوراء، بينما العقد الاجتماعي يدفعنا إلى الأمام، ليس لأنّ الأخير مثالي، بل لأنّه يعترف بنا كجزءٍ من الحل، لا كضحايا فقط.
ما نحتاجه ليس فقط نصوصًا قانونية، بل رؤية تُغيّر موقع المرأة في الدولة والمجتمع. هذه الرؤية ليست حلمًا، إنّها قيد التحقق في أماكن تعترف بالنساء كمؤسِسات لا كمجرد تابعين.
6- كيف يُساهم العقد الاجتماعي في تعزيز الديمقراطية وحماية مكتسبات الثورة في هيكلة الإدارة الذاتية؟
- تُعدّ تجربة الثورة السورية واحدة من أبرز الحركات النسائية في المنطقة، حيث اكتسبت النساء السوريات زمام المبادرة في العديد من مجالات الحياة السياسية والاجتماعية. مع مرور الزمن تكشّفت واقعيات قاسية تمثّلت في تهميش المرأة في معظم الهياكل السياسية المركزية، بينما في الوقت ذاته أثبتت المرأة نفسها كمحرك أساسي في الثورة. اليوم ومع التحديات المستمرة يظل العقد الاجتماعي في شمال وشرق سوريا هو الإطار الأكثر تقدّمًا والذي يتيح للمرأة الحفاظ على هويتها الثورية ومكتسباتها.
العقد الاجتماعي في شمال وشرق سوريا لا يُمثّل فقط وثيقة قانونية، بل هو خطّة استراتيجية لحماية المكتسبات التي حققتها المرأة السورية في الثورة، ويعكس رؤية جديدة لكيفية بناء المجتمع السوري وفقًا للمساواة والعدالة. من خلال النصوص التي نصّت على ضرورة تمثيل النساء في كل المؤسسات الحكومية والمجتمعية بنسبة لا تقل عن 50%، فإنّه يضع المرأة في موقع القوة المؤسسية التي تُمكنها من حماية مكتسباتها وتعزيزها.
الآليات القانونية لحماية حقوق المرأة ضمن العقد الاجتماعي:
الرئاسة المشتركة: يضمن العقد الاجتماعي للمجتمعات المحلية أن تتم إدارة شؤون المنطقة وفق نظام “الرئاسة المشتركة” الذي يعطى فيه كل من الرجل والمرأة فرصة قيادة المؤسسات التنفيذية والتشريعية والقضائية معًا. هذا النظام لا يعزز فقط دور المرأة في عملية اتخاذ القرار، بل يعكس فلسفة تشاركية تؤمن بتقاسم السلطة بشكل عادل.
الكوتا النسائية: على الرغم من أنّ نسبة تمثيل المرأة في الهيئات الحكومية قد تزايدت في السنوات الأخيرة، إلا أنّ العقد الاجتماعي يُلزم بتطبيق “كوتا نسائية” في جميع مستويات الإدارة، مما يضمن للمرأة تمثيلًا حقيقيًا في المجالس المحلية، البرلمانات، والمؤسسات التنفيذية. هذا النظام يُمكّن المرأة من المساهمة الفاعلة في صياغة السياسات العامّة.
قوانين لحماية المرأة: العقد الاجتماعي يعترف بشكل صريح بالعنف الجندري كمشكلة مجتمعية كبرى، ويُدرج قوانين صارمة ضدّ العنف الأسري، الزواج القسري، التمييز في العمل، والتمييز في التعليم. هذا يُعتبر من أهم المكتسبات القانونية التي تُحارب التقاليد الرجعية التي كانت تحدّ من حقوق المرأة.
التمكين الاقتصادي للمرأة: يُعطي العقد الاجتماعي أهمية خاصة لتمكين المرأة اقتصاديًا، حيث يتضمن قوانين تدعم المرأة في المشاريع الاقتصادية، وتسهّل لها الحصول على التمويل، وتقضي على التمييز في سوق العمل.
المرأة السورية، خاصة في المناطق التي شهدت صراعًا طويلًا كـ شمال وشرق سوريا تواجه تحديات كبيرة في الحفاظ على هويتها وحقوقها. هذا يشمل:
التحديات الثقافية والاجتماعية: تهدد وجود النساء في المجتمعات التي تنظر إليهن كمواطنات من الدرجة الثانية. التحديات الأمنية: غالبًا ما تجد المرأة مستهدفة من قبل الجهات المعادية لها لأنّ المرأة في شمال وشرق سوريا هي العمود الأساسي للمشروع القائم في المنطقة.
التحديات الاقتصادية: تجعل النساء في هذه المناطق أكثر عرضة للاستغلال والتمييز في سوق العمل.
من خلال العقد الاجتماعي تسعى الإدارة الذاتية إلى خلق بيئة قانونية تُحسّن من وضع المرأة في هذه الجوانب، فالقوانين التي تشمل حماية المرأة وتقديم الدعم النفسي والجسدي للناجيات من العنف تساهم في حفظ الهوية النسائية، وضمان استمرارية دور المرأة في المجتمع رغم الضغوطات.
من خلال العقد الاجتماعي يتم تقديم أدوات قانونية لحماية مكتسبات الثورة النسائية من أن تكون عرضة للتراجع أو الاستغلال. يُعدّ النظام الفيدرالي في شمال وشرق سوريا مؤشّراً على تقوية الهياكل اللامركزية التي تضمن للمرأة مراكز نفوذ في مناطقها، ما يسمح لها بالاستمرار في تمثيل نفسها وحماية حقوقها.
بالإضافة إلى ذلك، يُعدّ العقد الاجتماعي ضمانًا ضدّ أي محاولات لفرض قوانين تمييزية على النساء ، ويمنحهن مساحة أكبر في تشكيل مجتمعاتهن السياسية والمدنية بشكل عادل ومنصف. إذا كانت الثورة السورية قد وضعت المرأة في الواجهة، فإنّ العقد الاجتماعي يضمن لها البقاء في الخطوط الأمامية للمستقبل السياسي لسوريا الجديدة.
رغم الإيجابيات الكبيرة التي يقدمها العقد الاجتماعي، فإنّ الطريق لا يزال مليئًا بالتحديات:
- الضغوط الخارجية والداخلية التي تحاول إضعاف التجربة الديمقراطية وفرض النمط التقليدي القائم على التمييز ضدّ المرأة.
- النضال ضدّ العقلية المجتمعية التقليدية التي لا تزال تعتبر المرأة على هامش المجتمع، هذه العقلية التي يجب مواجهتها عبر العمل التوعوي والتثقيفي المستمر.
- المقاومة من بعض القوى المحلية والعسكرية التي قد تسعى إلى تقويض هذه المبادرات لأسباب سياسية أو أيديولوجية.
- الاحتلالات الأجنبية وعلى رأسها الاحتلال التركي في مناطق مختلفة من سوريا والتي قد تؤثر على استمرارية تطبيق العقد الاجتماعي بشكل كامل.
ورغم هذه التحديات، يبقى العقد الاجتماعي هو الحل الأفضل لحماية حقوق المرأة وتعزيزها، حيث يشكل ركيزة أساسية في عملية البناء السياسي والاجتماعي، من خلال تنظيم الإدارة على أسس ديمقراطية تعطي المرأة حقها في المشاركة.
7- هل تودون قول كلمة أخيرة في نهاية هذا الحوار؟
- أودّ أن أقول إنّ الحفاظ على هوية المرأة السورية ومكتسبات ثورتها لا يمكن أن يتمّ إلا من خلال أطر قانونية تضمن لها المساواة الفعلية، وتمكّنها من أن تكون شريكًا أساسيًا في بناء الدولة والمجتمع. العقد الاجتماعي في شمال وشرق سوريا يُمثل هذه الأداة القانونية والسياسية، ويُسهم في تحصين النساء ضدّ العودة إلى الوراء. إنّه ليس مجرد نص قانوني، بل هو عهد لنساء سوريا، لضمان أن ثورتهن لم تكن مجرّد لحظة تاريخية، بل بداية جديدة لمستقبل مشرق يرتكز على المساواة والعدالة الاجتماعية.
يُعتبر العقد الاجتماعي نموذجًا قابلًا للتوسّع في جميع أنحاء سوريا، ويمكن أن يكون حلاً فعّالًا لتغيير الواقع السياسي والاجتماعي في البلاد. ورغم التحديات الكبيرة تبقى النساء السوريات القوة المحورية في هذا التحول. إنّ توسيع تطبيق العقد الاجتماعي سيكون خطوة حاسمة نحو بناء دولة سورية ديمقراطية حقيقية تحترم حقوق جميع مواطنيها، وبالأخص حقوق المرأة.
