دور المرأة السّورية في العقد الاجتماعي للإدارة الذّاتيّة الديمقراطيّة – فيروز خليل

 دور المرأة السّورية في العقد الاجتماعي للإدارة الذّاتيّة الديمقراطيّة

” تجربةُ الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة دليلٌ عمليٌ

على أنّ النهوض بواقع المرأة ليس حلماً بعيداً،

 بل مساراً قابلاً للتحقيق،

لذلك فإنّ دور المرأة السّورية في العقد الاجتماعي يُمثل علامةً فارقة

 في مسارِ حقوقِ المرأة في المنطقة”

 

فيروز خليل

 

تُعتبر المرأة السّورية رمزاً للقوة والصّمود في قلب تحدّيات تاريخية ومعاصرة، تعكس تنوعاً ثقافياً و اجتماعياً يميّز سوريا الواقعة في ملتقى الحضارات بالشّرق الأوسط. تنتمي النساء السّوريات إلى خليطٍ من المكونات العرقية كـ العرب، الكرد، الأرمن، الآشوريين، التركمان إلى جانب انتماءات دينية مثل الإسلام بمذاهبه المختلفة  والمسيحية أيضاً، مما يُضفي تنوعاً على أدوارهن وتجاربهن.

تاريخياً؛ ارتبط دور المرأة بالسّاحة الخاصّة كحارسة للقيم الأسريّة ومسؤولة عن تربية الأجيال، ومع ذلك شهدت العقود الماضية تطوّراً ملحوظاً في حصول النساء على التعليم والعمل خاصةً في المدن الكبرى، حيث برزت المرأة في مجالات الطب والهندسة والقانون رغم تفاوت الفرص بين الريف والحضر.

بالرغم من الانفتاح الظاهري خلال فترة الحركة التصحيحية بقيت الحركة النسوية السورية في مرحلة جمود، حيث فرض النظام الحاكم آنذاك سيطرته الأمنية والأيديولوجية وحوّلها إلى واجهة زائفة للتحديث، وبالرغم من ارتفاع نسب التعليم بين النساء، ظلّت المشاركة السياسية والفكرية محدودة، ناهيك عن فرض قيودٍ قانونية واجتماعية عزّزتها التحالفات بين النظام ورجال الدين.

لم تشهد سوريا أي إصلاحات حقيقية تُذكر إلا بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011م. هذه الثورة فتحت الباب أمام نقاشات جريئة حول حقوق المرأة، حيث تُعتبر النساء السوريات من أكثر الفئات التي تعرّضت للعنف والتهميش خلال الحرب سواء كان ذلك عنفاً جسدياً أو جنسياً أو نفسياً، فقد كانت المرأة السورية ضحيّة للعنف من جميع الأطراف المتحاربة بما في ذلك القوات الحكومية والجماعات المسلحة، وبالتالي فإنّ النزاع المستمر زاد من تعقيد وضعها وأدى إلى تأثيرات شديدة على حياتها.

خلال الأزمة السورية والظروف السياسية والأمنية المعقّدة التي مرّت بها البلاد، نشأ نموذجٌ إداري وسياسي فريد في شمال وشرق سوريا، يهدف إلى تحقيق حكم ذاتي للمنطقة مع التركيز على المبادئ الديمقراطية والتعددية الثقافية. هذا النموذج المتمثل بالإدارة الذاتية الديمقراطية انبثق من مقاومة الشعوب في شمال وشرق سوريا للسياسات التسلطية، وجاء بهدف بناء نظام ديمقراطي يعكس التنوع الثقافي والعرقي في المنطقة، فهو إطار حكم محلي يعتمد على مشاركة كافة الفئات المجتمعية.

من أبرز ما حققه هذا النموذج هو تمكين النساء في جميع المجالات السياسية والاجتماعية والعسكرية والثقافية والدبلوماسية، حيث شكّلت المرأة في مناطق شمال وشرق سوريا حجر الأساس في المشروع السياسي والاجتماعي للإدارة الذاتية الديمقراطية، وتمّ تكريس دورها الريادي عبر العقد الاجتماعي الذي يُعتبر انتصاراً لفكر الإدارة الذاتية، لأنّه يجسّد المبادئ الأساسية التي تنادي بها هذه الفلسفة ألا وهي “اللامركزية، الديمقراطية التشاركية، التعددية، والمساواة بين المكونات المجتمعية”، وأصبح العقد الاجتماعي يُمثّل الدستور الناظم للحياة في هذه المنطقة، فمنذ بداية الثورة في روج آفا عام 2012م لعبت المرأة دوراً بارزاً في التحولات السياسية والعسكرية والاجتماعية، وهو ما انعكس في الوثيقة الدستورية للإدارة الذاتية التي جعلت من المساواة بين الجنسين ومشاركة المرأة أحد أركانها الأساسية.

أدى هذا النموذج إلى تحوّل جذري في المشهد العام، حيث أصبحت المرأة شريكة كاملة في إدارة الشؤون العامة، على سبيل المثال؛ تمّ تأسيس العديد من الهيئات والمجالس التي تضمّ النساء في مواقع قيادية كـ “المجلس التنفيذي والمجالس المحليّة”. أثبتت النساء قدرتهن على تحمل المسؤولية في أعلى المناصب، ما يعكس التزام الإدارة الذاتية بتحقيق العدالة بين الجنسين، فالمرأة تشارك في سنّ القوانين التي تهدف إلى حماية حقوقها وضمان مشاركتها الكاملة في الحياة العامة، ذلك من خلال هياكل تنظيميّة خاصّة بالمرأة منها مجالس المرأة ومنسقية المرأة. يقوم مجلس المرأة برسم السياسات الاستراتيجية للمرأة وبناء نظام كونفدرالي نسائي، وحماية مكتسبات الثورة النسائية، واتخاذ القرارات الخاصة بالمرأة، فيما تعمل منسقية المرأة على بناء قدرات النساء وتمكينهن في كافة الجوانب الحقوقية والتعليمية والمهنية.

حقق العقد الاجتماعي إنجازات تشريعية مهمّة في مجال حقوق المرأة، منها قانون الأسرة الذي حلّ محل “قانون المرأة” عام 2021م والذي يضمن المساواة في الحقوق الأسرية، ويحظر تعدد الزوجات وزواج القاصرات، ويُلغي نظام المهر التقليدي لكونه قيمة مادية تهدف لاستملاك المرأة. كما أقرَّ أيضاً مبدأ المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة في الميراث رغم التحديات المجتمعية في تطبيقه، ويعاقب العقد الاجتماعي من يمارس العنف ضدّ المرأة، ويضمن لها الحق في التنظيم الذاتي عبر مؤسساتها.

اعتمدت الإدارة الذاتية الديمقراطية منذ تأسيسها على تطبيق نظام الرئاسة المشتركة المتمثل بإشراك كلا الجنسين  في مراكز صنع القرار وصولاً إلى المجال العسكري، فالمرأة جزء من القوات العسكرية  وحدات حماية المرأة “(YPJ) التي لعبت دوراً أساسياً في محاربة أعتى التنظيمات الإرهابية كـ داعش، وبذلك أثبتت المرأة أنّها قادرة على النضال من أجل حقوقها ومجتمعها، وحققت نجاحات ميدانية هامة.

وعلى الرغم من هذه الإنجازات؛ تواجه المرأة في شمال وشرق سوريا تحديات عديدة منها المقاومة المجتمعية وخاصة في المناطق التي تتميز بطابع عشائري ولا سيما المناطق التي خضعت لحكم مرتزقة داعش مثل الرقة ودير الزور، حيث عمقت فترة سيطرتها من العادات والتقاليد الراسخة وتعرضت البنية الثقافية المجتمعية لتحريف عميق تدفع فاتورتها المرأة بشكل خاص، وأيضاً تشير تقارير إلى استمرار العنف ضدّ المرأة، حيث سُجلت خلال جائحة كوفيد-19 حالات انتحار وقتل وإيذاء ضدّ النساء، ما يدل على صعوبات عديدة في تغيير الذهنية الذكورية السائدة.

تسعى الإدارة الذاتية حاليّاً إلى صياغة “عقد اجتماعي خاص بالمرأة” كجزء مكمّل للعقد العام، ذلك بهدف تعزيز حقوق المرأة وخصوصيتها القانونية. ترى القيادات النسائية أنّ هذه الخطوة ضرورية لتوحيد القوانين المتعلقة بالمرأة تحت مسمى واحد، وحماية خصوصية المرأة وقراراتها.

شكّل نموذج الإدارة الذاتية في تمكين المرأة تجربة فريدة في المنطقة العربية، حيث تحوّلت المرأة من موضوع للحماية إلى فاعل رئيسي في صنع السياسات وإدارة المجتمع، فهو نموذج يُحتذى به رغم التحديات المجتمعية والقانونية. إنّ العقد الاجتماعي قد أسس لمرحلة جديدة في تاريخ المرأة السورية، وجعل منها مثالاً يُحتذى به على مستوى العالم كما تصفه بعض القيادات النسائية.

تمرُّ المرأة السورية اليوم بمرحلةٍ حرجة تَجمع بين إرثٍ من المعاناة بسبب الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد وآمالٍ متجددة بالتغيير وسط تحديات معقَّدة، فمنذ عام 2011م تحوَّلت سوريا إلى ساحةٍ لصراعات متعددة الأوجه أثّرت بشكلٍ جذري على حياة النساء، سواء كنَّ نازحاتٍ في الداخل أو لاجئاتٍ في الخارج أو بقينَ في مناطق تشهد استقطابات سياسية وأمنية حادة، وبتحدٍّ غير مسبوق تحمّلت المرأة أعباء الأسرة بعد فقدان المعيل، ورفعت راية التعليم في الخيام والمنازل المهدّمة، وأدارت مشاريع صغيرة لإنقاذ أسرتها من براثن الفقر، وفي مخيّمات النزوح تحوّلت الأمهات إلى معلمات، والممرضات إلى أطباء، والشابات إلى ناشطات يُدافعن عن حقوق الإنسان والسلام.

على الرّغم من الأدوار البطولية التي لعبَتْها النساء خلال سنوات الحرب من المشاركة في الاحتجاجات السلميّة إلى قيادة المبادرات الإغاثيّة وحمل السلاح لحماية أرضها، إلا أنّ الواقع الحالي يُظهر تناقضات صارخة، حيث يظهر وضع المرأة السورية حالياً كمزيج من التحديات التاريخية والفرص الناشئة بعد سقوط نظام البعث البائد مع وجود تفاوت في التقدم بين المناطق والمجالات.

بعد الإطاحة بنظام الأسد في ديسمبر 2024م، بدأت النساء السوريات بالمطالبة بدور أكبر في العملية السياسية، خاصة في صياغة الدستور الجديد وإدارة المرحلة الانتقالية، وهناك دعوات لتخصيص كوتا نسائية لا تقل عن 30% في الهيئات التشريعية والتنفيذية. على الرغم من تشكّل المجلس الاستشاري النسائي عام 2016م بدعم أممي لضمان مشاركة المرأة في مفاوضات السلام، وهو نموذج فريد يعتزم تعميمه في مناطق أخرى، مع ذلك لا تزال تصريحات بعض المسؤولين الجدد تُشكك في قدرة النساء على تولي مناصب كالدفاع أو القضاء، ما أثار جدلاً حول نوايا الحكومة الانتقالية. في المقابل تُظهر الناشطات السوريات صموداً لافتاً من خلال الحملات المطالبة بإصلاح التشريعات، وخلق مساحاتٍ آمنة للمرأة في العمل والتعليم.

بينما تسعى مناطق شمال وشرق سوريا إلى تعزيز حقوق المرأة عبر القوانين والتشريعات وتضمن التمثيل السياسي لها، تُشير تقارير دولية إلى تدهور الأوضاع في مناطق أخرى في سوريا، حيث تتفشى ظواهر مثل زواج القاصرات، الحرمان من التعليم، العنف القائم على النوع الاجتماعي، ولا يقتصر التحدي على الجانب الاجتماعي فحسب، بل يمتد إلى الإطار القانوني والسياسي، فالقوانين السورية لا تزال تُقيِّد حقوق المرأة في الجنسية والإرث وحتى في المشاركة السياسية الفاعلة.

هذا المشهد المُركّب يجعل من قضية المرأة السورية مرآةً تعكس تعقيدات المرحلة الانتقالية التي تمرّ بها البلاد -صراعٌ بين إرث الدّمار وطموح البناء، وبين النزعات المحافظة ودعوات الحداثة، وبين الخطاب الدولي حول الحقوق والواقع المحلي المليء بالثغرات- فنجاح المرأة في المرحلة الانتقالية سيعتمد على ضمان تمثيل عادل في مؤسسات الحكم وإصلاح القوانين واستمرار الدّعم الدولي والمجتمعي. على الرغم من أنّ النساء في سوريا كان لهنّ وجود في الحياة السياسية قبل الحرب إلا أنّ النزاع أضعف تمثيلهنّ في هذا المجال، وعلى الرغم من جهود بعض المنظمات النسائية لتمثيل المرأة في مختلف الهيئات السياسية إلا أنّ تمثيل المرأة في السياسة السورية لا يزال محدوداً.

إنّ هذا المشهد لا يكشف إلا عن جزءٍ من الحكاية، لكنّه يُشير إلى أنّ طريق تحقيق العدالة للمرأة السورية لا يزال طويلاً ومرهوناً بإرادة التغيير من الداخل ودعمٍ حقيقي من المجتمع الدولي. المرأة السورية تستحق الدّعم العالمي لضمان مشاركتها الفعّالة في صنع السلام، فالنساء السوريات يمتلكن إرادة قوية، وقد يصبحن عاملاً رئيسياً في إعادة بناء سوريا مستقبلاً، لكن ذلك يتطلّب دعماً محلياً ودولياً مستمراً.

تبقى تجربة الإدارة الذاتية الديمقراطية دليلاً عملياً على أنّ النهوض بواقع المرأة ليس حلماً بعيداً، بل مساراً قابلاً للتحقيق إذا توفرت الظروف الملائمة والإرادة المجتمعية والسياسية. هذه التجربة رغم محدوديتها الجغرافية شكّلت بارقة أمل للمرأة السورية، وأثبتت أنّ التغيير ممكن حين تتوفر الإرادة والبيئة الداعمة. بينما لا تزال نساء كثيرات في مناطق أخرى من البلاد يعانين من الإقصاء والعنف والتمييز، لذلك فإنّ دور المرأة السورية في العقد الاجتماعي للإدارة الذاتية يمثل علامة فارقة في مسار حقوق المرأة في المنطقة.

هنا نستنتج أنّه في ثورة 19 تموز شكّل حضور المرأة في المجالس والإدارات واللجان نموذجاً ريادياً في كسر المركزية الذكورية. لم يقتصر هذا الحضور على تمثيل رمزي بل تجلّى في إرساء آليات تشاركية حقيقية في مراكز صنع القرار عبر نظام الرئاسة المشتركة الذي غيّر المعادلة التقليدية للسلطة وأعاد توزيعها بشكل عادل. هذا النموذج كان ثمرة نضال طويل خاضته النساء في مواجهة التهميش، متحصّنات بإرادة ثورية ترى في حرية المرأة شرطاً أساسياً لحرية المجتمع.

اليوم؛ المرأة السورية ليست ضحية يُرثى لها، فهي قائدةٌ مرئيّةٌ وخفيّة في آنٍ واحد، تحمل جراح الماضي بأملٍ واثق وتزرع في الحاضر بذوراً تُزهر سوريا جديدة مستقبلاً حيث العدل والمساواة هما الأساس. نسجت من قوة روحها شبكة أمانٍ للكل لتصبح رمزاً للصمود في وجه العاصفة، وتُذكّرنا بالإرث التاريخي العظيم لنساء سوريا ابتداءً من زنوبيا إلى روايات أزقة دمشق، وتُضيف إليهن فصلاً جديداً من الإبداع.

بوركت تلك النساء السوريات اللاتي حوّلن الحزن إلى قوة، والدّمار إلى إرادة، واليأس إلى إبداع. في عيونهنّ نرى انعكاساً لسماءٍ أكثر إشراقاً، تُنبئ بأنّ المستقبل ورغم كل شيء سيكون لهنّ فيه كلمةٌ عاليةٌ تُسمَع.