العقدُ الاجتماعي.. انتصارٌ لفكر الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة – ياسمين مشايخ
العقدُ الاجتماعي.. انتصارٌ لفكر الإدارة الذاتيّة الديمقراطيّة

“العقدُ الاجتماعي نموذجٌ فريدٌ يرفضُ النّموذج الهرمي
التقليدي للسّلطة، ويؤسسُ لبُنيةٍ لا مركزيّة
تعتمدُ على المجالسِ والكومينات كأدواتٍ للحكم المحلّي،
هكذا تُصبحُ الديمقراطيّة ممارسة حياتيّة يوميّة
لا مجرّد شعارات انتخابية”
ياسمين مشايخ
في منطقةٍ تتقاذفها الأزمات وتُثقلها تركة قرونٍ من الاستبداد والمركزية والتهميش الممنهج للمجتمعات المحليّة، يبرز العقد الاجتماعي الذي صاغته الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا عام 2023 كنموذجٍ سياسي وأخلاقي يُعيد تعريف علاقة المجتمع بالسلطة. لا يقتصرُ هذا العقد على كونه وثيقةً قانونية تنظّم الحياة السياسية، بل هو مشروعٌ ثوريٌّ جذريٌّ يستند إلى رؤية فلسفيّة وفكريّة عميقة تتجاوز مفاهيم الدولة القوميّة والسّلطة الأحاديّة، ويطمح إلى تحقيق العدالة من خلال مشاركة الناس الفعليّة في اتخاذ القرار، وتطبيق مبدأ الأمّة الديمقراطية الذي يعترف بتعدد الهويات والثقافات واللغات.
هذا العقدُ الاجتماعي جاء ثمرةً للتضحيات التي قدّمها الشعب، ووفاءً لدماء الشهداء الذين استشهدوا دفاعاً عن شعبهم، ونتيجة مشاورات واسعة شملت مئات الآلاف من المواطنين من مختلف المكونات (كرد وعرب وسريان وآشور وتركمان وأيزيديين وغيرهم) في إطارٍ أشبه بمؤتمر شعبي دستوري غير مسبوق، ما يمنحه شرعية شعبية واسعة، ويجعله بمثابة دستور مدني متقدّم أمام أطروحات أخرى لا تزال قصيرة النظر وغير مدركة لطبيعة المجتمع السوري القائمة على التنوع.
يستند العقد الاجتماعي في مناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية إلى مبادئ وضع أسسها المفكر عبد الله أوجلان، الذي رأى في الإدارة الذاتية الديمقراطية مشروعاً بديلاً عن الدولة القومية ذات الطابع الاستبدادي. ففي إحدى مرافعاته يوضح الفيلسوف عبد الله أوجلان أنّ “الدولة القومية ليست إلا ديكتاتورية باسم الأمة، وأي تحرر لا يغيّر طبيعة الدولة سيقود إلى استبداد جديد”، يريد أن يبين هنا أنّ الدولة القومية تُخفي الاستبداد تحت شعار تمثيل الأمة، فهي تفرض هويّة واحدة، وتقمع التعدد والاختلاف، ويرى أنّ أيّ حركة تحرر لا تغيّر من شكل الدولة وبنيتها السلطوية، ستعيد إنتاج الظلم بشكل جديد. فبدلاً من التحرر الحقيقي، ينتج نظام ديكتاتوري آخر فقط بوجوه وشعارات مختلفة، لكنّه يُبقي السّيطرة بيد نخبةٍ حاكمة.
كما يُركّز العقد الاجتماعي في بنوده على إشراك المرأة في كافة المجالات، ليس كشريك رمزي بل كفاعل سياسي رئيسي، حيث نصّت المادة 24 منه على أهميّة نظام الرئاسة المشتركة في كافة المجالات، وتعزيز مبدأ المساواة بين الجنسين بعيداً عن الإقصاء والتهميش، وتكريس كافة الجهود لتحقيق نظام كونفدرالي ديمقراطي يدعم الدور السياسي والدبلوماسي في جميع الأحزاب، حتى تتمكن المرأة من لعب دورها بشكل أفضل على الصّعيد المحلي والإقليمي.
من هنا نستنتج أنّ العقد الاجتماعي يرفض النموذج الهرمي التقليدي للسلطة، ويؤسس لبنية لا مركزيّة تعتمد على المجالس والكومينات كأدوات للحكم المحلي، وهكذا تصبح الديمقراطية ممارسة حياتية يومية لا مجرّد شعارات انتخابية، وذلك بالاستناد إلى مقولة المفكر عبد الله أوجلان التي تنص على أنّ “الديمقراطيّة الحقيقية لا تُهدى من الأعلى، بل تُبنى من الأسفل”. في الواقع إنّ هذه المقولة العميقة توضّح جوانب الإدارة الذاتية الديمقراطية التي ليست تنظيراً مجرّداً، بل تجربة قائمة على الأرض. تتمثل أبرز ملامحها في:
– التعددية المجتمعية من خلال تمثيل المكونات القومية والدينية كافة ضمن هيئات الإدارة، فيتحوّل المجتمع من فسيفساء مهمّشة إلى كيان متكامل ومتضامن.
– اللامركزية السياسية التي تدير المناطق بواسطة مجالس محليّة، ما يحد من تركّز السلطة في مركز واحد، ويجعل كل منطقة مسؤولة عن شؤونها.
– الاقتصاد التّشاركي وذلك من خلال دعم التعاونيّات والمبادرات الجماعية، حيث يُعاد توزيع الثّروة ويهمّش الاقتصاد الرأسمالي الذي يُعزز الفوارق الطبقية.
إنّ هذه البنية تمنع بشكل فعلي تمركُز القوة والثروة، وتجعل من السلطة عملية تشاركية وليست امتيازاً للنّخب. لكن أكثر الأسئلة حساسية في تاريخ المنطقة تتعلق بقضية تحوّل المحررين إلى قوة تسلطية ديكتاتورية مستبدة، فمن حكم جمال عبد الناصر إلى القذافي مروراً بالأسد، وليس انتهاءً بالأنظمة التي تبنّت المقاومة.
كل تلك النماذج التي تحوّلت إلى أنظمة قمعيّة، ولم تكن الثورة البلشفية خالية من ذلك أيضاً، بالإضافة إلى حكومة ماو تسئ يونغ في الصين، هي حالة أو ظاهرة تتكرر من خطاب ثوري تحرري إلى واقع سلطوي، وتكمن الإجابة الحقيقية أو البديل الثوري لهذه القضية الشائكة بما تحمله من خيانة للثورة وبما تمارسه من قمع للحريات. إنّ العقد الاجتماعي يقدّم معالجة جذريّة لهذه الإشكاليّة، كما يقدّم المفكر عبد الله أوجلان شرحاً واضحاً لهذه القضيّة بقوله “الثورة التي لا تُحرر المجتمع من عقليّة السّلطة، تتحوّل إلى وسيلةٍ جديدة للعبوديّة”.
انطلاقًا من هذه الرؤية فإنّ العقد الاجتماعي يعتمد على ثلاثة ركائز أساسية للحل:
1- تفكيك الدولة المركزية: يرى أنّ مركزية الدولة تُسهّل الاستبداد، وبالتّالي فإنّ تفكيكها لصالح الحكم المحلّي هو خطوة وقائيّة ضدّ الطغيان، بهدف تعزيز الحكم الذاتي، والمشاركة الشعبية، وإنهاء الاحتكار السياسي، وبناء نظام أكثر ديمقراطية وتعددية يراعي خصوصيات المجتمعات المحلية.
2- رقابة شعبيّة مستمرّة: السلطة في ظل العقد ليست مطلقة بل تراقب من قبل هيئات مدنية ومجالس منتخبة، ما يخلق توازناً في الصلاحيّات. أي تقوم على مشاركة المواطنين في متابعة القرارات والإجراءات، وتمنع احتكار السلطة أو الفساد، مما يعزز الثقة بين الناس والمؤسسات ويُرسّخ مبادئ الحكم التشاركي.
3- تغيير الثقافة السياسية: من خلال التعليم والسياسة المجتمعية يتم محو ثقافة “الزعيم المنقذ” لصالح فكرة “المجتمع المنظّم ذاتيّاً”. أي الانتقال من الخضوع للأنظمة الاستبدادية إلى تبنّي قيم الديمقراطية والحوار وتعزيز وعي الأفراد بدورهم كمواطنين فاعلين، وتوسيع مشاركتهم في صنع القرار وبناء نظام سياسي عادل وشامل.
بذلك؛ يصبح العقد الاجتماعي بمثابة حصانة مجتمعية ضدّ عودة الطغيان لأنّه لا يعيد إنتاج السلطة بل يعيد توزيعها. فالمواطن في هذا النظام ليس مجرّد متلقٍ للقرارات بل شريكٌ في صناعتها. المفكر عبد الله أوجلان يضيف فهماً حول تنظيم المجتمع قائلاً: “المجتمع الذي ينظّم نفسه، لا يحتاج إلى سلطة فوقه، بل يصبح هو ذاته سلطة الحياة”، أي أنّه يرى أنّ التنظيم الذاتي للمجتمع هو أساس الحرية الحقيقية. فعندما يتمكّن الناس من إدارة شؤونهم بأنفسهم عبر المجالس و الكومينات والمؤسسات، فإنّهم لا يعودون بحاجة إلى سلطة مركزية تفرض عليهم قراراتها، بل إنّ المجتمع المنظّم يصبح هو من ينتج القرارات، ويضع القوانين، ويدير الحياة العامة بطريقة تشاركية. هنا يكمن الفرق الجوهري بين مشروع الدولة التقليدية التي ترى في الناس أدوات لتحقيق سياساتها، ومشروع الإدارة الذاتية الذي يرى في الناس غاية التنظيم الديمقراطي ووسيلته. إنّ تجربة الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا ليست معزولة عن محيطها بل هي دعوة مفتوحة لإعادة التفكير في شكل الدولة والسلطة في الشرق الأوسط برمّته.
فبعد سقوط النظام البعثي البائد في سوريا كانت الآمال تتوجه نحو مرحلة جديدة تتجسد فيها العدالة والحرية والديمقراطية، لتضع حدّاً لعقودٍ من الاستبداد والقمع، إلا أنّ الإعلان الدستوري الذي أقرّته سلطة الجولاني جاء ليُعزز استمرارية ما كان سائداً في عهد البعث، ومخيباً للآمال لأنّه يعيد إنتاج العقلية الذكورية التي تقف وراء سياسات الإقصاء والتمييز، ويتجاهل مساهمة المرأة السورية في النضال ضدّ الديكتاتورية.
يمكنني القول إنّ سوريا بحاجة إلى إعادة صياغة للإعلان الدستوري، ليكون نتاج إرادة شعبية حقيقية نابعة من حوار وطني جامع لا يقصي أحداً، ويأخذ بعين الاعتبار التنوع العرقي والديني والثقافي الغني الذي تتميز به سوريا، ويحمي الحقوق الأساسية لكل المواطنين دون تمييز. إعلان دستوري كهذا لا يمكن أن يكون مفروضاً من الأعلى بل يجب أن يكون نتاجاً لتوافق واسع بين مكوّنات المجتمع السوري، بما يمهّد لبناء دولة ديمقراطية مدنية عادلة، تضع كرامة الإنسان في قلب مشروعها السياسي والاجتماعي.
هناك فرقٌ كبير بين العقد الاجتماعي والدستور. فميثاق العقد الاجتماعي يعتمد على المجالس الشعبية، ولكن في الدساتير التي تضعها الدول فإنّ المركزية المطلقة هي التي يتم الاعتماد عليها، إضافةً إلى ذلك فإنّه في ظل الإدارة الذاتية تتم حماية الشعوب والمكونات التي تتكون منها المنطقة، وذلك على أساس المساواة بين الجميع، مع احترام خصوصيتهم، بينما في دساتير الدول لا سيّما دول الشرق الأوسط فإنّها تعتمد على تهميش هويات الشعوب المتعايشة.
لذلك؛ فالعقد الاجتماعي يقدّم تصوراً متقدماً لدولة مدنية حديثة قائمة على أساس التعايش، والاعتراف المتبادل، والعدالة الاجتماعية، لأنّه مشروع يحمل في طياته إمكانيات التحول السلمي والجذري، ويفتح أفقاً جديدةً لبناء شرق أوسط يتجاوز دول الطغيان وثقافة الاستبداد ويعزز فكرة أنّ الحلول السياسية تبدأ من القاعدة، من المجتمع، وليس من مراكز القرار المغلقة أو المحاصصات الإقليمية. منه؛ فإنّ العقد الاجتماعي ليس مجرّد وثيقة بل هو روح جديدة للسياسة والمجتمع، وتجسيد عملي لفلسفة المفكر عبد الله أوجلان حول الديمقراطية الحيّة، والجواب الأهم على السؤال الوجودي للمنطقة: كيف لا نتحول إلى ما قاتلنا ضدّه؟
إلى ذلك؛ يمكنني التطرّق إلى الخطوات الفعّالة التي تقوم بها المرأة في شمال وشرق سوريا، وقدرتها على مجابهة الصعاب وتكليل هذه النتاجات بكتابة عقد خاص بها يحفظ حقوقها ومكتسباتها ويعزز دورها في القرارات الحاسمة ضمن أيديولوجية حرّة. كتابة هذا العقد تهدف إلى وضع استراتيجية للعمل النسوي المشترك في شمال وشرق سوريا، ووضع آلية أساسية وموحدة تحقق تطلعات النساء ليس في المنطقة فقط بل في سوريا عامة.
تستطيعُ المرأة السورية أن تُشارك في كتابة العقد الاجتماعي الخاص بها، من خلال التمسّك بمبادئ العدالة والمساواة والوعي التّام بمفهوم العقد الاجتماعي، ومعرفة الحقوق الدستورية، والعمل على كسر الذهنية الذكورية والعادات والتقاليد البالية، وتشكيل جبهة نسائية لأنّ العمل الجماعي يمنح القوة والاستمرارية. فبالرغم من أنّ المرأة السورية تعيش على نفس الجغرافيا مع نظيراتها في شمال وشرق سوريا، إلا أنّ الأخيرة تختلف تجربتها عن الأولى حيثُ أُتيحت لها الفرصة بعد سنوات من النضال والعمل الدؤوب للمشاركة في صنع القرار سواء سياسياً أو اجتماعياً أو ثقافياً أو حتى عسكرياً، دون الابتعاد عن مبادئ الحياة النِديّة. يمكنني هنا التأكيد؛ أنّ المرأة السورية التي دفعت الثمن الأكبر خلال سنوات الأزمة لها الحق في صياغة الدستور وقيادة المرحلة الراهنة للوصول بسوريا إلى بر الأمان.
نستنتج؛ أنّ ثورة 19 تموز المعروفة بثورة المرأة شكّلت انطلاقة أساسية لتحرر المرأة من المجتمع الأبوي ونظام الدولة الذي كان يحكمها، وأتاحت لها الفرصة لممارسة دورها الريادي في بناء نظام مجتمعي جديد قائم على أساس اللامركزية والديمقراطية، وتأسيس مؤسسات نسائية تضع قضايا المرأة أولى اهتماماتها، وذلك استناداً على فلسفة “المرأة- الحياة – الحرية” التي تُعدّ أحد أسس مشروع الأمة الديمقراطية. بالتالي اكتسبت الثورة شهرة عالمية وأصبحت مثالاً يُحتذى به، باعتبارها ثورة اجتماعية تلعب فيها المرأة دوراً مركزياً في المجتمع والسياسة وحتى في ساحة المعركة.
هنا نؤكّد أنّنا استطعنا من خلال ثورتنا إثبات أنفسنا، وسنواصل العمل حتى القضاء على الذهنية الذكورية بالكامل ونيل النساء حريتهن وبناء مجتمع تسوده الحياة الندية التشاركية، لأن لا سلام ممكن دون مشاركة المرأة، ولا ديمقراطية دون تحررها الكامل. كما يتوجّب علينا نحن كنساء رفع وتيرة النضال والعمل بشكل تنظيمي أكثر، من أجل جعل المرأة قوى فاعلة على مستوى سوريا والشرق الأوسط والعالم، إلى جانب تكثيف الدورات الأيديولوجية للمرأة وتدريبها من الناحية الذهنية والإدارية والمهنية لخلق شخصية قوية ومستقلة.
