دور المرأة في تعزيز الثقافة الكومينالية – مولودة إيبو

دور المرأة في تعزيز الثقافة الكومينالية

“أدركتْ المرأةُ أنّها بحاجةٍ إلى العملِ لتحقيق حرّيتها،

والوصول إلى إرادةٍ حرّةٍ عبر بناءِ شخصيةٍ

قادرةٍ على تمثيلِ المجتمع الكومينالي

الذي يسعى للعدالةِ والمساواة وبناء مجتمعٍ ديمقراطيٍّ حر”

 

مولودة إيبو

لكي نصل إلى حقيقة الكومينالية علينا أولًا أن نُعرّف مفهوم المجتمعية. لماذا المجتمعية؟ وهل يمكن العيش بدونها؟ وإذا لم نستطع بناء المجتمعية، فهل يمكننا الحديث عن الديمقراطية أو السلام أو الاشتراكية أو أمةٍ ديمقراطية تسعى نحو الحرية؟ هنا يجب التطرّق إلى مفهوم المجتمعية باعتبارها شبكة من العلاقات بين الناس ترتكز على دراسات علمية في السياسة، الدبلوماسية، الاقتصاد، البيئة، الفلسفة، الصحة وغيرها من المجالات. إنّها منظومة تهدف إلى توحيد أفراد المجتمع، وتقوم على الاستمرارية والديمومة من خلال أعراف وسلوكيات وقيم مشتركة رغم اختلاف الآراء والأفكار.

المجتمعية تلعب دورًا محوريًّا في توجيه الأفراد والتأثير فيهم سواء بشكل إيجابي أو سلبي. مصطلح المجتمعية مشتق من الفعل “جمع” أي “الجماعة”. فالمجتمع نشأ أساسًا من التجمع في مكان واحد وعلى أرض واحدة بهدف الحماية واستمرارية الحياة، ومن هنا يُقال “الحاجة أم الاختراع”. لكن كيف بدأ هذا الجمع؟ ومن الذي لعب الدور الأساسي في تكوينه؟

عند التمعّن في التاريخ؛ نجد أنّ المرأة – وبخاصة الأم الإلهة – كانت هي صاحبة هذا الدّور نسبة إلى طبيعتها الفيزيولوجية وعلاقتها العميقة بالطبيعة، حيث سعت لحماية أبنائها واستمرار الحياة. هذه الطبيعة جعلت منها أمّاً مبدعة وخلّاقة في آنٍ واحد، وهي التي وضعت أولى قواعد العدالة والمساواة الاجتماعية، حتى وإن كانت هذه القواعد بدائية وبسيطة. لقد زرعت الأم في المجتمع روح الحب، ووضعت أسسًا أخلاقية تؤمن بأنّ الفرد لا يمكن أن يكون فردًا بمعزل عن الجماعة التي ينتمي إليها، فالفرد يخدم الجماعة، والجماعة تخدمه بالمقابل.

لكن اليوم تغيّرت الأمور؛ ظهرت الدولة القومية السلطوية التي لعبت دورًا سلبيًا، وفرضت الفردانية بدل المجتمعية. تم التلاعب بالمجتمع عبر وسائل الإعلام والمدارس والجامعات والمساجد والكنائس والأسواق، فصارت الذهنية المجتمعية خاضعة لهيمنة هذه المؤسسات، وجرى تضليل الإنسان خلف لقمة العيش والمظاهر الملونة.

هذا الواقع جعل مهام المرأة اليوم شاقّة كجبل. المرأة التي كانت رائدة أصبحت في كثير من الأحيان سلعة تُباع وتُشترى، فهل من السّهل إقناع المرأة بأنّ هذا ليس قدرها بل واقع فُرض عليها؟ الأمر يحتاج إلى روح تضحية ووعي وإبداع وجسارة لا مثيل لها. الدواء هنا هو نظام الأمّة الديمقراطية الذي يُمثّل ضرورة لا بدّ منها. لقد أدركتْ المرأة أنّها بحاجةٍ إلى العمل لتحقيق حريتها، والوصول إلى إرادة حرّة عبر بناء شخصيّة قادرة على تمثيل المجتمع الكومينالي الذي يسعى للعدالة والمساواة. ترى المرأة في نفسها وريثة مجتمع الأم الإلهة الذي دام أكثر من 30 ألف عام. المرأة في شمال وشرق سوريا على سبيل المثال أظهرت إرادةً قوية وجسارة في إحياء روح الكومينالية، واعتبرتها الطريق الوحيد لبناء مجتمع السّلام والديمقراطية. فهي تعرف أن لا حياة بدون الكومين لأنّه هو ما يوحّد الخلايا المجتمعية، ويدرّبها، ويُوعّيها سياسيًا واقتصاديًا وبيئيًا وصحيًّا.

الكومينالية تقوم على مبدأ العدالة والمساواة الاجتماعية، وتبتعد عن جميع أشكال الحرب الخاصّة التي تتبعها الذهنيّة السّلطويّة الذّكوريّة. لذلك نقول بأنّ المرأة المنظّمة الواعية قادرة على مواجهة التحديات. بدون تنظيم نفسها، وزرع المحبة بين النساء أولًا ثم في المجتمع عامّةً، لن تتمكن المرأة من لعب دورها الكامل في برنامج بناء المجتمع. تحقيق المجتمعية يعتمد على بناء الكومينات والكوبراتيفات النسائية التي تهدف إلى القضاء على الاحتكار، السمسرة، والابتزاز، أي إفشال سياسات فرّق تسد.

الكومينات النسائية هي تجمعات اجتماعية تكون المرأة محورها الأساسي، كما كانت في مجتمع الأمومة المقدّسة، ولكي تُطبّق هذه الفكرة تعمل المرأة على تنظيم المجتمع بجميع فئاته، لأنّها تعلم تمامًا أنّه لا حياة بدون تنظيم. المرأة المنظّمة هي من تحمل روح الجمال في قلبها وتقوم بجمع الأفراد من حولها – من عائلتها ومحيطها- وتوعّيهم وتُصادقهم في السّراء والضّراء. هي تعلم أنّ الحياة لا تستمر إلا بالتفاعل مع المحيط تمامًا كما فعلت أمهاتنا منذ القدم، الأمهات اللواتي كنّ حجر الأساس في بناء الحضارة الإنسانية.

كلّنا نتذكر الحياة القروية التي كانت مبنيّة على التكافل والمشاركة، حيث يعمل الجميع معًا بروح الأخوّة والمحبة. وقد شدد المفكر عبد الله أوجلان على أهمية العودة إلى “حياة القرية” و”الكومين”، كأساس لحياة تشاركية قائمة على الكوبراتيف، أي المشاركة الجماعية بعيدًا عن الاحتكار والاستغلال. لهذا؛ علينا معالجة الواقع الاجتماعي من خلال سياسة السلام والمجتمع الديمقراطي، والتي تهدف إلى تجاوز الذهنية الفردية السلطوية وبناء مجتمع سليم. لقد تعلّمنا من الفيلسوف عبد الله أوجلان أنّ “الإنسان هو أعظم تقنية” أي أنّ الإنسان قادر على إعادة تشكيل ذاته والخروج من مفهوم “القدريّة”، الذي يقول “المكتوب على الجبين لازم تشوفه العين”، وهو ما يستخدمه المستغِلون لإعاقة الإبداع والبناء الاجتماعي.

في المقابل؛ يأخذ نظام الكومين مبدأ العقد الاجتماعي أساسًا له، ويؤمّن له الاستقلالية في جميع المجالات (الحماية، التدريب، الاقتصاد) وتقديم الحلول للمشاكل الاجتماعية. هذا النظام يعمل بروح علمية مفعمة بروح العصر، ويؤمن بأنّ تنظيم المرأة هو ضمان المجتمعية بكل أبعادها السياسية والاجتماعية والدبلوماسية، وهو مشروع السلام للأمة الديمقراطية. حيث يؤكد المفكر عبد الله أوجلان أنّ “فردَ الأمةِ الديمقراطيةِ يَجِدُ حريتَه في كومونيةِ المجتمع، أي في العيشِ على شكلِ مجموعاتٍ صغيرةٍ أكثر فاعلية، وبقولٍ آخر فالكومونة أو المجموعةُ الحرةُ والديمقراطيةُ هي المدرسةُ الأوليةُ التي ينشَأُ فيها فردُ الأمةِ الديمقراطية.

العودة إلى الجذور التاريخية للشرق الأوسط، مهد الحضارات، من ميزوبوتاميا السفلى إلى العليا، يُظهر لنا مدى عراقة المجتمعات التي بنت حضارة إنسانية عظيمة رغم التحديات التي لا يمكن اختزالها في كتب أو مؤلفات. للأسف، لم يُكتب تاريخنا بشكلٍ عادل، بل تمّ تدوينه من قبل الفئات السلطوية وفق مصالحها الضيّقة، وهذا ما يُفسّر تغييب الحقيقة التي عاشتها شعوبنا من حضارة ورفعة. مع ذلك، بقيت آثار هذه الحضارة قائمة، وواجهت تحدّيات السّلطة والمجتمع الفئوي، واستمرّت المقاومة من فجر التاريخ وحتى يومنا هذا.

إنّ مقاومة شعبنا وفكر الفيلسوف عبد الله أوجلان أثبتت أنّ السلام يُنتزع بالوعي، والدليل هو مقاومة شعبنا في شمال وشرق سوريا، والتي تُعبّر عن استمرارية الحياة بروح المقاومة العالية، وخاصّة المرأة الثوريّة التي تتخذ من الحرب الشعبيّة الثورية مبدأ لها، وتتحدى بها الذهنية السلطوية، وتتجه بإرادة حرّة نحو مستقبلٍ مشرق.