المواطن الحر وحياة الكومونة الديمقراطية في الأمة الديمقراطية – المفكر عبدالله أوجلان
المواطن الحر وحياة الكومونة الديمقراطية في الأمة الديمقراطية

“إنّ فردَ الأمةِ الديمقراطيةِ يَجِدُ حريتَه في كومونيةِ المجتمع،
أي في العيشِ على شكلِ مجموعاتٍ صغيرةٍ أكثر فاعلية.
وبقولٍ آخر، فالكومونة أو المجموعةُ الحرةُ والديمقراطيةُ هي المدرسةُ الأوليةُ التي ينشَأُ فيها
فردُ الأمةِ الديمقراطية
لذا، لا فردانية لِمَن لا كومونة له أو لا حياة كومونالية له”
المفكر عبدالله أوجلان
بالرغمِ من التعاريفِ الواسعةِ لنماذجِ إنشاءِ الأمة، إلا إنه بالمستطاعِ صياغةُ تعريفٍ عامٍّ يشملُها جميعاً. ألا وهو التعريفُ القائلُ بأنّ الأمةَ معنيةٌ بالذهنيةِ والوعيِ والعقيدة. والأمةُ في هذه الحالةِ هي مجموعُ الأناسِ الذين يتشاطرون عالَماً ذهنياً مشتركاً. وعليه، فالدين واللغة والثقافة والسوق والتاريخ والحدودُ السياسية ليست أموراً مُعَيِّنةً في تعريفِ الأمةِ هذا. بل إنها تؤدي دوراً مُجَسِّماً لا أكثر. وفي الأساس، يتسمُ تعريفُ الأمةِ بناءً على حالةٍ ذهنيةٍ ما بطابعٍ ديناميكيّ. فبينما تتركُ القومويةُ بصماتِها على الذهنيةِ المشتركةِ لدى أمةِ الدولة، فإنّ ما يضفي صبغتَه على الأمةِ الديمقراطيةِ هو وعيُ الحريةِ والتعاضد. لكنّ تعريفَ الأممِ بالحالاتِ الذهنيةِ فحسب يُبقي ذاك التعريفَ ناقصاً. فكيفما أنه لا وجود للذهنياتِ من دونِ جسد، فالأممُ أيضاً غيرُ ممكنةٍ إلا بوجودِ الجسد. وجسدُ الأممِ ذاتِ الذهنيةِ القومويةِ هو مؤسسةُ الدولة. وبالأصل، تسمى مثل تلك الأممِ بالدولةِ القوميةِ انطلاقاً من بدنِها ذاك. وعندما تطغى المؤسساتُ القانونيةُ أو الاقتصادية، فبالمقدورِ تمييزُ مثل تلك الأممِ بنعتِها بأمةِ السوقِ أو أمةِ القانون. أما بدنُ الأممِ المتمحورةِ حول ذهنيةِ الحريةِ والتعاضد، فهو شبهُ الاستقلالِ الديمقراطيّ. أي إنّ شبهَ الاستقلالِ الديمقراطيّ يعني أساساً قيامَ الأفرادِ والمجموعاتِ التي تتشاطرُ ذهنياتٍ متقاربةً بإدارةِ نفسِها بإرادتِها الحرة. هذا وبالإمكانِ تسميةُ ذلك بالإدارةِ الديمقراطية أو بالاقتدارِ الديمقراطيّ. إنه تعريفٌ منفتحٌ على الكونية. على ضوءِ هذه التعاريفِ العامةِ بشأنِ الأمة، فإنّ KCK يرفضُ المقاربات الدولتيةَ القوميةَ في حلِّ القضيةِ الوطنيةِ الكردية. ويعملُ أساساً بمقتضى تجسيدِ النموذجِ الوطنيِّ الديمقراطيِّ وحقِّ الكردِ في التحولِ إلى أمةٍ أو إلى ظاهرةِ المجتمعِ الوطنيِّ مُجَسَّماً في شبهِ الاستقلالِ الديمقراطيّ. ما يَسري هنا هو تعريفُ أمةٍ بجسدٍ واحدٍ منفتحٍ على تعريفِ أمةٍ عليا تتألفُ بمَعيّةِ الأممِ الأخرى (كالأمةِ التركيةِ على سبيلِ المثال). وبالإمكانِ توسيعُ نطاقِ تعريفِ الأمةِ العليا بحيث تحتضنُ العديدَ من الأمم. وباستطاعتِنا تَصَوُّرُ الأمةِ الإسلاميةِ نموذجاً بِدئياً لهذا التعريف. وترجحُ كفةُ الاحتمالِ لصالحِ توحيدِ الثقافاتِ المجتمعيةِ للشرقِ الأوسطِ في بوتقةِ مِلّةٍ–أمةٍ مشتركة، أي أمةٍ مستَحدَثة، عاجلاً كان أم آجلاً.
بالمقدورِ التفكيرُ أولاً ببُعدَين اثنَين فيما يخصُّ تحولَ الكردِ إلى أمةٍ على هدى تلك المصطلحاتِ الأساسية. أولُهما البُعدُ الذهنيّ. نتكلمُ هنا عن البُعدِ الوجوديِّ لمَن يتشاطرون عالَماً ذهنياً (عالَم الذهنية المشتركة) عامراً بعواطفِ التعاضدِ والتكافلِ المشترك، ويوحِّدُ حالاتِهم الواعيةَ المعنيةَ بحقولِ اللغةِ والثقافةِ والتاريخِ والاقتصادِ والتوزعِ السُّكّانيّ، دون إهمالِهم لآفاقِهم الأساسيةِ الخاصةِ بهم ضمن إطارِ تلك الحقول. والقسطاسُ الأوليُّ في هذا البُعدِ هو التشاطرُ الذهنيُّ لخيالِ أو لمشروعِ عالَمٍ حرٍّ ومتساوٍ مرتكزٍ إلى الاختلاف. كما يمكننا وصفُ عالَمِ الذهنيةِ ذاك بالعالَمِ الكوموناليِّ أو باليوتوبيا الكوموناليةِ للأفرادِ الأحرار. المهمُّ هنا هو الإحياءُ الدائمُ لذهنيةِ المساواةِ والحريةِ التي لا تدحضُ أَوجُهَ الاختلاف، وتحقيقُ انتعاشِها في الحيزِ العامِّ وفي العالَمِ الأخلاقيِّ والسياسيِّ للمجتمع. أي إنّ المهمَّ هو العيشُ بالذهنيةِ الديمقراطيةِ على مدارِ الساعة. البُعدُ الثاني هو الجسدُ الذي سيَركُنُ إليه العالَمُ الذهنيّ. المقصودُ من الجسد هو إعادةُ ترتيبِ الوجودِ المجتمعيِّ بموجبِ العالَمِ الذهنيّ. كيف سيُعادُ تنظيمُ المجتمعِ بموجبِ عالَمِ ذهنيةِ الأمةِ التي يشتركُ الجميعُ في تشاطُرِها؟ أيُّ معيارٍ معماريٍّ سيُطَبَّقُ على الوجودِ الجسديّ؟ باقتضاب، يتمثلُ تعريفُ البُعدِ الجسديِّ في إعادةِ تنظيمِ الطبيعةِ الاجتماعيةِ (وبيئتِها) المتبقيةِ من الماضي الغابرِ والتقاليدِ القديمة، والتي رتَّبَتها (أو بَعثَرَتها ونَثَرَتها) الحداثةُ الرأسمالية، فصَيَّرَتها مَريضةً ومتأزمةً وقمعيةً واستغلاليةً إلى أقصى الدرجاتِ (بما في ذلك الممارساتُ التي تبلغُ حدَّ الإبادةِ الثقافية) بما يتماشى ومآربَها المُغرِضة.
يتطلبُ البُعدُ الذهنيُّ فرزاً محدوداً، نظراً لاهتمامِه بعالَمِ الفكرِ والخيالِ وبعواطفِ التعاضدِ بين مجموعِ الأفرادِ والمجموعاتِ الطامحين في التحولِ إلى أمة. وما يتصدرُ هذه الأنشطةَ العمليةَ هو التدريبُ العلميّ والفلسفيّ والفنيّ (والدينيّ أيضاً)، وافتتاحُ المدارسِ اللازمةِ لهذا الغرض. ووظيفةُ تلك المدارس هي شحذُ الذهنِ والعاطفةِ فيما يتعلقُ بالتحولِ إلى أمة. فبقدرِ الاهتمامِ بالوجودِ التاريخيِّ والاجتماعيّ، فإنّ المحورَ الأساسَ هنا هو وعيُ الحاضرِ والثقافةِ المجتمعيةِ المعنيةِ بالعصرِ الحاليّ، وتشاطُرُ جوانبِها الصائبةِ والفاضلة والجميلة على شكلِ أفكارٍ وعواطف مشتركة. باختصار؛ فالمَهَمّةُ الذهنيةُ الأوليةُ المتجسدةُ في KCK هي تَصَوُّرُ الكردِ أمةً قائمةً بذاتِها على صعيدِ عالَمِ الفكرِ والعواطفِ الفاضلةِ والصحيحةِ والجميلةِ المُشتركةِ فيما يخصُّ نشوءَهم. وبتعبيرٍ آخر، إنها خلقُ كينونةِ الأمةِ لدى الكردِ بالثورةِ العلميةِ والفلسفيةِ والفنية، وإبداعُ العالَمِ الذهنيِّ والعاطفيِّ الأساسيِّ لهذه الكينونة، والتشاطرُ الحرُّ لانفراجِ الحقيقةِ العلميةِ والفلسفيةِ (الأيديولوجية) والفنيةِ للواقعِ الكرديّ. والسبيلُ إلى ذلك هو التفكيرُ الذاتيّ، وتَلَقّي التدريبِ الذاتيّ، وتشاطُرُ الفاضل، والعيشُ بجمالية. والنقطةُ الأوليةُ التي يُمكنُ مطالبةُ الدولِ القوميةِ الحاكمةِ بتلبيتِها على الصعيدِ الذهنيّ، هي الالتزامُ التامُّ بحريةِ الفكرِ والرأيِ والتعبير. ولَئِنْ كانت الدولُ القوميةُ ترغبُ في العيشِ المشتركِ مع الكردِ في ظلِّ معايير مشتركة، فعليها احترامُ تكوينِ الكردِ لعالَمِهم الفكريِّ والعاطفيِّ الخاصِّ بهم، وتقديرُ ارتقائهم إلى منزلةِ مجتمعٍ وطنيٍّ مُحَصَّنٍ باختلافاتِهم. وعليها تضمينُ حريةِ الفكرِ والرأيِ والتعبيرِ بدستور، كشرطٍ لا بدّ منه. ذلك إنّ الطريقَ المؤديةَ إلى تشكيلِ أمةٍ مشتركة، تمرُّ من الامتثالِ الكاملِ لحريةِ الفكرِ والرأي.
الطريقُ الثاني على دربِ التحولِ إلى أمةٍ ديمقراطية، هو إعادةُ تنظيمِ النشوءِ الجسديّ. ويكمنُ شِبهُ الاستقلالِ الديمقراطيِّ في رُكنِ البُعدِ الجسديّ. بالإمكانِ صياغةُ تعريفٍ عامٍّ وآخر ضيقٍ بشأنِ شبهِ الاستقلالِ الديمقراطيّ. فهو بمعناه الواسعِ يعني الأمةَ الديمقراطيةَ ذات الأبعادِ المتوزعةِ على مساحاتٍ أوسع. إذ يُمكنُ تعريفُه بنطاقٍ عامٍّ من خلالِ أبعادِه الثقافيةِ والاقتصاديةِ والاجتماعيةِ والقانونيةِ والدبلوماسيةِ وغيرِها. أما بالمعنى الضيق، فشبهُ الاستقلالِ الديمقراطيِّ يعني البُعدَ السياسيّ. وبعبارةٍ أخرى: إنه يدلُّ على الاقتدارِ الديمقراطيِّ أو الإدارةِ الديمقراطية. هذا ويعاني بُعدُ شبهِ الاستقلالِ الديمقراطيِّ على دربِ التحولِ إلى أمةٍ ديمقراطيةٍ من إشكالياتٍ أكثر استعصاءً مع الدولِ القوميةِ الحاكمة، التي عادةً ما تطعنُ بشبهِ الاستقلالِ الديمقراطيِّ وترفضُه، ولا تَميلُ إلى الاعترافِ به كحقٍّ مشروعٍ ما لَم تستدعِ الضرورة. من هنا، يكمنُ الاعترافُ بشبهِ الاستقلالِ الديمقراطيِّ بالنسبةِ للكرد في أساسِ الوفاقِ مع الدولِ القومية. ذلك أنه يُشَكِّلُ الحدَّ الأدنى للعيشِ المشتركِ مع الدولِ القوميةِ للأثنياتِ الحاكمةِ تحت سقفٍ سياسيٍّ جامع. وأيُّ اختيارٍ أدنى مرتبةً لن يعنيَ حلَّ القضية، بل تجذُّرَ العقمِ وتصعيدَ الصراع. ونخصُّ بالذِّكرِ أنّ الرأسماليةَ الإنكليزيةَ قد صاغَت مؤخَّراً مشروعَ “الحقوق الفردية والثقافية” الليبراليّ، كي تتمكنَ من توجيهِ طبقتِها العاملةِ ومستعمَراتِها بسهولةٍ أكبر. وهي تعملُ على تنفيذِه داخل الجمهوريةِ التركيةِ أيضاً بيَدِ AKP. إلا إنّ هذا المشروعَ الدخيلَ على ثقافةِ الشرقِ الأوسطِ لن ينفعَ سوى في تصعيدِ الصِّدامِ والنزاع. أما شبهُ الاستقلالِ الديمقراطيّ، فهو أفضلُ مشاريعِ الحلِّ المُصاغةِ لصالحِ الدولةِ القومية. ولن تفيدَ أيّةُ فكرةٍ أو تجربةٍ أَقَلُّ مستوىً سوى في خدمةِ أجواءِ الحربِ والصراعِ المستفحلة. بالوسعِ تطبيقُ حلِّ شبهِ الاستقلالِ الديمقراطيِّ عن طريقَين. يعتمدُ الطريقُ الأولُ الوفاقَ مع الدولِ القومية، ويَجِدُ تعبيرَه الملموسَ في حلِّ الدستورِ الديمقراطيّ. وهو يحترمُ الإرثَ التاريخيَّ–الاجتماعيّ للشعوبِ والثقافات، ويَعتَبِرُه أحدَ الحقوقِ الدستوريةِ الأساسيةِ التي لا استغناء لها عنها للتعبيرِ عن نفسِها وتنظيمِ ذاتِها ونيلِ حريتِها. وشِبهُ الاستقلالِ الديمقراطيّ هو مبدأٌ رُكنٌ لهذه الحقوق. وأولُ شرطٍ لهذا المبدأِ هو تَخلّي الدولةِ القوميةِ الحاكمةِ عن شتى سياساتِها في الإنكارِ والإبادة، وتخلي الأمةِ المضطهَدةِ أيضاً عن فكرةِ بناءِ دولتِها القوميةِ الذاتيةِ الخاصةِ بها. بمعنى آخر، من الصعبِ جداً أنْ يَرى مشروعُ شبهِ الاستقلالِ الديمقراطيِّ النورَ على أرضِ الواقع، ما لَم تتخلَّ كِلتا الأمتَين عن ميولِها الدولتية. والمحطةُ التي بلغَتها بلدانُ الاتحادِ الأوروبيِّ بعد خبرةٍ طويلةٍ على دربِ الدولةِ القوميةِ دامت أكثر من ثلاثةِ قرون، هو أنّ الدولَ القوميةَ باتت تَقبَلُ شبهَ الاستقلالِ الديمقراطيِّ كأفضلِ نموذجٍ لحلِّ القضايا الإقليميةِ والقوميةِ وقضايا الأقليات.
وفيما يخصُّ حلَّ القضيةِ الكردية، فإنّ السبيلَ الأساسيّ المبدئيَّ والثمين، الذي لا يستندُ إلى الانفصاليةِ أو العنف، يمرُّ من القبولِ بشبهِ الاستقلالِ الديمقراطيّ. وجميعُ الطرقِ عدا ذلك تؤدي إما إلى إرجاءِ القضايا وإهمالِها، وبالتالي إلى توطيدِ الانسداد، أو إلى تصعيدِ الاشتباكاتِ وحصولِ الانفصال. وتاريخُ القضايا الوطنيةِ عامرٌ بهكذا أمثلة. أما تمتُّعُ بلدانِ الاتحادِ الأوروبيِّ بالرفاهِ والغنى ضمن أجواءٍ يعمُّها السلام خلال العقودِ الستةِ الأخيرة، بعدما كانت مهدَ الاشتباكاتِ والنزاعاتِ الوطنية؛ فقد أصبحَ ممكناً بعد قبولِها لشبهِ الاستقلالِ الديمقراطيّ، وتطويرِها المقاربات والممارساتِ المرنةَ والخلاّقةَ لحلِّ قضاياها الإقليميةِ والوطنيةِ وقضايا الأقلياتِ لديها. أما في الجمهوريةِ التركية، فالعكسُ هو الصحيح. فقد أدت الدولةُ القومية (التي عُمِلَ على استكمالِها وتتويجِها بسياسةِ الإنكارِ والإبادةِ بحقِّ الكرد) إلى إقحامِ الجمهوريةِ في إشكالياتٍ ضخمةٍ لا تُطاق. كما زَجَّتها في: أجواءِ الأزماتِ المتواصلة، والانقلاباتِ العسكريةِ التي تحصل كلّ عشرِ سنوات، ونظامِ الحربِ الخاصةِ المُسَيَّرةِ على يدِ الغلاديو. وعليه، لن تستطيعَ الدولةُ القوميةُ التركيةُ بلوغَ الرفاهِ والسعادةِ والغنى، أو ترسيخَ السلامِ المستدامِ كجمهوريةٍ علمانيةٍ ديمقراطيةٍ طبيعيةٍ وقانونية؛ إلا تماشياً مع مدى تخليها عن شتى سياساتِها الداخليةِ والخارجيةِ تلك، وتراجُعِها عن ممارساتِ نظامِها ذاك، واعترافِها بشبهِ الاستقلالِ الديمقراطيّ لجميعِ الثقافاتِ عموماً (بما في ذلك الثقافتان التركمانيةُ والتركية) وللوجودِ الثقافيِّ الكرديِّ خصوصاً.
طريقُ الحلِّ الثاني لشبهِ الاستقلالِ الديمقراطيِّ هو تطبيقُ مشروعِه بشكلٍ أحاديِّ الجانبِ ودون الاعتمادِ على الوفاقِ مع الدولِ القومية. حيث يطبِّقُ هذا المشروعُ أبعادَ شبهِ الاستقلالِ الديمقراطيِّ بمعناها العامّ، مُؤَمِّناً بذلك حقَّ الكردِ في التحولِ إلى أمةٍ ديمقراطية. لا جدالَ أنه في هذه الحالةِ ستشتدُّ الاشتباكاتُ أكثر مع الدولِ القوميةِ الحاكمة، التي لن تعترفَ بطريقِ التحولِ أحاديِّ الجانبِ إلى أمةٍ ديمقراطية. ومقابلَ هجماتِ الدولِ القوميةِ فُرادى أو جَمعاء (إيران–سوريا–تركيا)، فإنّ الكردَ في هذه الحالةِ لن يَجِدوا أمامَهم خياراً سوى “الانتقال إلى وضعِ الحربِ والنفيرِ العامِّ لحمايةِ وجودِهم والعيشِ بحرية”. ولن يتقاعسوا عن تسخيرِ قواهم الذاتيةِ في تحقيقِ وتطويرِ تحوُّلِهم إلى أمةٍ ديمقراطيةٍ بكلِّ أبعادِها على خلفيةِ الدفاعِ الذاتيّ؛ إلى أنْ تُفرزَ الحربُ وفاقاً ما، أو أنْ يتوطَّدَ الاستقلال. أما الأبعادُ التفصيليةُ للأمةِ الديمقراطية، التي قد تُنشَأُ على أرضيةِ هذَين الطريقَين، فبالإمكانِ ترتيبُها على النحوِ التالي:
- الفرد–المواطن الحر وحياة الكومونة الديمقراطية في الأمة الديمقراطية:
يتعينُ التنبيهُ سلفاً لعدمِ ارتكابِ خطأٍ أثناء شخصنةِ الحياةِ الوطنيةِ الديمقراطية. ألا وهو أنّ حياةَ الأمةِ الديمقراطيةِ (أو أيِّ نوعٍ آخر للأمة) تتسمُ بالتكاملِ الذهنيِّ والمؤسساتيِّ الدائم. وعادةً ما تُصَنَّفُ المجتمعاتُ عموماً والمجتمعاتُ الوطنيةُ الديمقراطيةُ خصوصاً في التحليلاتِ إلى مجالاتٍ وأبعادٍ مختلفةٍ من بابِ التيسير. لكنّ أياً من تلك المجالاتِ لا يتواجدُ بمفردِه وبشكلٍ منفصلٍ عن التكاملِ الكليّ. ولو شَبَّهنا المجتمعات (وخاصةً الأممَ الديمقراطيةَ المعاصرة) بكائنٍ حيّ، فإنّ كافةَ ساحاتِها وأبعادِها تحيا ضمن تكاملٍ أَشبَهُ بأعضاءِ الكائنِ الحيِّ المترابطةِ ببعضها البعض. بالتالي، ورغمَ تناوُلِ الأبعادِ كلاً على حِدى، إلا إنه يجب عدم التغاضي أبداً عن كونِها قطعاً في جزءٍ واحدٍ متكامل. ينبغي أنْ يَكُونَ الفردُ المواطنُ كومونالياً (تشاركياً) في الأمةِ الديمقراطيةِ بقدرِ ما يَكُونُ حراً. فالفردُ الذي يتمتعُ بحريةٍ زائفة، والذي تستثيرُه الأنانيةُ الرأسماليةُ ضد المجتمع، إنما يحيا ضمنياً أعتى أشكالِ العبودية. لكنّ الأيديولوجيةَ الليبراليةَ تعكسه وكأنه يتمتعُ بحرياتٍ لامحدودة داخل المجتمع. أما في الواقع، فالفردُ العبدُ المأجور، الذي يُؤَمِّنُ فرصةَ الربحِ الأعظمِ بدرجةٍ غيرِ مسبوقةٍ في أيٍّ من مراحلِ التاريخ، ويُحَوِّلُ ذلك الربحَ إلى نظامٍ مهيمن؛ إنما يمثلُ أقصى ضروبِ العبودية. ويتمُّ إنتاجُ هذا النوعِ من الفردِ ضمن أوساطِ التعليمِ والحياةِ العمليةِ الجائرةِ في ظلِّ الدولةِ القومية. ونظراً لتقييدِ حياتِه بسيادةِ المال، فإنّ نظامَ الأَجْرِ يُمَكِّنُ تكبيلَه وتوجيهَه إلى الجهةِ التي يشاء، تماماً كما الكلبُ المربوطُ إلى الطوق. لأنه ما مِن خيارٍ آخر أمامه للعيش. فحتى لو هرب (أي لو فَضَّلَ البطالة)، فهذا أيضاً أَشبَهُ بالاحتضارِ منتصباً على قدمَيه. زِدْ على ذلك أنّ الفرديةَ الرأسماليةَ تشكلَت بناءً على إنكارِ المجتمع، معتقدةً أنها ستُحَقِّقُ كينونتَها بقدرِ طعنِها في شتى ثقافاتِ المجتمعِ التاريخيِّ وتقاليدِه. هذا هو الزيغُ الأكبرُ الذي تعرضُه الأيديولوجيا الليبرالية. ويتلخصُ شعارُها الرئيسيُّ في مقولةِ “المجتمعُ غائبٌ والفردُ موجود”. وعليه، فالرأسماليةُ نظامٌ مَرَضِيٌّ مرتكزٌ أساساً إلى استهلاكِ المجتمع.
مقابلَ ذلك، فإنّ فردَ الأمةِ الديمقراطيةِ يَجِدُ حريتَه في كومونيةِ المجتمع، أي في العيشِ على شكلِ مجموعاتٍ صغيرةٍ أكثر فاعلية. وبقولٍ آخر، فالكومونة أو المجموعةُ الحرةُ والديمقراطيةُ هي المدرسةُ الأوليةُ التي ينشَأُ فيها فردُ الأمةِ الديمقراطية. لذا، لا فردانية لِمَن لا كومونة له أو لا حياة كومونالية له. هذا وتُعَدُّ الكوموناتُ متنوعةً إلى أبعدِ حدّ، وتَسري في ميادينِ الحياةِ الاجتماعيةِ جمعاء. وبمقدورِ الفردِ العيشُ في أكثر من كومونةٍ أو حياةٍ اجتماعيةٍ بما يتوافقُ وأوجُهَ الاختلافِ لديه. المهمُّ هنا هو أنْ يَعرفَ الفردُ كيفَ يعيشُ داخل المجموعةِ الكوموناليةِ بما يتناغمُ مع مهاراتِه وكدحِه واختلافاتِه. ويَعتَبِرُ الفردُ مسؤوليتَه تجاه الكومونةِ أو الوحداتِ المجتمعيةِ التي ينتسبُ إليها ثابتاً أساسياً للتحلي بالأخلاق. فالأخلاقُ تعني إجلالَ المجموعةِ والحياةِ الكومونالية، والالتزامَ بهما. كما إنّ الكومونةَ أو المجموعةَ تتبنى أفرادَها بالمقابل، وتحميهم، وتُؤَمِّنُ عيشَهم. وبالأصل، فالمبدأُ الأوليُّ لتكوينِ المجتمعِ البشريِّ هو مبدأُ روحِ المسؤوليةِ الأخلاقيةِ ذاك. أما الطابعُ الديمقراطيُّ للكوموناتِ أو المجموعات، فيُؤَمِّنُ الحريةَ الجماعية. وبمعنى آخر، إنه يُحَقِّقُ الكومونةَ أو المجموعةَ السياسية. لذا، لا يُمكنُ للكومونةِ أو المجموعةِ غيرِ الديمقراطيةِ أنْ تَكُونَ سياسية. ولا يُمكنُ للكومونةِ أو المجموعةِ التي ليست سياسيةً أنْ تَكُونَ حرة. بناءً عليه؛ ثمة تكافُؤٌ متينٌ بين الطابعِ الديمقراطيِّ والطابعِ السياسيِّ وطابعِ الحرية.
والحالُ هذه، ينبغي تعريفُ البُعدِ الرئيسيِّ الأولِ للأمةِ الديمقراطية بهذا المنوال، تأسيساً على الفردِ والكومونةِ اللذَين تَتَّخِذُهما أساساً. أي إنّ الشرطَ الأولَ لكينونةِ الأمةِ الديمقراطيةِ هو أنْ يَكُونَ الفردُ حراً، وأنْ يمارسَ حريتَه هذه على أرضيةِ السياسةِ الديمقراطيةِ ضمن كومونتِه أو جماعتِه التي ينتسبُ إليها. وفي حالِ انضواءِ الفردِ المواطنِ للأمةِ الديمقراطيةِ تحت نفسِ السقفِ السياسيِّ مع الدولةِ القومية، فإنّ نطاقَ تعريفِه يتسعُ نوعاً ما. فهو في هذه الحالةِ فردٌ مواطنٌ في الدولةِ القوميةِ ضمن إطارِ “المواطَنةِ الدستورية”، بقدرِ ما هو كذلك ضمن أمتِه الديمقراطية. الخاصيةُ المهمةُ هنا هي الاعترافُ بوضعِ الأمةِ الديمقراطية. أي، تحديدُ شبهِ الاستقلالِ الديمقراطيِّ كوضعٍ قانونيٍّ ينصُّ عليه الدستورُ الوطنيّ. هذا وللوضعِ الوطنيِّ الديمقراطيِّ اتجاهان: يُعَبِّرُ أولُهما عن تحقُّقِ وضعِ أو قانونِ أو دستورِ شبهِ الاستقلالِ الديمقراطيِّ في داخلِه. وثانيهما هو تنظيمُ وضعِ شبهِ الاستقلالِ كقِسمٍ سفليٍّ ضمن الوضعِ الدستوريِّ الوطنيّ. إذ ثمة هكذا إجراءاتٌ في دساتيرِ العديدِ من بلدانِ الاتحادِ الأوروبيّ، بل وحتى بلدانِ العالَمِ أيضاً.
إلى جانبِ كونِ الإنشاءِ أحاديِّ الجانبِ للأمةِ الديمقراطيةِ المستندةِ إلى وحدةِ الفردِ المواطنِ الحرِّ والكومونةِ يُشَكِّلُ حلاً أساسياً، إلا إنه بإمكانِ KCK التوجهُ صوبَ الحلِّ مع الدولِ القوميةِ الحاكمةِ المعترفةِ بوضعِ شبهِ الاستقلالِ الديمقراطيِّ في ظلِّ سيادةِ الدستورِ الديمقراطيِّ الوطنيّ. فبنيةُ KCK منفتحةٌ على التزامِها بحياةِ الفردِ المواطنِ الحرِّ وحياةِ المجموعةِ على حدٍّ سواء، وبالوضعِ القانونيِّ والدستوريِّ لتلك الحياة.
ويمكنُ تعريفُ عضويةِ KCK على أنها الفردُ المواطنُ الحرُّ في الأمةِ الديمقراطية. ولكن، يتعينُ عدم خلطِ هذه العضويةِ والمواطَنةِ بمواطَنةِ الدولةِ القوميةِ التي تُحَدِّدُ مستوى العبوديةِ العصريةِ للرأسمالية. أي إنّ الفرديةَ الرأسماليةَ تعني الخنوعَ والعبوديةَ المطلقةَ لإلهِ الدولةِ القومية. في حين تُعَبِّرُ مواطَنةُ الأمةِ الديمقراطيةِ عن حالةِ الفردِ الحرِّ بالمعنى الحقيقيِّ للكلمة. وهكذا، بالمقدورِ إنجازُ مواطَنةِ الكردِ ضمن أمتِهم الديمقراطيةِ في كنفِ KCK. بالتالي، سيَكُونُ من الأنسبِ إناطةُ عضويةِ KCK من حيث التعريفِ بهويةِ مواطَنةِ الأمةِ الديمقراطية. بمعنى آخر، فكونُ الكردِ مواطنين في كنفِ أمتِهم الديمقراطيةِ هو حقٌّ وواجبٌ لا غنى عنهما. في حين إنّ عجزَ المرءِ عن التمتعِ بمواطَنتِه ضمن الأمةِ التي ينتمي إليها هو دليلٌ على اغترابٍ فظيعٍ لا يُمكنُ الدفاعُ عنه تحت أيةِ ذريعةٍ كانت. والمشكلةُ التي تواجهنا هنا هي ما سيحلُّ بمواطَنةِ الدولةِ القوميةِ الحاكمة. في الحقيقة، بالوسعِ تمثيلُ كِلتا المواطَنتَين معاً وبالتداخل. فإذا بُلِغَ بالقضيةِ الكرديةِ إلى الحلِّ ضمن إطارِ المواطَنةِ الدستوريةِ الديمقراطيةِ في كنفِ البلدِ المعنيّ، فإنّ التمتعَ بكِلتا المواطَنتَينِ أنسبُ من جهةِ الواقعِ الاجتماعيّ. بل وحتى كان بالإمكانِ صياغةُ تعريفِ مواطَنةٍ ثلاثية، لو أنّ تركيا أصبحَت عضواً في الاتحادِ الأوروبيّ. فكيفما أنّ مواطَنةَ كاتالونيا–إسبانيا–الاتحاد الأوروبيّ تتسمُ بمعانٍ ثلاثيةٍ في إسبانيا، فقد كان من الواردِ أنْ تتحلى مواطَنةُ كردستان–تركيا–الاتحاد الأوروبيِّ أيضاً بالمعاني الثلاثيةِ عينِها. على كلِّ فردٍ كرديٍّ توخي العنايةِ اللازمةِ لتعريفِ نفسِه في سياقِ KCK ضمن إطارِ المواطَنةِ الثنائيةِ ضمن كلِّ دولةٍ قوميةٍ معنية. بل يتعدى الأمرُ موضوعَ توخي العناية، ويتطلبُ تحقيقَ هويةِ المواطَنةِ الثنائية. وفي حالِ عدمِ تمكنِ KCK من إنجازِ هذه الهويةِ الثنائيةِ لأفرادِ أمتِه الديمقراطيةِ بالوفاق، يجب عليه إنجازُ هويةِ مواطَنتِه الأحادية. كما ينبغي عليه وضعُ أجواءِ القمعِ التي ستُلَوِّحُ بها الدولُ القوميةُ الحاكمةُ في هذه الحالة نُصبَ العين، وتحقيقُ مَهَمَّتِه في منحِ كلِّ فردٍ لديه هويةَ مواطَنتِه المُصَمَّمةَ بحجمٍ معقولٍ يتضمنُ الرمزَ المطلوب.
على كلِّ عضوٍ مواطنٍ في KCK أنْ يتجاوزَ فردانيتَه التي طَعَّمَتها الرأسماليةُ بالفرديةِ فاختزلَتها إلى وضعِ العدم، وأنْ يعيشَ كعضوٍ كوموناليّ. إذ علينا المعرفةُ يقيناً أنّ مَن لا حياة كومونالية له فلن تَكُونَ له شخصانيتُه؛ وأنْ نَعتَبِرَ ذلك مبدأً أخلاقياً أولياً. كما يجبُ عدم الإغفالِ أبداً بأنّ عضويةَ كومونةٍ أو مجموعةٍ ما تدلُّ في الوقتِ نفسِه على وجودِ جانبٍ ديمقراطيّ. هذا ولن تتسيَّسَ –وبالتالي لن تتحررَ– كومونةٌ أو مجموعةٌ ما إلا بالآليةِ الديمقراطية. وهكذا يتمُّ التيقنُ من أنّ كلَّ كومونةٍ أو مجموعةٍ هي في ذاتِ الوقتِ وحدةٌ قائمةٌ بذاتِها في المجتمعِ الأخلاقيِّ والسياسيّ. أي إنّ كلّ كومونةٍ أو مجموعةٍ في KCK هي بمنزلةِ وحدةٍ أخلاقيةٍ وسياسيةٍ في آن. وأفرادُها المواطنون هم أفرادٌ مواطنون أخلاقيون وسياسيون. مقصدُنا من الحديثِ عن الكوموناتِ أو المجموعاتِ هو الجماعاتُ البشريةُ الفاعلةُ في كافةِ ميادينِ المجتمع. فكيفما أنّ أيَّ قريةٍ تتسمُ بشروطِ الكومونةِ هي فعلاً كومونةٌ أو مجموعةٌ على سبيلِ المثال، فبالاستطاعةِ الارتقاءُ بهذا التعريفِ إلى مستوى الضواحي والمدنِ أيضاً. كما وبمقدورِ تعاونيةٍ أو مصنعٍ أو رابطةٍ أو جمعيةٍ أو منظمةٍ مدنيةٍ أيضاً أنْ تَكُونَ كومونة. وبما أنه يتوجبُ عليها أنْ تتحلى بالديمقراطيةِ في الوقتِ ذاتِه، فبإمكانِنا تسميتُها بالنظامِ الكوموناليِّ الديمقراطيِّ أيضاً. ومثلما أنه بالمقدورِ الانتقالُ بالكومونةِ إلى كافةِ مجالاتِ الحياةِ كالميادينِ التعليميةِ والثقافيةِ والفنيةِ والعلمية، فبالمقدورِ أيضاً دمقرطةُ الحياةِ الاجتماعيةِ والسياسيةِ وجعلها كومونالية. ولا يُمكِنُ للفردِ المواطنِ الحرِّ إلا أنْ يتحققَ ضمن هذه الحياةِ الكوموناليةِ الديمقراطية. إنّ مُواطَنةَ فردِ الأمةِ الديمقراطيةِ عموماً ومواطَنةَ فردِ KCK خصوصاً وبصورةٍ ملموسة، هما من دواعي الحياةِ الأخلاقيةِ والسياسيةِ المفعمةِ بروحِ المسؤولية. ينبغي فهمُ هذا اللزومِ على أنه في الوقتِ نفسِه أحدُ حقوقِنا وواجباتِنا الأساسية. وفي حالِ قبولِ الدولِ القوميةِ بحقوقِنا وواجباتِنا الأوليةِ تلك، فبإمكانِ الكردِ أيضاً قبولُ حقوقِهم وواجباتِهم الأساسيةِ ضمن إطارِ مواطَنةِ تلك الدولِ القومية.
- الحياة السياسية وشبه الاستقلال الديمقراطي في الأمة الديمقراطية:
يمكنُ إطلاقُ مصطلحِ “شبه الاستقلال الديمقراطيّ” على البُعدِ السياسيِّ لبناءِ الأمةِ الديمقراطيةِ في KCK. حيث يستحيلُ تَصَوُّرُ الأمةِ الديمقراطيةِ من دونِ إدارةٍ ذاتية. فالأممُ عموماً والأممُ الديمقراطيةُ خصوصاً هي كياناتٌ مجتمعيةٌ لها إداراتُها الذاتية. ولَئِنْ ما حُرِمَ مجتمعٌ ما من إدارتِه الذاتية، فهو يخرجُ حينها من كونِه أمة. ولا يمكن تَصَوُّرُ أمةٍ من دونِ إدارةٍ ضمن الوقائعِ الاجتماعيةِ المعاصرة. بل وللأممِ المستعمَرةِ أيضاً إدارتُها، حتى ولو انحدرَت من أصولٍ غريبةٍ عنها. ولا يمكنُ الحديثُ عن انعدامِ الإدارةِ في المجتمعات، إلا في حالِ ولوجِها مرحلةَ التشتت. وحتى في هذه الحالةِ ثمة تشتتٌ مضبوطٌ توجِّهُه القوةُ المُبعثِرة، أو هناك إدارةٌ تقومُ بتصفيةٍ طويلةِ المدى. وهكذا كان وضعُ الكردِ في المرحلةِ التي افتقروا فيها إلى التنظيمِ الذاتيّ. حيث لَم يُمنَعوا من التحولِ إلى أمةٍ فحسب، بل وجُرِّدوا من كينونتِهم كمجتمع. لكنّ ريادةَ PKK وسياسةَ KCK لَم تقتصرا على وقفِ هذا السياق. بل وابتدأتا مرحلةً تتجه من المجتمعِ السياسيِّ نحو كينونةِ الأمةِ الديمقراطية. وبقدرِ ما يمثلُ الكردُ في طورِهم الحاليِّ مجتمعاً مسيَّساً بدرجةٍ مُرَكَّزة، فإنهم أيضاً يحيَون وضعاً ينظِّمون فيه هذا الواقعَ السياسيّ، متَّجهين به صوب كينونةِ الأمةِ الديمقراطية.
تؤدي كينونةُ المجتمعِ السياسيِّ في عصرِنا الراهن إلى التحولِ الوطنيِّ عن طريقَين عموماً. فالطريقُ الرأسماليُّ التقليديُّ هو الطريقُ المؤدي إلى الدولةِ القومية. فإذا كان مجتمعٌ ما في ظلِّ الحداثةِ الرأسماليةِ من دونِ دولة، أو دولتُه مدمَّرة، أو على وشكِ الانهيار؛ فإنّ السياساتِ القومويةَ والدينويةَ تؤولُ بذاك المجتمعِ إلى بناءِ دولةٍ جديدة، أي الدولةِ القومية. وإذا كان لذلك المجتمعِ دولتُه التقليديةُ ولكنها خائرةُ القوى، فإنها تعزِّزُ ذاتَها بدولةٍ قوميةٍ أقوى. أما الطريقُ الثاني للتحولِ الوطنيّ، فهو طريقُ الوطنيةِ الديمقراطية. ونخصُّ بالذِّكرِ أنّ طابعَ الدولِ القوميةَ الذي يوَلِّدُ المشاكل، يحثُّ المجتمعاتِ السياسيةَ الراهنةَ وقوى إداراتِها الذاتيةِ للمُضِيِّ قُدُماً باتجاهِ كينونةِ الأمةِ الديمقراطية، ويُرغِمُها على التحولِ إلى أمةٍ ديمقراطية، أكان بالإصلاحِ أم بالثورة. وبينما كانت ميولُ الدولِ القوميةِ هي الطاغيةُ أثناء صعودِ الرأسمالية، فإنها في ظروفِ حاضرِنا، التي تشهَدُ انهيارَها، تمرُّ على الأغلب بتحولٍ تدريجيٍّ نحو تحقيقِ كينونةِ الأمةِ الديمقراطية. ومن عظيمِ الأهميةِ عدم المطابقةِ هنا بين القوةِ السياسيةِ وسلطةِ الدولة. إذ يستحيلُ مطابقةُ السياسةِ بالسلطة أو بالدولةِ التي هي شكلُها المجسَّم، وذلك لأنّ الحريةَ تكمنُ في طبيعةِ السياسة. وبمعنى آخر، فالمجتمعاتُ والأممُ المتسيسةُ هي مجتمعاتٌ وأممٌ متحررة.
