الإعلامية ستيرك كلو لـ آفاق المرأة – إعداد: ديلان عثمان

 

الإعلامية ستيرك كلو لـ آفاق المرأة

“استطاع المفكّر عبد الله أوجلان

عبر طرح مفهوم الأمّة الديمقراطيّة

توجيه مسار المجتمعات نحو حياةٍ كوميناليّة،

وإعطاءِ التعريفِ الصّائبِ للكومين

الذي حُجبتْ حقيقتهُ مع تعظيمِ دور الدولة القوميّة”

إعداد: ديلان عثمان

1ـ بعد الترحيب، ماذا يعني الكومين ولماذا تشكيل الكومين ضروري للمجتمع، وما هو دور المرأة في تشكيل الكومينات، وكيف تستطيع الكومينات إدارة المجتمعات المحلية الحالية، وكيف تحافظ على تماسك المجتمع وحماية الأفراد؟

 

  • الكومين كمصطلح، هو وحدة اجتماعية مبنيّة على تعاون كافّة فئات المجتمع في كيفيّة استمرارية حياة اجتماعية تشاركية لا تقبل بالتصنيف والطبقات بل عادلة ومتساوية. حيث تعتمد في أساسها على التفاهم والتشارك في كافة مجالات الحياة، وفق مفهوم تلبية حاجة الفرد والمجتمع حسب المبادئ الأخلاقية والإنسانية اعتماداً على تكافؤ العلاقة ما بين الفرد والمجتمع. بمعنى آخر يُمكننا تسمية الكومين بنواة المجتمع الديمقراطي الذي اتخذته الإنسانية منذ تشكيلها أساساً في استمرارية حياتها، والتفوّق على كافّة المصاعب، عبر هذه النواة التي ارتكزت في تشكيلها على قوانين المجتمع الطبيعي خارج إفرازات المجتمع الطبقي الذي انحرف عن مساره، بعد تهميش دور المرأة واستعبادها خلال أطوار طويلة من تاريخ الإنسانية، والتي امتدت إلى آلاف السنين وفق المؤرخين والفلاسفة.

هناك تباينٌ جاد وحتى مختلف لدى العديد من المؤرخين الذين دوّنوا التاريخ الرسمي عبر كتب عديدة، لكن ما نشهده في حياتنا الاجتماعية يُشير إلى وجود فراغٍ كبير في كيفية تسيير هذا المسار، وانحرافه عن الحقيقة الاجتماعية للإنسانية وطبيعتها، حيث الحروب والكوارث والآفات كلّها دلائل تُشير إلى إعادة النظر في كيفية صياغة الرؤى التاريخية الصّائبة انطلاقاً من اللحظة.

إذا ما ركّزنا على الحالة الراهنة في تفاصيل حياتنا، سنجد أسباباً رئيسيةً تدفعنا إلى التحقيق في التاريخ لمعرفة ما نعيشه اليوم. من وجهة نظري الأهم هنا، كيف يمكن النّظر مجدداً إلى التاريخ ما لم نجده حيّاً في راهننا، يعني التاريخ لا يُعاد إلا إن حمل الجديد بين طياته، وهذا ما نُسميه بالتغيير الحلزوني الذي أشار إليه المفكّر عبد الله أوجلان في مرافعاته الأخيرة. التاريخ ليس بخطٍ مستقيم في مساره، وقد تمّ إثبات ذلك عبر نظرية الكوانتوم التي تعتمد على أنّ كلّ شيءٍ في تغيّر بعد إضافة البعد الرابع إلى النظرية الفيزيائية.

بالطبع خلال مراحل تطوّر المجتمعات، عاشت تلك المجتمعات العديد من التغييرات وأهمّها الثقافة الاجتماعية التي تعتمد في بنيتها على الأخلاق الاجتماعية. الأخلاق الاجتماعية ثقافة استطاعت بقوّتها حماية القيم الإنسانية، وهنا المقصود بالقيم الإنسانية القواعد المعنوية والمادية التي اعتمدت عليها المجتمعات في تسيير حياتها. بمقدورنا تسمية هذه القواعد بالقواعد الأخلاقية التي تُشكّل نواة الحياة المجتمعية أيضاً. للمرأة الدور الرئيس في تشكيل أولى نواة المجتمع حيث كانت الأم الآلهة، وإلى اللحظة لم يستطع أحدٌ إنكار هذا الدور لوجود آثار تاريخية في مناطق سلسلة جبال زاغروس وطوروس، وإلى خراب رشكي والتي بدروها تشير إلى حقيقة الدور الرئيسي للمرأة في عصور ما قبل العصر النيوليتي.

الكومين هو اللبنة الأولى في بناء المجتمع الديمقراطي، ويعتمد على ثقافة مجتمعيّة من حقوق المرأة أساساً في تكوينه، وهنا لا يُمكن الحديث عن وجود الكومين دون وجود حق المرأة ودورها الفاعل في إدارة المجتمع. في حال غياب المرأة من أي مجتمع أو مكان ما، فلا يمكن الحديث عن وجود الكومين أو الحياة الكومينالية. الحياة التشاركية في الكومين تعتمد بالدرجة الأولى على تكافؤ العلاقة ما بين الرجل والمرأة، مع وجود استعباد المرأة أو استثمار جهودها فلا يمكن أن يوجد تكافؤ في المجتمع في أي شيء يخصُّ الحياة الاجتماعية.

لذا من بالغ الأهمية تجسيد ذهنية الحياة الاجتماعية العادلة على أسس حرية المرأة لأي مجتمع كان وبعيداً عن التعصب القومي والديني. فقد المجتمع حياته الكومينالية منذ أن بدأ النظام الذكوري هيمنته على المجتمع، وهنا فقد المجتمع الطبيعي طابعه الكومينالي والتشاركي لفقدان المرأة دورها في مسار الحياة الطبيعية، والتي سمّاها الفيلسوف عبد الله أوجلان بالمجتمع الأخلاقي والسياسي. فمثلما الكومين شرط أساسي لاستمرارية حياة ديمقراطية، فإنّ وجود المرأة أيضاً شرطٌ أساسي لتشكيل الكومين والذي يُعتبر الأساس في بناء المجتمع الديمقراطي والأخلاقي.

اعتمد مجتمع الكلان والقبائل على حياة تشاركية، للحفاظ على وجودها الفيزيائي والأخلاقي كثقافة الوجود الحر رغم الاختلافات العظيمة لأصل الشعوب وثقافاتها. فالاختلاف الموجود لم يكن عائقاً في تشكيل الكومين، حيث كانت العشيرة أو القبيلة تعتمد على التشارك في مواجهة كافة الأخطار التي كانت تواجهها، سواء خطر هجمات القبائل الأخرى أو القحط أو الجوع أو أيّة آفّة طبيعية أخرى. إلى جانب ذلك لم يمنع هذا الاختلاف تكافؤ العلاقة ما بين الرجل والمرأة والتي تعتبر الانطلاقة الرئيسية في تشكيل الكومين.

الكومين هو اتّحاد الحياة التشاركية، حيث يمكننا القول بأنّ الكومين هو المكان الآمن لتحقيق حياة تشاركية تضم كافة فئات المجتمع، ليس على الصعيد الاقتصادي فحسب بل على كافة الأصعدة في الحياة الاجتماعية. ولأنّ الإنسان كائن اجتماعي بطبعه وجزءٌ هامٌ من الطبيعة، فلا يمكنه أن يعيش بمفرده دون وجود مجتمعه. وقد شهدت الإنسانية هذه الثقافة منذ ملايين السنين. الكومين ليس بمصطلحٍ جديد في المجتمع، كون الحياة الاجتماعية نفسها تعتمد على أسس الكومين، فوجود المرأة والرجل ضمن عائلة ديمقراطية يعني وجود الكومين، كفاح النساء لأجل حياة عادلة يعني وجود الكومين، العمل في مصنع أو معمل وفق روح التشارك هذا يعني الكومين.

2ـ تعريف الكومين في مفهوم المفكر عبد الله أوجلان، وكيف فسّره وطرحه في مرافعاته الأخيرة؟

 

  • استطاع المفكر عبد الله أوجلان عبر طرحه مفهوم الأمّة الديمقراطية توجيه مسار المجتمعات نحو حياة كومينالية، وإعطاء التعريف الصائب للكومين الذي حُجبت حقيقته مع تعظيم دور الدولة القومية. الكومين وفق نظرية القائد الأممي عبد الله أوجلان هو العيش وفق مبادئ المجتمع الأخلاقي والسياسي القائم على نظام الأمة الديمقراطية، والاعتماد على المجتمع الكومينالي خارج نطاق حدود الدولة القومية القائمة على استعباد المرأة والفرد والمجتمع.

الكومين اتحادٌ بعيدٌ عن مفهوم الدولة والطبقيّة والتصنيف، حيث بإمكان الفرد التعبير عن أفكاره بحرية، عكس الذهنية الرأسمالية التي تعتمد في بنيتها على تغريب الفرد عن ثقافته وجذوره عبر مفهوم الفردانية، المفهوم الذي حول الإنسان الاجتماعي بأصله إلى فردٍ أناني يصعب عليه العيش مع جماعته. لقد أوصل النظام الرأسمالي الفرد إلى التهرّب من الجماعية لدرجة الإنكار المجتمعي، كما نرى النظام الرأسمالي عبر أدوات حربه الخاصة التي تقصف بالفرد والمجتمع فكرياً وأيديولوجياً في كل ثانية.

لذا فإنّ إشارة المفكر عبد الله أوجلان إلى بناء مجتمع أخلاقي وسياسي هو في أساسه تشكيل اتحادات الكومينات للجميع وفي كل مكان. الفرد الاجتماعي عضو أساسي في الكومين، وبدونه لا يمكن الحديث عن وجود الكومين. المجتمع بطبيعته كومينالي وهناك الكثير من الأمثلة الحيّة في حياتنا تشير إلى وجود ثقافة الكومين، وأوّلها حماية المجتمع لمقدساته التي تُمكّنه من العيش بكرامته، مثل الحياة التشاركية في كل قرية وحي وبلدة، حماية القيم الثقافية والمعتقدات عبر آلاف السنين رغم تلاعب النظام الرأسمالي بهذه القيم إلى درجة الإنكار والتبعية.

هنا وعلى سبيل المثال؛ عندما كان يدّخر أيّ شخص ما الإنتاج الاقتصادي فوق حاجته في المجتمع الطبيعي يُعتبر بدون أخلاق، على عكس يومنا الراهن فهو يُعتبر صاحب مكانة وسيد المجتمع. هنا تغيّرت مقاييس الأخلاق إلى درجة الانحطاط. كذلك الوضع بالنسبة للمرأة، فبحسب النظام الذكوري ارتبطت سيادة وهيمنة الرجل بقدر استعباد المرأة واغتصابها وقتلها، وهذا ما نراه جليّاً في المناطق التي أنهكتها الحروب الرأسمالية وأهمّها منطقة الشّرق الأوسط. لذا؛ فإنّ طرح الفيلسوف عبد الله أوجلان لمفهوم الكومين هو استعادة الروح الكومينالية للمجتمع الطبيعي المتمحورة حول تحقيق أسس حرية المرأة.

هل الكومين مختلف عن نظام الدولة القومية المترسّخ في خلايا المجتمع؟ وهل يستطيع الكومين لعب الدور البديل لنظام الدولة الحالي، وكيف يمكن ذلك، وما هي الطرق والأساليب لتحقيق ذلك؟

  • بالطبع الكومين يختلف عن نظام الدولة الذي يعتمد على المركزية وهيمنة الرجل، وبمستطاع الكومين أن يكون البديل عن النظام الدولتي في راهننا. الاختلاف هنا يكمن في النظرة الصائبة للمفكر عبد الله أوجلان في إعادة النظر في التاريخ الذي أشرنا إليه في جوابنا للسؤال الأول ألا وهو أنّ الكومين وحدة مجتمعية، أمّا الدولة نظام مركزي سلطوي يعتمد على استعباد المجتمع.

بمستطاع المجتمع العيش بدون دولة، ولكنّ الدولة القومية لا يُمكنها أن تستمر من دون المجتمع، لأنّها نظام التسلّط والهيمنة وليس نظام إدارة المجتمع. مفهوم القائد الأممي عبد الله أوجلان لبناء الأمة الديمقراطية وتنظيم المجتمع خارج إطار الدولة، يعتمد في أساسه على تشكيل نواة المجتمع الديمقراطي والذي يصفه بالكومين، وهنا الكومين يعني تشكيل نواة المجتمع الأخلاقي والسياسي. يمتد النظام الدولتي إلى عهد السومريين الذين شكّلوا هيكلية الدولة القومية اعتماداً على ثقافة الاغتصاب ضد المرأة، لتكون آخر مرحلة لوجود ثقافة الآلهة وقيمها، أي أنّ نظام الدولة القومية اعتمد على إبقاء المجتمع الطبيعي خارج دائرة سلطتها، ولم يعد للمجتمع إرادة في إدارة نفسه بنفسه، على عكس شكل الكومين الذي يعتمد على إرادة المجتمع كاملاً.

بدون شك يعتمد هذا الطرح الصائب على قراءة صائبة لحياة المجتمع الحالي، وشكل الإدارة الموجودة التي لم تأتي إلا بالمزيد من الحروب والأزمات والقتل والتشريد إلى درجة بقاء المجتمع من دون جوهر. الدولة القومية تعتمد على إنكار الاختلاف والتباين المجتمعي، وهذا يؤدي بدوره إلى فناء روح الكومين الذي يعتمد على الاعتراف بوجود الآخر وقبوله كما هو أو هي وبجميع قيمه المادية والمعنوية.

هنا الثورات بكل أنواعها كانت دلائل تاريخية حيّة على مقاومة المجتمع للحفاظ على وجوده وخاصةً في تاريخ منطقتنا. لو تطلّعنا إلى عظمة بعض الثورات فرغم هزيمتهم في الأخير، لكنّها كانت مقاومة لإحياء روح الكومين، وكانت كومينالية وتشاركية واجتماعية في آنٍ واحد، كثورة القرامطة والزنج التي عكست حال المجتمع ضد السلطة المركزية. كذلك الحال في ثورة فرنسا ضد نابليون عندما تشكّلت كومونة باريس ضد ظلمه، وتم تشكيل المجالس الشعبية واحتواء كافة مكونات المجتمع في 18 آذار عام 1871، ورغم استياء ماركس منها في المرحلة الأولى وثم تعريفها على أنّها ثورة فيما بعد، وكان هذا تغييراً هامّاً على الصعيد الأوروبي. كومونة باريس كانت نموذجاً في رغبة الطبقة الكادحة لتشكيل نموذج كومين ديمقراطي رغم قصر عمرها، وكذلك مثال الثورة الروسية وتشكيل الكومينات الاقتصادية التي تم إجهاضها فيما بعد.

هذه الأمثلة في تاريخ الشعوب تستحق الدراسة والتحليل، وفيها نجد بأنّ روح الكومين وقيمه بقيت موجودة  ضمن المجتمعات التي واجهت الثورات الداخلية أو حتى الهجمات الخارجية. حاولت المجتمعات دوماً الخروج من حدود الدولة القومية واتخاذ إرادتها أساساً في الحفاظ على حياتها المجتمعية وقيمها التشاركية. تشكيل الكومين يعتمد على ضمّ كافة فئات المجتمع وعلى رأسها المرأة والشبيبة بشكلٍ ديمقراطي بعيداً عن المركزية، أي على عكس الدولة القومية التي تتخذ من المركزية أساساً لها. المجتمع الكومينالي هو مجتمعٌ ديمقراطي بطبيعته وليس أحادي كما في حال النظام الدولتي.

4ـ يقول المفكر عبد الله أوجلان إنّ التاريخ شهد دائماً حرباً ضروساً، وهذه الحرب كانت بين الدولة والكومين بمعنى أنّ السلطة نفّذتها ضد المجتمعات الأصلية في التاريخ. كيف نستطيع تفسير هذه الأطروحات حول الحرب بين الدولة والكومين، حبذا لو يتم ذكر بعض الأمثلة من التاريخ حول الحرب التي تمّت ما بين الكومين والدولة؟

  • بما أنّ الكومين يعتمد على آلية ديمقراطية وتشاركية، فإنّه بحاجة إلى ذهنية كومينالية لا تُقصي الآخر، قائم على المواطنة الحرة في أي مجتمع كان. الكومينالية تحتاج إلى نظام ديمقراطي يضم إرادة الجميع وعلى رأسها إرادة المرأة التي تُشكل بنية الكومينات نفسها. وقد أُثبت تاريخياً مدى ضعف المجتمعات التي استعبدت المرأة، وكلّما استطاعت المرأة نيل حقوقها بإرادتها وانضمت إلى الحياة السياسية والاقتصادية سيكون للكومين دورٌ فعالٌ وأولي في إدارة المجتمع.

مع تصاعد الهجمات الرأسمالية في ذات المرأة والفرد والمجتمع، تقلّصت الكومينالية إلى درجة إبعاد المرأة عن حقيقتها، وبالتالي إلى إبعاد المجتمع بأكمله عن حقيقته. المرأة هنا صاحبةُ دورٍ ريادي في استعادة دور الكومين بكافة أبعاده، وهنا يمكننا التطرّق إلى هذه الأبعاد ولو بشكلٍ مختصر. يحتاج الكومين إلى اقتصادٍ كومينالي يُشارك فيه الجميع على أسس العدالة ودون تمييز بين الأجناس، إلى جانب الإنتاج الجماعي يجب أن يعتمد الكومين على الاستهلاك وفق حاجة أفراد الكومين، وليس كما هو موجود في النظام الرأسمالي الذي يعتمد على الربح الأعظم للطبقة الأعلى أي طبقة الأسياد.

يجب ألا يكون هناك تمايزٌ مثلما هو موجودٌ في المجتمعات الحالية ،لأنّه كما نرى هناك الملايين ممن يعيشون تحت خط الفقر ويموتون جوعاً، إلى جانب ذلك هناك من يستولون على إنتاج بلادٍ بأكملها. لدى وجود ذلك لا يمكن الحديث عن وجود الكومين، وقد كان ذلك من الأسباب الهامّة في اندلاع الثورات عبر التاريخ وإلى يومنا الراهن. البعد الآخر لتفعيل الكومين هو تنظيم الحياة اليومية وتلبية حاجاتها وفق موازين العدالة الاجتماعية، اعتماداً على مبادئ المجتمع الأخلاقي والسياسي وليس القانون فحسب. أي بإمكان الكومين تحقيق قوانينها عبر المصالحة الاجتماعية. أمّا البعد الهام والآخر لتحقيق مجتمع كومينالي هو تفعيل آلية الحماية الجوهرية والدفاع المشروع.

من المبادئ الأساسية للكومين أن يدافع عن وجوده ضدّ كافّة الأخطار التي تهدد وجوده. الدفاع عن النفس دفاعٌ مشروع لا يتخذ من الاحتلال والغصب سياسة بل من الحماية وفق آليات الحماية الجوهرية أساساً. الكومين الذي لا يستطيع حماية نفسه ليس بكومين ولا يمكن لهذا النظام الاستمرار في وجوده. هنا على سبيل المثال؛ ثورة روج آفا كانت ثورة الكومينات ضدّ إرهاب داعش، حيث استطاع الشعب بكافة مكوناته – تنظيم نفسه تحت اسم الحماية الجوهرية – الدفاع عن نفسه ضدّ هذا الخطر الذي هدد وجوده، وبالفعل انتصر عليه من خلال هذا المفهوم الوجودي. لولا تشكيل الكومينات المتكوّنة من بنات وأبناء المنطقة باسم وحدات حماية المرأة ووحدات حماية الشعب، لما استطاع الشعب العيش بمأمن وسلام خلال سنوات الحرب التي واجهت سوريا بأكملها منذ عام 2011.

5ـ الحياة الكومينالية هي أساس تشكيل الاتحادات كيف يمكن ذلك، وما هي الطرق والأساليب الحقيقة، وكيف ستسير كل الفعاليات المشتركة وعلى أي أساس وأي مبادئ وأي روح، كيف تساهم في تحقيق نموذج الأمة الديمقراطية الذي ينصّ على التعايش المشترك ما بين الشعوب والمكونات في جغرافية الشرق الأوسط؟

  • الحياة الكومينالية حياةٌ بعيدةٌ عن سلطة وذهنية المركزية الأحادية، تعتمد في جوهرها على الانضمام الديمقراطي بحيث تعترف بإرادة كافة أفراد المجتمع وعلى رأسهم إرادة المرأة الحرة. الكومينالية بنفسها قائمة على ذهنية عادلة وتعاونية، تضمن حقوق كافة أفرادها ضمن آلية تنظيمية ومهامات فكرية وسياسية واجتماعية.

المجتمعات في منطقة الشرق الأوسط مُنهكة تحت عبء نظام الدولة القومية الذي مضى عليه دهر، لكنّ الذهنية السلطوية الموجودة عائقٌ أساسي في عملية التغيير الكومينالي. ذهنية الدولة القومية ذهنية مهيمنة لا يجد المجتمع وخاصّة المرأة مكانته فيها، كما أنّها قائمة على الاستعباد والهيمنة، والحروب التي نشهدها يومياً ليست حرب الشعوب، بل حرب القوى المهيمنة لتنفيذ مصالحها وترك المجتمع عرضةً لجميع آثارها السلبية من قتل وغصب وخراب ودمار.

بالمختصر؛ سياسة الدولة القومية سياسة انتهاك حقوق المجتمع والإنسانية. لذا هناك حاجةٌ ماسّة إلى نظام كومينالي يجد المجتمع فيه إرادته الحرة، ويقرر سياساته الداخلية والخارجية وكيفية إدارة نفسه بنفسه، وقد أثبت القائد الأممي عبد الله أوجلان هذه الحقيقة وطرحها على شكل الأمة الديمقراطية، والذي يعني إدارة المجتمع نفسه بنفسه وفق مبادئ المجتمع الأخلاقي والسياسي.

بمستطاع كلّ قرية وحي وبلدة ومدينة ومحافظة أن تبني كوميناتها ومجالسها، حيث يُشير المفكر عبد الله أوجلان بأنّه يُمكن تشكيل كومين حتى لمدة ثلاثة أيام إذا احتاج الأمر إلى ذلك. إنّ اتحاد الكومينات والمجالس الديمقراطية التي تشكّلت في مناطق شمال وشرق سوريا نموذجٌ هام لجميع بلدان المنطقة، وذلك بهدف إيقاف نزيف الحرب وبناء حياة كومينالية ديمقراطية. يمكن للمرأة قيادة هذا النظام اعتماداً على روحها التشاركية والعدالة كما أثبتتها من خلال عملها في مراحل الثورة وأصبحت نموذجاً لجميع نساء المنطقة. الأمة الديمقراطية نظامٌ بديلٌ للدولة القومية وهذا ما تحتاجه المنطقة أكثر من أي وقت مضى، وخاصةً بعد إشعال فتيل الحرب في أكثر البلدان في الشرق الأوسط.