هيفاء عربو.. أيقونة النضال والمقاومة الثورية – الإعلامية: سامية كردي

هيفاء عربو.. أيقونة النضال والمقاومة الثورية

“لم تكن مجرّد مناضلةٍ ثورية،

بل أصبحت رمزاً وطنيّاً خالداً في تاريخ كردستان،

ألهمتْ الكثيرين بروحها القويّة وإصرارها

على المُضيّ قُدُماً في سبيل الحقيقة والعدالة

وبناءِ مجتمعٍ حرٍّ ديمقراطي”

 

 الإعلامية: سامية كردي

 

هي واحدة من النساء الثوريات اللواتي رفضن الظلم، وأبَيْن أن يعشن تحت وطأة الذل والقهر والتسلّط، هي إحدى الشخصيات النسائية المميزة التي قدّمت تضحيات جسيمة من أجل قضية شعبها الكردي، هي التي سارت بثبات في طريق المقاومة ضد الظلم والاضطهاد حتى استشهدت في سبيل قضيتها، إنّها المناضلة هيفاء عربو التي كان عالمها مليئاً بمشاهد التضحية والوفاء وأحاديث عن الحرية والعدالة، حتى أصبحت المقاومة بالنسبة لها أسلوب حياةٍ متجذّر في الروح والذاكرة.

وُلدت الشهيدة هيفاء عربو- الاسم الحركي صالحة فيان -عام 1981 في قرية دليك التابعة لمدينة الدرباسية في مقاطعة الجزيرة في شمال وشرق سوريا. نشأت في أُسرة وطنية ملتزمة بثقافتها ولغتها وهويتها، وتربّت منذ صغرها على قيم الثورة وفلسفة المرأة الحرة.

عائلتها الوطنية تعود جذورها إلى شمال كردستان، فهم سعوا دائماً لتحرير الشعب الكردي من الظلم الواقع عليه من قبل الأنظمة الغاصبة لكردستان، كما شاركوا في ثورة الشيخ سعيد بيران ما أدى إلى ملاحقتهم من قبل دولة الاحتلال التركي، فاضطروا للانتقال إلى شمال وشرق سوريا لإكمال نضالهم في سبيل قضية شعبهم بمختلف الأساليب والطرق.

عندما كانت هيفاء عربو تبلغ من العمر ثلاثة أعوام، حاكت لها والدتها ثوباً من ألوان العلم الكردي، ما زرع بداخلها شعور حب الأرض والقيم الوطنية والثورية، لذلك كبرت وهي تحمل في قلبها مبادئ الحرية والمساواة. هذا الحب دفعها إلى المشاركة في الفعاليات السياسية والنشاطات الشبابية منذ أن كانت في الـ 16 من عمرها، وأعلنت انضمامها إلى حركة التحرر الكردستانية مع بداية الألفية الثانية (عام 2000)، وذلك من أجل حرية شعبها وحقوق المرأة.

لم تعارض عائلتها انضمامها إلى صفوف حركة التحرر الكردستانية، بل على العكس رأوا  في رغبتها مؤشراً على وعي مبكر وإحساس عميق بالمسؤولية تجاه شعبها وقضيته. كانت العائلة تدرك أن طريق النضال يتطلّب الصبر والفهم لمبادئ الحركة، لهذا طلبوا من الرفيقة المسؤولة عنها أن ترافقها في جميع مهامها خلال الفترة الأولى، ليس فقط لتكون مرشدة لها، بل لتكون أيضاً قدوة أمامها، تعلّمها من خبرتها الميدانية، وتوضّح لها مبادئ الحركة وقوانينها وأسس العمل التنظيمي والنضالي فيها.

خضعت هيفاء عربو لفترة اختبارٍ مدّتها ثلاثة أشهر، وهي فترة كانت تعتبرها العائلة ضرورية لقياس مدى قدرتها على التأقلم مع ظروف الحياة في الجبال، ومع مرور الوقت أثبتت كفاءتها في العمل النضالي بجدارة. لم تكن مجرّد متلقية للتوجيهات بل أصبحت عنصراً بارزاً في مجموعتها. عند انتهاء فترة اختبارها أدركت العائلة أنّها جديرة بالاستمرار في صفوف حركة التحرر الكردستانية.

درّبت نفسها على الانضباط حتى النهاية فأصبحت مثالاً للتواضع والتضحية والمرأة الحرة. لم تعترف بالحدود التي وضعها العدو، فأصبحت مناضلة من أجل الحرية في كل أنحاء كردستان، وفي الشرق والجنوب والغرب قامت بعملٍ لا مثيل له لتنظيم الشعب الكردي والمرأة الكردية. لذلك دائماً ما ارتبط اسمها بوحدة كردستان وبصورة المرأة الحرة المناضلة.

مع انطلاق ثورة التاسع عشر من تموز في إقليم شمال وشرق سوريا عام 2012، اتجهت على الفور نحو منطقة روج آفا. فمن ناحيةٍ حاربت عدو العالم والمرأة المتمثل بداعش، ومن ناحيةٍ أخرى بذلت جهوداً كبيرة في بناء الثورة، وسعت دائماً للتأكيد على أنّ ثورة روج آفا ستتطور وتنمو بلون المرأة.

كانت تؤمن بوحدة الشعب الكردي فكافحت بشغفٍ كبير من أجل وحدته. لقد جسّدت الشهيدة هيفاء عربو ثورة “المرأة -الحياة – الحرية” في شخصها، وبذلت جهوداً كبيرة لتحويل هذه الثورة إلى ثقافةٍ وحياة، ولم تعمل من أجل النساء الكرديات فحسب بل من أجل النساء العربيات والسريانيات والتركمانيات والأرمنيات أيضاً. بعد تحرير مدن الرقة ومنبج والطبقة ودير الزور من براثن تنظيم داعش الإرهابي عملت على بناء منظماتٍ نسائية، ونشر مفهوم الحرية بين النساء، وتمكين المرأة من المشاركة في كافة مجالات الحياة، فأصبحت مثالاً للمرأة الثورية التي تستطيع كل النساء أن تستمد منها القوة.

في عام 2019، رغم التحديات وهجمات الاحتلال التركي، قامت هيفاء عربو باسم مؤتمر ستار بالكثير من الحملات المنظّمة من أجل وضع الاحتلال التركي لعفرين في جدول أعمال المرأة في جميع أنحاء العالم، وبناء مبادرة النضال المشترك. العديد من الوفود النسائية حضرت من جميع أنحاء العالم لتقصّي وضع نساء عفرين عن كثب، وفي نفس الوقت رأت الوفود ثورة روج آفا والمرأة. وضمن إدراكها لأهمية مظلّة موحّدة للتنظيم النسوي ساهمت في تأسيس مجلس المرأة الذي ضمّ عضوات من مختلف المكونات، لتحقيق وحدة العمل النسوي والمشاركة الفاعلة في رسم مستقبل سوريا الجديدة.

ساهمت بافتتاح الإدارة الذاتية الديمقراطية في شمال وشرق سوريا، وبذلت جهوداً كبيرة لضمان مشاركة كافة الهويات، ومنح المرأة مكانةً متساوية في نظام الإدارة الذاتية، وتحقيق الديمقراطية الحقيقية. كذلك عملت كعضوة في مجلس المرأة، تولّت منصب الرئاسة المشتركة في مقاطعة الجزيرة، وعملت بشكلٍ متساوٍ وعادل وديمقراطي مع كافة المكونات لبناء ثورة وطنية ديمقراطية، وإيماناً منها بأنّ الثورة النسائية هي أساس الثورة الاجتماعية انضمت في نهاية المطاف طوعياً إلى مؤتمر ستار، وانتُخبت كعضوةٍ منسّقة في المؤتمر الأخير، وكانت قدوة للنساء اللواتي تلقين تدريباتهن، وكانت رفيقةً لكلّ امرأة.

مؤتمر ستار سعى منذ تأسيسه عام 2005 إلى تنظيم نفسه على أساس التضامن المشترك، والإرادة الحرّة والإدارة الذاتية مع جميع النساء من كافة الشعوب والثقافات واللغات والمعتقدات التي تعيش في شمال وشرق سوريا بشكلٍ خاص وسوريا بشكلٍ عام، ويتّخذ أيديولوجية المرأة ومنظورها أساساً لحل القضايا والمشاكل الاجتماعية، ويناضل في جميع مجالات الحياة وفق منظور الكونفدراليّة الديمقراطيّة.

كما لعب مؤتمر ستار دوراً بارزاً وريادياً في ثورة روج آفا المعروفة بثورة المرأة، حيث بدأ بإعادة تنظيم المرأة وتدريبها وتعريفها لهويتها ودورها الحقيقي في البناء المجتمعي، سواء في مجال الدفاع المشروع وتأسيس المنجز التاريخي (وحدات حماية المرأة) ودورها التاريخي في الدفاع عن روج آفا كواجب من واجباتها، وأيضاً المتعلّق بتأسيس عشرات المؤسسات التي تعتني بشؤون المرأة.

كانت الشهيدة هيفاء عربو تحمل في روحها شعلة النضال من أجل قضية شعبها وتحرير المرأة من الظلم والعبودية، وكانت مثالاً للمرأة المناضلة الصامدة التي لا تعرف اليأس أو الخوف. ناهيك عن أنّ روح الصداقة كانت لديها عالية جداً، وتتعامل دائماً مع جميع أصدقائها ورفاقها بمسؤولية وتشارك تجاربها معهم، بالإضافة إلى أنّها كانت تتمتع بروحٍ معنوية عالية وطاقة، لقد أولت أهمية كبيرة لأنشطة المرأة، وكانت تتحدث دائماً عن آلام ومعاناة النساء عبر التاريخ.

أبرزت الشهيدة هيفاء عربو في مسيرتها النضالية أنّ فكر الفيلسوف عبد الله أوجلان لم يكن مجرّد طرحٍ سياسي أو تنظيري، بل كان مشروعاً تحررياً متكاملاً فتح آفاقاً جديدة أمام المرأة لتُعيد صياغة دورها ومكانتها في المجتمع. فقد وجدت في فلسفته دعوةً واضحةً لكسر القيود الذكورية والتقاليد البالية، وبناء حياةٍ قائمة على المساواة والحرية والعدالة. كان فكر القائد الأممي عبد الله أوجلان بالنسبة لها بمثابة البوصلة التي تحدد الطريق نحو مجتمع ديمقراطي، حيث تكون المرأة فيه شريكةً كاملة في القرار والحياة العامة.

أصبحت المناضلة هيفاء عربو بمثابة جسرٍ لإيصال نموذج القائد الأممي عبد الله أوجلان (الحياة الحرة) إلى المرأة والشعب السوري، ولتحقيق هذا الهدف سافرت إلى كلّ ركنٍ من أركان شمال وشرق سوريا وروج آفا. كما لم تعرف حدوداً في مسيرتها من أجل حرية الشعب الكردي وحرية المرأة، ولهذا السبب صنعت مكانتها في قلوب الشعب الكردي في أجزاء كردستان الأربعة وفي قلوب جميع النساء.

لعبت المناضلة هيفاء عربو أيضاً دوراً بارزاً في تعزيز نضال المرأة التنظيمي في مواجهة الاحتلال التركي، والتهديدات المستمرة على مناطق شمال وشرق سوريا، لتصبح بذلك رمزاً للتضحية والثبات في مواجهة الاستبداد والعنف المنظم الذي حاول القضاء على إرادة الشعوب الحرة. كما عملت واجتهدت من أجل أن تتوسع ثورة روج آفا في كافة أنحاء العالم والمنطقة، وأن تصبح الثورة السورية ثورة نسائية.

دائماً كانت تقول بأنّ المرأة في ثورة 19 تموز في شمال وشرق سوريا قدّمت أروع ملاحم البطولة والفداء ضد الفاشية التركية المحتلة ومرتزقتها الإرهابية، وأنّ المرأة دفعت ثمناً باهظاً في ظل هجمات جيش الاحتلال التركي على مدينتي سري كانيه وكري سبي المحتلتين، حيث تعرّض السكان لأبشع أشكال الانتهاكات من القتل إلى التهجير القسري وتدمير البيوت في محاولةٍ لطمس هوية المنطقة وثقافتها. كانت هذه الجرائم بالنسبة لها دليلاً إضافياً على أنّ النضال من أجل الحرية ليس خياراً بل ضرورة وجودية.

أحد جملها الشهيرة التي لا تزال تتردد إلى أذهان كل امرأة مؤمنة بالحرية هي “المرأة هي من ستحدد دورها في المرحلة الجديدة في سوريا، وبقدر اتحادنا ووحدة صوتنا، سنشارك بشكلٍ أقوى في المرحلة الجديدة، وبصوت المرأة في شمال وشرق سوريا سيتمّ النقاش على الدستور الجديد لسوريا، فالمرأة يجب أن تحمي وتصون المكتسبات التي تحققت، فقضية المرأة واحدة، ولهذا يجب أن نوحّد نضالنا”.

بعد سنوات من النضال والمقاومة وتأدية رسالتها السامية في شمال وشرق سوريا تم تكليفها بخوض النضال بين صفوف النساء في جنوب كردستان. بتاريخ 27 كانون الثاني عام 2025، استهدفت طائرة مسيّرة تابعة لدولة الاحتلال التركي سيارة مدنية في قضاء رانيا التابع لإدارة رابرين في مدينة السليمانية، ما أسفر عن استشهاد أربعة مدنيين بينهم عضوة منسقية مؤتمر ستار هيفاء عربو وعضو حزب الاتحاد الديمقراطي ديلاورعربو.

في تاريخ 12 شباط من ذات العام استقبل المئات من أهالي مدينة قامشلو، عامودا، ديريك، كركي لكي، رميلان، جل آغا، وتربه سبيه جثامين الشهداء وتعالت زغاريد الأمهات وشعارات الأهالي التي تحيي المقاومة وتمجّد الشهداء.

شارك المئات من سكان الجزيرة وممثلو الإدارة الذاتية والجهات المدنية في مراسم تشييعها التي أقيمت بتاريخ 14 شباط عام 2025 في مزار الشهيد رستم جودي بقرية بركفري التابعة لمدينة الدرباسية. خلال مراسم التشييع أكّدت عائلة الشهيدين أنّ النضال سيستمر بلا هوادة، وأنّ آلاف النساء والشباب سيمضون في درب الحرية على نهجهم ونهج القائد الأممي عبد الله أوجلان، وسط دعوات عارمة لرفع وتيرة النضال على درب الشهداء، والمقاومة أمام المخططات والمجازر التي ترتكبها دولة الاحتلال التركي بحق الشعوب التوّاقة للحرية والسلام.

في خطوةٍ تعبّر عن الوفاء لدماء الشهيدات، أطلق مؤتمر ستار بتاريخ 10 نيسان عام 2025 دورةً فكرية جديدة تحمل اسم الشهيدة صالحة فيان (هيفاء عربو) تكريماً لمسيرتها النضالية، وتخليداً لقيم الحرية والمقاومة التي جسدتها في حياتها، وتأكيداً على أنّ إرث الشهيدة سيبقى محفوراً في وجدان الحركة النسائية، وأنّ فكرها سيظل منارة تُنير خُطى الأجيال القادمة في مسيرة النضال نحو الحرية والمساواة، بالإضافة إلى أنّها تهدف إلى نقل فكر وتجربة الشهيدة إلى الأجيال الجديدة من النساء والشباب، وإحياء إرثها كرمزٍ من رموز النضال النسوي في شمال وشرق سوريا.

لم تكن هيفاء عربو الضحيّة الوحيدة لسياسات الاستهداف الممنهج التي تتبعها الدولة التركية بحق النساء في شمال وشرق سوريا، بل كانت واحدةً من سلسلةٍ طويلة من المناضلات اللواتي دفعن حياتهن ثمناً لمواقفهن ودورهن الريادي في المجتمع. فقد أدركت تركيا أنّ المرأة لم تعد مجرّد عنصرٍ اجتماعي ثانوي، بل أصبحت فاعلاً سياسياً وعسكرياً وثقافياً يقود المبادرات وينشر الوعي، ويكسر القيود الذكورية التي فرضتها قرون من الهيمنة.

الشهيدات في سبيل الحرية باقياتٌ في سماء وقلوب كل الأحرار شموساً ساطعة. نساءٌ رفضن الانكسار أمام إرهاب القمع والاحتلال، وأثبتن أنّ الكرامة أغلى من الحياة نفسها، وأنّ الأرض التي روتها دماؤهنّ ستُنبت زهور الحرية. لتذكّرنا أنّ الحرية ليست شعاراً، بل دماء سالت وقلوب توقفت عن النبض كي يظل شعبها نابضاً بالحياة.

في الختام يمكنني القول بأنّ هيفاء عربو لم ترحل بل تحوّلت إلى نبضٍ يسري في عروق كل امرأةٍ حرّة، وإلى رايةٍ لا تسقط مهما اشتدت العواصف، وأنّ نضالها لم ينتهِ باستشهادها، بل بدأ طريقاً جديداً لمن جاء بعدها في مواصلة بناء مجتمعٍ حرٍّ ديمقراطي.